حتى لا تتحول الثورة المصرية إلى كابوس مرعب يُديره الإسلاميون، لا يصح تجاوز الأحداث التي كانت و مازالت تحدث ضد المسيحيين المصريين، مع وجوب الامتناع عن صرف النظر عن الحقائق الماثلة على الأرض في ثقافة المصريين الوهابية ، إلى الأيادي الخفية، بغرض عدم المُعالجة السليمة و عدم الرغبة في هذه المٌعالجة، بإحالتها إلى الأيدي الخفية، و مادامت خفية فمن الصعب تحديدها لإيقاف عملها ، و يظل الوضع كما هو عليه، و تظل الألغام مدفونة لتنفجر في وجوهنا كل يوم.

في الأحداث الأخيرة بقرية إطفيح مركز صول بشرقي النيل، حدثت حالة حب بين شاب مسيحي و شابة مسلمة، وهو شأن طبيعي فالحب لا يعرف الأديان و العناصر، فهو حالة وجدانية خاصة بين طرفين بالتراضي بينهما، لكنه في بلادنا يكون كارثة كونية تقوم بسببها الحروب وتٌحرًق البلاد، فليس لدى المسلم مانعا من ركوب مسلم لمسيحية بحسبانها سبية، و لأن الإسلام هو الدين الأعلى ، يعلو و لا يُعلى عليه ،فهو يركب ولا يُركب ، و هي ثقافة الفاتح الغازي الذي يستولي على بلاد بكاملها بما عليها، و يحول أهلها إما أتباعا له يعتنقون عقيدته و لا يرتقوا بذلك لمستواه إنما يظلوا موالي، أي درجة من العبودية بين الأحرار وبين العبودية الكاملة، و إما عبيدا بالمعنى الكامل في حال بقائهم على دينهم و ثقافتهم المحلية الوطنية، و تكون أموالهم و أعراضهم عُرضة طوال الوقت للاغتصاب بالحكم الشرعي.

ولعل شر أنواع الاستعمار طرا هو الاحتلال الاستيطاني الذي يُوًطن الغزاة سادة و يجعل المواطنين الأُصلاء عبيدا و يمحو ثقافة هذا الوطن بالتمام و يقضي على لٌغًته الوعاء الثقافي الحامل لتاريخه، و يستبدله بثقافة المستعمر لتُصبح ثقافة للوطن، ليُصبح الاستعمار ليس فقط للأرض أو الناس إنما يصل إلى الروح، وما أبشع الاستعمار الروحي للشعوب بين كل أنواع الاستعمار.

وفي أحداث إطفيح جلس العقلاء من قسوس و كبار القرية لحل المشكلة ، و انتهت بتطبيق قانون الإذلال للأقلية، بنفي الشاب و أسرته من القرية و إعلان بيع بيتهم لمن يُريد، لكن المتشددين من أهل القرية رأوا أن ذلك أمر لم يرد بالشريعة الإسلامية، فقاموا بقتل و تصفية عناصر الجريمة بما فيهم أب الفتاة الذي وافق على هذا الاتفاق غير الشرعي، وقاموا بتطبيق الشرع بهدم الكنيسة ومطاردة ستة اّلاف أسرة مسيحية ونهب بيوتهم وإخراجهم من القرية بعد الاعتداء الوحشي عليهم.

ورغم ما يعلمه المصريون عن أن هذا الشق من الوطن شرقي النيل يتعيش معظمه على تجارة المُخدرات تهريبا وتوزيعا، فمن الغريب أن يقوم هؤلاء بتطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين من مواطنيهم، ربما لأن المخدرات لا يوجد بشأنها تجريم في الشريعة كتحريم الخمر والخنزير، وهي بذلك ليست مطعنا في صدق الإيمان ، وللحق فإن هدم الكنيسة حسب الشريعة هو أمر سليم مئة بالمئة حسب الوثيقة العُمَرية الشهيرة، بهدم ما يُستحدًث من كنائس وعدم تجديد القديم منها حتى يتهاوى ويزول مع الأيام، لكن أهل إطفيح المسلمين الخلصاء رأوا أن يُقدموا للشريعة فضلا زائدا بعمل لم تُقٍره الشريعة و هو إخلاء القرية من المسيحيين، لأن هذا الأمر خاص فقط بجزيرة العرب ولا يسري على الأقطار المفتوحة، وبذلك أصبح تُجار المُخدرات يُشرعون للإسلام المزيد من الفضائل، كالذين شرعوا النقاب كفضل زائد زايدوا به على الحجاب.

أذكر هنا الثورة العارمة التي قامت بسبب رد الأنبا بيشوي على تحريض قناة الجزيرة وأحمد منصور وسليم العوا ضد المسيحيين واتهامهم باستيراد أسلحة من إسرائيل وتكديسها بالأديرة، وهي التي لم نراها مرة واحدة ولو في حالة دفاع عن النفس بالكنائس التي تُحرًق والأديرة التي تُهدًم. ومن وجهة نظري فإن الأنبا بيشوي قد أخطأ في قوله مرتين، مرة عندما قال أن المسلمين المصريين هم ضيوف على المسيحيين المصريين، ومرة عندما تساءل عن اّية قتال أهل الكتاب هل كانت ضمن القراّن أم أُضيفت إليه.

الخطأ الأول ، أنه إذا كان يقصد بالمسلمين الضيوف المُسلمين الفاتحين لمصر، فهو فادح الخطيئة، لأنهم لم يكونوا ضيوفا إنما كانوا غزوا عسكريا استيطانيا لم يتم بالمُطلق على دعوة من أقباط مصر كما يزعم المُفلسفون المسلمون، لأن قصة الفتح معروفة عن رغبة عمرو بن العاص فيها باعتبارها منجم و كنز مطلوب ، وعدم رغبة الخليفة عمر و كيف أخفى خطاب الخليفة حتى جاوز العريش ليفتحه ويُعلنه لجيشه و يدخل مصر غازيا. وإذا كان الأب بيشوي يقصد بالضيوف المسلمين الحاليين فهو خطأ لا يقل فداحة ، لأن هؤلاء مصريين تاريخيا سواء كانوا مسيحيين تأسلموا ، أو عرب غُزاة تمًصروا منذ ألف و اربعمائة عام.

الخطأ الثاني أن الأب بيشوي تصور أنه مادام ممكنا أن يسمع يوميا عبر ميكروفونات المساجد التأكيد بالقراّن والحديث أن تحريفا ما حصل بالإنجيل، أنه يجوز له أن يقول نفس الشئ بالنسبة للقراّن من باب تحسين الوضع لتبرئة القراّن من تهمة أن الله قادرعلى حفظ بعض كلامه(القراّن) وغير قادر على حفظ بعض كلامه (الإنجيل) ، لأنه نسي أنه من العبيد و أن تطاوله على قدس أقداس السادة هو الطريق إلى مجزرة دموية ضد العبيد، وأن عليه الاعتراف بتهمة تحريف الإنجيل، وكمال وصوابية القراّن، وهو ما يعني أن يُعلن إسلامه وإن ظل مسيحيا، بإعلان سلامة القراّن واعتلال سلامة الإنجيل. الطريف في أمر الأنبا بيشوي أنه عندما تحدث صاحب هذا القلم عن وجوب الصدق مع أنفسنا وتسمية الأحداث بأسمائها الحقيقية وأن الفتح العربي كان غزوا استيطانيا ، وذلك منذ عدة سنوات عندما كان هو وامثاله صُم بُكم لايحيرون قولا، تطوع نيافته للرد على ما كتبت بحسبانه بوابة للفتنة !!! أُسكت يا صاحب النيافة لأنك تتورط فيما لاتفهم وتورط الوطن في مصائب عبرت عنها المسيرات السلفية الألفية بالإسكندرية قبل الثورة بأسابيع ..

ومن بيشوي إلى الإخوان وأذرعهم الضاربة سواء في جماعات متعددة الأسماء أو الأزهر أو دار الإفتاء احزن يا وطني، فكلهم يُجمعون على التبعية لثقافة الفاتح التي تُقسم الناس إلى سادة و عبيد بنصوص مقدسة و أحاديث وتشريعات و أبواب طوال في فقهنا، بإصرارهم على عدم المساس بالمادة الثانية بالدستور، مع تأكيدهم أن الدين الإسلامي هو دين الحرية القائمة على المساواة بين الناس بالعدل حقوقا و واجبات، دون أن يُشيروا إلينا أين نجد هذه النصوص المُقدسة، فأي دين إسلاما كان أم دين اّخر، لا يساوي بين المؤمنين به وبين أصحاب الأديان الأخرى، وأن كل دين من الأديان الثلاثة يقسم ويمايز في داخله ويميز بين أتباعه، و كلها تعترف و تُقر و تٌقنن للقانون القديم اللإنساني بأن داخلها سادة و عبيد لا يتساويان أمام الشرائع الأرضية، و المساواة مؤجلة إلى ما بعد البعث في جميعها، بل أن بعض هذه الأديان يجعل المساواة بعد البعث شبه مستحيلة، فهناك فرق بين من رزقه الله في الدنيا واغناه فتصدق وزكى فيكون له المكان الرفيع في عالم الخلد، و بين العبد الذي لا يملك ما يتصدق به ويُزكي، فهناك أيضا لا يستويان، كذلك الذكر والأنثى في اّخرة الرحمن لا يستويان، فمن حق الذكر ألوف الحور العين، ومن حق الأنثى الصالحة أن تكون محظية ضمن محظيات الزوج السعيد. إن الإصرار على استدامة المادة الثانية بالدستور التي تُفرق بين المواطنين على أساس الدين، و ترفع شان طائفة من مواطنيها على شأن طائفة أخرى، و تدعم دينا من أديان مواطنيها ضد بقية الأديان، ولا تترك كل دين في الوطن يظهر بقوته الذاتية في منافسة متكافئة ، هي مادة ضد كل معاني الحريات، وتغتال أساس معنى الحريات الديمقراطية التي لا تقوم إلا على المساواة المطلقة بين المواطنين ، حتى أن عقيدة خاصة لمواطن واحدة تستحق من الوطن كله الدفاع عنها وعنه.إن الإصرار على بقاء هذه المادة هو هدم لكل مطالب الثورة بالحريات، وهدم لأساس أي دستور، وتكريس لعدم المساواة بين المواطنين الذي تنتفي معه فكرة المواطنة والانتماء الوطني و تُغيب لصالح ثقافة الغازي المستوطن والعبد الوطني، وفق القاعدة الأموية الخليفة ردا على الوالي الذي ذهب من مصر الى دمشق يرجو تخفيف الجباية بعد أن نهكت الرعية وأفلست، أن هؤلاء ليسوا رعية و"إن هم إلا عبيدا لنا نزيد عليهم كيفما شئنا".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا