في لقائي مع الفنان هاني رمزي، في برنامجه الممتع "الليلة مع هاني"، طلب مني أحدُ القراء، أو ربما القارءات، عبر تويتر، أن أقرأ قصيدة "قرطبة" التي سجّلوها باستوديو صوتي في برلين بالألمانية والعربية. وقرأتُها، بعدما شرحتُ السبب الذي دفعني لكتابة هذه القصيدة التي أعتزّ بها. لكن المخرج في مونتاج الحلقة، مسح الشرح، وأبقى على القصيدة، ربما لدواعي الوقت ومدة البرنامج. لهذا أشعر بأنني مَدينة للقرّاء بهذا التوضيح، الذي ربما يُلقي الضوءَ لا على القصيدة وحسب، بل ربما يُلخّص مجملَ توجهي في الحياة، والرسالة التي أحاول نشرها في مقالاتي ومحاضراتي وحياتي. وهي: "حتمية" نشر قيمة المحبة والعدالة بين البشر، مهما تعددت عقائدنا وتوجاهاتنا الفكرية أو السياسية. وتكريس ثقافة: "الاختلاف دون خلاف"، لأن اختلافنا وتعدديتنا وتباين توجهاتنا ثراءٌ وغِنى ورحمة، من الغباء أن نحوله إلى تناحر وطائفية واقتتال وتلاعن وتكفير.

الحكاية بدأت حينما زرتُ مدينة "قرطبة" بأسبانيا، فشعرتُ بأنني أتجوّل في مدينة عربية لكنها متحضرة نظيفة مستنيرة. هنا ميدان "ابن رشد"، وهذه مدرسة "ابن رشد"، وذلك شارع "ابن رشد"، وتلك مكتبة "ابن رشد" Averroes! يعتزون بالرمز الإسلامي الأندلسي الفريد "ابن رشد"، أكثر مما نفعل نحن المسلمون في مصر، وفي سائر البلدان العربية. رمز التنوير الجميل الذي قال: "الحقُّ لا يُضادُّ الحقًّ". الدينُ حقٌّ، والتفكيرُ حقٌّ، والحقّانِ لا يتضادان أبدًا. ومن ثَمّ فعلينا التفكير والعقل، لا التبعية والنقل. آمن بأن النصَّ الربّاني نزل لصالح الإنسان، وليس لتعذيبه. فإن تعارض مع صالحه، أعدنا تأويل النصّ ليتفق مع صالحه في كل زمان ومكان. لأن الخلل هنا سيكون في فهمنا للنص، وليس في النص ذاته. فإن تعارض من جديد، أعدنا تأويل التأويل حتى يتفق مع صالح البشر. لأن النصَّ "حقٌّ"، وصالح الإنسان "حقٌّ. والحقان لا يتضادان.

ثم دخلتُ كنيسة "المسجد الكبير". وأدهشني الاسم. لكن الدهشة تحوّلت إلى فكرة ورسالة تنويرية حين دخلتُ إلى صحن الكنيسة لأشاهد آيات قرآنية تجاور تمثال السيد المسيح عليه السلام. وأدعيةً إسلامية وأحاديثَ شريفة للرسول عليه الصلاة والسلام، تلاصق صور السيدة العذراء والقديس يوسف والملاك ميخائيل! والمحرابَ يجاور المذبح! لهذا تجد مكتوبًا على ظهر تذكرة الدخول "تذكّرْ أنك في كنيسة"، كيلا يختلط الأمر على الزائر فيظن أنه في مسجد، من فرط السمات الإسلامية بالكنيسة الضخمة.

أما تاريخ هذا المُجمع الديني المدهش، فيلخّصه عنوان المقال. فقد كان "هيكلا" في عهد الملك سليمان. ثم تحوّل إلى كنيسة مع مقدم السيد المسيح. وحين دخل العربُ الأندلس حوّلوا الكنيسة إلى مسجد، بعدما محوا كلّ المعالم المسيحية به، وبنوا المئذنة محلّ برج الكنيسة. وحين خرج العربُ واسترد الأسبانُ أرضهم، أعادوا المسجد الكبير من جديد إلى كاتدرائية كاثوليكية. لكنهم شعوبٌ تحترم التاريخَ أكثر مما نفعل، فلم يدمروا سماته العربية، ولم يمسحوا الآيات ولا الأحاديث ولا الزخارف الإسلامية مع على الجدران، ولا هدموا المنبر والمحراب، بل أبقوا عليها مع إضافة رموزهم المسيحية. وهنا تبرز الرسالة التي أكرّس عمري من أجلها، وبسببها أتعرض للتكفير والبذاءات والغلواء: هو إلهٌ واحد لهذا الكون، نعبده جميعًا، نحن الستة مليار نسمة فوق هذا الكوكب ولا نشرك به شيئًا. إله واحد شئنا أم أبينا، نعبده جميعا، كلٌّ عبر زاوية ما. لكن تعدد عقائدنا لا يعني تعدد الله، فهو واحد، نراه من زوايا عديدة. ففيمَ التناحر والاقتتال؟! وفيم الغرور والصلف وانعدام الأدب حين نجعل من أنفسنا، نحن العباد الفقراء، آلهةً تُحاسب وتُثيبُ وتُعاقب، بينما هي وظيفةُ الله وحده، جلّ شأنه، يوم القيامة؟

وإليكم الآن قصيدة "قٌرطـبة"، التي يختلط فيها صوت الآذان بصوت أجراس الكنيسة، وأطرحُ فيها مدى ما قمنا به نحن البشر من تشويه للفطرة وتخريب للبديهيات، وكيف نحن جعلنا "الحقَّ يضادُّ الحق"، وملأنا الأرض دماء وهدمًا ودمارًا، بدل أن نملأها حبًّا وسلاما ورحمة، عكس ما يقول المنطق السليم، والقلب النظيف.

"حين نُسلِّمُ الأرضَ إلي الله سيكون علينا أن نُعيدَ الكونَ سيرته الأولى: نزرعُ الغاباتِ التي أحرقناها، وننفخُ من أرواحِنا في الهياكل العظميّة التي وأدنا الروحَ فيها. نُعيدُ للطيرِ أمانَه وزقزقتَه تلك التي تعلّمَ أن يُسكتَها كلمّا مررنا -نحن البشر- جوارَ شجرة، نُعيدُ الصحراءَ صحراءَ والمروجَ فراديسَ ثم نلصقُ التفاحةَ المأكولةَ في شجرة الخطيئة الأولى كي يحبَّنا الله، ندرّبُ أنفسَنا أن نسيرَ فوق الرمال دون أن تدهسَ أقدامُنا الطولى أسرابَ النمل الطيبة.

سيكونُ علينا أن نفكِّكَ نهرَ قرطبةَ ونمنحَ شِطرًا منه اسمَ: جوادا والشطرَ الآخر: الوادي الكبير. ثم نعيدُ الكاتدرائيةَ مسجدًا والمسجدَ كنيسةً رومانيةً.

سيقفُ "ابنُ رشد" بين المذبح والمحراب ليقول: "الحقُّ لا يضادُّ الحقَّ!" ثم نقف أمام اللهِ في صفٍّ طويل لنشهدَ كيف نحنُ جعلنا

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا