تأكيدًا على الحُبّ

سألتني الرفيقة بعد ظهيرة يوم أمس متغنجة: غدًا عيد الحبّ فماذا ستقدّم لي بالمناسبة؟ وهي تعلم أني على موعد مهمّ في المساء لا أستطيع التخلّف عنه، قد لا ألحق بالباص الذي يقلّني إلى أحد محلّات الزهور وقد يغلق المحلّ بابه قبل إنجاز مهمّة الموعد. كما أنها كانت على وشك الذهاب إلى عملها المسائي. قلت: حين تعودين من عملك (قبل انتصاف الليل) تجدين باقة الزهور في استقبالك. وقد سبق لها أن قالت: تكفيني منك وردة واحدة. كما سبق لها أن قدّمت لي وردة في العام الماضي لكي تذكّرني بهذه المناسبة. فغالبًا ما تشغلني ظروف المعيشة عن تذكّر بعض المناسبات، لكنّ هذه ليست حجّة مقبولة أمام الرفيقة، لأنها قالت مرّة: أنت تتذكر ما يعجبك وتتناسى ما لا يعجبك أو ما هو أقلّ أهمية في نظرك! فبصعوبة استطعت مع الأيّام نيل مسامحتها على نسياني عيد ميلادها، قبل ثلاث سنين، ما دعاها إلى اعتبار جميع قصائدي الغزلية المكتوبة على اسمها، المنشورة منها وغير المنشورة، شِعرًا مبالغًا فيه ولا يمتّ إلى الواقع والحقيقة بأيّة صِلة! فاضطررت فيما بعد إلى تسجيل جميع المناسبات المتعلّقة بالمرأة على تقويم الكومپيوتر، لكي أتذكّر فعل الواجب وأحيانًا ما هو أزيد من الواجب. وكثرما أصبح هذا “الأزيد” من الواجب فعله أيضًا؛ أي أنّ من واجب المرء أحيانًا أن يفعل ما يظنّ أنّه أزيد من الواجب لكي يُرضي امرأته وربّ العمل وغيره. عِلمًا أني، في نظري وأغلب الظن، لم أقصّر بشيء مع الرفيقة طوال حياتنا معًا، سواء أكنّا نعيش تحت سقف واحد أم منفصلين لأسباب خارجة عن إرادتنا. نظرت إلى الساعة فوجدت أنّ في وسعي إحضار الباقة خلال ستين دقيقة ما قبل بدء الموعد. فذهبت متجوّلًـا بين الأسواق لأعثر على الباقة الأجمل. هناك من الأسواق ما يضع الزهور في الواجهة معروضة للبيع وإن لم يكن السوق مخصّصًا لبيع الزهور. فاشتريت باقتين لفتتا انتباهي، غاضًّا بالنظر عن سعر كل منهما، على رغم استغلال بعض المحلّات المناسبة المذكورة لرفع السّعر. وضعت الصغرى منهما على طاولة المطبخ والكبرى على طاولة غرفة الاستقبال. ثمّ انطلقت إلى مكان الموعد فوصلت بدون تأخّر وأنجزت ما قمت به في وقت أغلقت المحالّ أبوابها. وصلت إلى منزلي قبل عودة الرفيقة بحوالي ثلاثة أرباع الساعة، سخّنت الطعام الذي أعددناه معًا قبيل بدء عملها فتناولناه، ثمّ تبادلنا التهانئ. وقد سُرّت بالباقتين كأنها لم تر مثلهما من قبل. فشكرت الرب على أن هذه الليلة انقضت بسلام. هكذا أكدت للرفيقة بأنّ اهتمامي بها من أولويّاتي وإن كان عقلها وقلبها وحواسّها على علم بوفائي ما لا حاجة لي إلى إثباته، لكنّ التأكيد مهمّ والمحافظة على الحبّ هي الأهمّ

* *

أسطورة الوردة الحمراء

توجد في المواقع الالكترونية روايتان (1) لأسطورة من أساطير الحبّ والوفاء، البطل في كل منهما عصفور؛ الأولى: وقع عصفور في حبّ وردة بيضاء، حاول التقرّب إليها سائلًـا إيّاها أن تحبّه. أمّا هي فكانت مغرورة بجماها ومستخفّة بحبّه قائلة: متى أصبحت حمراء أحببتك. ففكر العصفور في إيجاد وسيلة ما لكسب ودّ الوردة، فكّر باللون الأحمر متذكّرًا لون دمه. فطار صوب نبات شوكي وألقى بجسمه في الشوك بسرور، غير مبالٍ بالألم وغير مكترث للجروح. ثمّ عاد إلى مكان الوردة وحام فوقها والدم يتساقط منه، حتّى تضرّجت الوردة بدمائه فتغيّر لونها إلى الأحمر كلّيًّا. في النهاية؛ تقدّم إليها العصفور وهو يحتضر قائلًـا: هي ذي أنت حمراء الآن، أتحبّينني؟
أمّا الثانية فتروي قصّة شابّ فقير (إلى المال) أُعجب بأميرة في حفل أقامتْهُ وعزم على طلب يدها للرقص. فطلبت إليه أن يُحضر إليها وردة حمراء والموسم خريف. فخرج محزونًا وجلس تحت شجرة متفكّرًا في ما ينبغي عمله. فرقّ قلب عصفور كان على الشجرة لحاله وسأله عن سبب الحزن. فأخبره الشابّ عمّا حصل. فوعد العصفورُ بالمساعدة وطلب إلى الشاب أن ينتظر قليلًـا. طار العصفور باحثًا عن وردة حمراء فلم يجد إلّا ورودًا بألوان مختلفة ما عدا الأحمر. ففعل ما فعل عصفور الرواية الأولى وأتى الشاب بالوردة. ففرح الشاب بها جدًّا وانطلق تاركًا العصفور، حتّى نسِيَ أن يشكره، لكنّه حين قدّم الوردة للأميرة رفضت قائلة: فات الأوان؛ لقد سبقك مَن فاقك جمالًـا ومالًـا

* *

فكرة الفداء بالدم

ما عرفت فلسفة المحبة والفداء بالدم في كتاب ما قبل الكتاب المقدّس. فالملاحظ بل المؤثّر في كلتا الروايتين هو الفداء بالدّم إذ لزم لإنقاذ الموقف. أمّا الذي يخطر في ذهني الآن هو تاريخ كتابة كلّ من الروايتين، لأنّ الدّم من علامات المحبّة والفداء. فالسؤال الذي لديّ: هل ظهر أي من الروايتين قبل القرن الميلادي الأوّل؟ فجميع أسفار العهد الجديد مكتوبة قبل نهاية القرن الميلادي الأوّل (2) ومعلوم أنّ في الثقافة المسيحيّة نصوصًا دلّت على إتمام كل من المحبّة والفداء والتطهير والمغفرة بالدم. وأنّ كل مسيحي، من الجنسين، يؤمن بأن المسيح قد افتداه على الصليب بالدم الطاهر. وهذا الفداء دليل على محبّة الله (راجع-ي يوحنّا 16:3) فالمحبّة، أو الحبّ، ليس من اختراع الأساطير ولا بدعة من قدِّيس، لأنّ الله أحبّ العالم منذ البدء؛ فمكتوب: {نحن نحبّه لأنّه هو أحبّنا أوّلًـا} - رسالة يوحنّا الأولى 19:4 فمن حقّ الإنسان أن يحتفل بالحبّ عيدًا حين يشاء وحيث يشاء. إذ لا يوجد في الكتاب المقدّس (أي من جهة الله) مانع ليمنع المحبة ولا حدّ للإحتفال بها. وبالمناسبة؛ تخبرنا ويكيپـيديا عن ڤالنتين بأنه اسم حمله ثلاثة من الشهداء المسيحيين الأوائل، تمّ تكريمهم في الرابع عشر من شهر شباط\ فبراير، قُتِل اثنان منهما في إيطاليا خلال القرن الميلادي الثالث وقُتِل الثالث في أفريقيا مع عدد من رفاقه. علمًا أنّ اسم القديس ڤالنتين ارتبط بالرومانسية في القرن الرابع عشر- والمزيد في ويكيپـيديا

* *

نعَمْ للورد ولا لمُحاربته

أمّا الإنسان الذي يحاول منع المحبة ووضع حدود تحول دون الإحتفال بها فبه حاجة إلى مراجعة الكتاب المقدّس أو مراجعة نفسه وتاريخه وتراثه إذا ما اضطرّته الظروف للإبتعاد عن الكتاب المقدّس. وشخصيًّا لا يوجد ما يمنعني من محبّة الله ممثّلًـا بشخص سيّدنا يسوع المسيح ولا يوجد ما يمنعني من محبّة السيّدة العذراء ولا يوجد ما يمنع من الإهتداء بالكتاب المقدّس. ومن جهة أخرى؛ لا يستطيع ملك ولا أمير ولا رجل دين أن يمنعني من تقديم باقات ورود حمراء اللون إلى أحبّائي ومن العناية بالزهور في البيت وفي حديقته ومن التزيّن بها في المكتب ومن عرضها في واجهة الدكّان لبيعها. وشخصيًّا أيضًا قلت: مباركة تلك المدينة التي لقّبها أهلها بمدينة الزهور. ومبارك من يحمل باقاتها إلى أحبّائه. لأنّ الورد تعبير عن المحبّة إذ مصدرُها الله جلّ قدره. أمّا من يكره الورد فيكره نفسه أيضًا بل يبغض خالقه، إذ لا يمكن أن تكون فكرة محاربة الورد إلّـا شيطانيّة. وقد يكون التعبير عن المحبّة بطرق أخرى لكنّ للورد مناسبة وللنبيذ مناسبة وللشوكولاته مناسبة وللبطاقات البريدية والالكترونية مناسبات أخرى. وغالبًا ما ارتبط الحبّ بالوفاء وهذا ما يفسّر لي الأسطورتين المذكورتين أعلى وتعلّق المُحبّ بالمحبوب على رغم فقده وزيارات القبور مع باقات الورد وغيرها

* *

1
الروايتان بتصرف من الكاتب وباختصار
2
أنظر-ي ترجمة الكتاب المقدّس إلى العربيّة بقلم العلّـامة البحّاث السّرياني يوسف داود الموصلي
¤ ¤ ¤

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا