مرقس 32:14-42

"جثسيماني" وتعني معصرة الزيت، وقد كانت بستاناً للزيتون. كان سقوط الانسان في أول معركة مع ابليس في بستان، ومن الملائم جداً أن تقع المعركة النهائية لفداء الإنسان في بستان. لقد كان البستان الأول بستاناً مفقوداً، والثاني مردوداً.

وعلى جبل الزيتون نرى مشهداً مؤثراً، نرى حزناً عميقاً يكسر القلب، حزناً نبعَ من محبة لم تُقابل بمثلها. ونحن نختبر أحياناً مثل ذلك عندما لا نجد رداً للمحبة، مع أن محبة المسيح تفوق كل محبة بشرية. في خارج المدينة نرى ذا القلب المنكسر المخلص يبكي على الخطاة، وفي الداخل الأشرار يطلبون قتلهُ وسفك دماء ذاك الذي سكب دموعه عليهم رافضين محبته الفائقة لهم (مز5:109). نرى رب المجد يصارع في ليل ضباب الألم.

ربما عبرنا أو نعبر ليل ضباب ما، ضباب كثيف يأسر الروح بمكره ويتعذّر الإفلات منهُ؛ ضباب الخيبة، الشك، الفشل، الخوف؛ يا له من ضباب ثقيل لا يحترم وقتا ولا إنسانا. إنه ضباب يُعمي عيوننا فيصعب علينا المسير. وإذا أحاطنا من كل جانب، أصبحت الرؤية محدودة وأصبح غَدُنا غير جلي. وإذا ذقت الخيانة من صديق فأنت تستطيع أن تقدر ما قيمة القلب المكسور، أو إذا تُركت من أهلك، إذا فقدت عزيز لديك، فأنت تعرف مقدار هذا الألم. وإن عَبرت هذا الضباب إعلم إنك لست وحيداً.

قالَ أحد الكوميديين: لو كانت القلوب المحطمة إعلانات، لكان العديد منا ظهروا على التلفاز.

كم قصة مؤلمة قرأنا؟ كم مشهد مؤثر رأينا؟ حروبات، دمار، موت، إنتحار، عنف، أمور مخيِّبة للآمال، مآسي ضبابية تُعمي أبصارنا وتُجهض أحلامنا. فما علينا إلا أن نسعى لطلب المعونة الإلهية حتى نصمد أمام هذه كلها بينما القلب محطم.

في هذه الفقرة من انجيل مرقس، نرى رجل الأوجاع كما وصفهُ إشعياء(إش53)، رجلاً يشتاق إلى النجاة. ربما رأى البعض صورته وهو على ركبتيه جاثيا يصلي؛ نظرتهُ هادئة، وجههُ مُلطَخ بالتراب وعلى جبهتهُ دم، نورعلى شعرهُ آت من السماء. أنا لست برسامة، ولكني أعتقد أن الذي رسمهُ أخذَ وصف المشهد من انجيل مرقس.

لنتأمل هذه العبارات المكتوبة في الفقرة: "إبتدأ يدهش ويكتئب". إنهُ يشعر بالحنين إلى السماء ولأبيه في ساعة موتهِ، كما انهُ مُحاط بعدم الإيمان والقسوة والشرمن جانب الإنسان، ومعاناته التي لا تنتهي من أجل خلاص البشرية. لقد تحمل إبن الإنسان مثل هذه الآلام الفائقه حتى إنهُ أصبحَ "مُتخماً" بالآلام (عدد 34). كانت نفسهُ حزينه حتى الموت. إن الشخص الذي يحتضر يجب أن يكون نور المصباح مُضاء في الحجرة حيث يضطجع، وأحباءه مستيقظين وقريبين منهُ، يشاركونه في تجربة الموت إذ يجد راحة في وجوههم. ولكن لم يكن في مقدور التلاميذ أن يرفعوا عن كاهل يسوع شيئا من أهوال حزنه. ومع هذا فقد أراد لهم ان يسهروا ويصلوا لأنهُ كان يعلم مقدار تجربتهم في تلك الليلة المصيريّة، وكم كانوا يحتاجون إلى معونة من فوق.

إن سر آلام ابن الانسان في جثسماني يفوق الإدراك البشري، مثل سر التجسد والكفارة. فالإتحاد التام بين الناسوت واللاهوت في المسيح مَكنّهُ من أن يحتمل مثل هذا الألم، ومن الخضوع المطلق الذي عبّرت عنه صلاته في (مرقس36:14). كما أن كاتب العبرانيين يُظهره في جهاده المرير وتوسله المقتدر (عب5-9:7). إن الهدف من التجسد لم يكن قد أُكمِلَ دون هذا اليوم، لأن في البستان نرى خالقنا وهو إبن الانسان. لقد بكى يسوع، ولكن بعد قليل سنرى السبب والدافع لتلك الدموع، فإنهُ سيحتاط به جمهور عظيم من الخطاة وقد خلصوا بالنعمة الفائقة، وقديسين رُدت نفوسهم بتلك النعمة ليمسح كل دمعه من عيونهم.

عزيزي القارئ، كلما حاولت شفقتك على نفسك أن تقنعك بأنه ما من أحد يهتم بك، إقرأهذا المشهد.

كلما رأيت الناس الذين من حولك وقد فقدوا الرحمة، تذكر هذا المشهد.

كلما إنكسر قلبك، انظرإلى يسوع. لقد انكسر قلبه لأجلك (عب18:2) (لوقا 18:4).

إذا قُدر لك العذاب وانت حقاً تعبر بظروف حالكة، إلتفت جيداً إلى تلك اليد الممدودة التي تريد قيادتك خارج الضباب؛ هذه اليد المثقوبة على إستعداد دائم لتقديم العون لك. يسوع تألم لأجلك ولأجلي.

إذا خانك الخلان أو حتى نفسك قد خذلتك، انظر إلى قلبه الذي لا يخون أبداً.

ربما يدوم البكاء لليلة، ولكن في الصباح ترَنُم. ورغم ان ظلمة نصف النهار في الجلجثه كانت أحلك من ظلمة نصف الليل في جثسيماني، إلاّ أنه تلاها صباح صافٍ بلا ضباب، هو فجر القيامة ومن بعده المجد.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا