قرأت قبل بضعة أيام المقولة :"هو لم يُملي عليّ كيف أحيا؛ بل عاش، وترك لي الحرية بمشاهدته كيف يحيا."

تركتني هذه الكلمات في زوبعة أحاسيس وحيرة أفكار كثيرة فيما يتعلق بمستقبل أطفالي وكيف ستكون شخصيتهم وهويتهم، وإلى أي حد سيكون لما أفعله وأقوله من تأثير في هذه الشخصيات؟! فهل لي أن أفرض وأُملي عليهم خطوات حياتهم؟ طبعًا هذا سينعكس عليهم سلبًا. أما أن أحيا كل يوم كشخص مسيحي حقيقي، فهنا المهمّة الأصعب والتحدي الأكبر والذي يكون ناتجه لاحقًا: "مسيحي حقيقي"!

تفاجأت بتصرُّف قامت به طفلتي قبل فترة وهي تلعب مع خلاّنها؛ لم يكن بالتصرُّف اللائق أبدًا! في بادئ الأمر شعرتُ بالانزعاج الكبير وأنا أحاول أن أفكِّر من أين تعلّمت هذا التصرُّف، فهي بالعادة ليست كذلك! أمن زملائها في المدرسة؟ من أطفال العائلة والأصدقاء؟ من التلفاز؟ وبعد أن جلستُ معها لاحقًا وتحادثنا (رغبةً مني في معرفة مصدر الحدث) صدمتني إجابتها! قالت لي: "ماما ألا تذكري، أنت قمتِ بهذا التصرف عندما..."

شعرتُ بالحرج الشديد والضيق. فمن جهة، ها أنا أؤنبها على عمل تعلمته مني مُسبقًا؛ ومن جهة أخرى أخافتني حقيقة الأمر وجدّيّته. فهذه مسؤولية كبيرة جدًا موضوعة على عاتقي: أن أحيا وأعيش كما يحق لإنجيل المسيح الذي اسمي مدعو عليه؛ وأن أفتح المجال لأطفالي والناس من حولي أن يُشاهدوا هذا المسيح الذي فيّ ويختاروه لأنه الأفضل! تقاعسي بعكس هذه الصورة فيّ يُشوِّه صورة المسيح التي أحاول عكسها، الأمر الذي يُنفرالغير ويدفعهم بعيدًا.

إن أولادنا هم أكبر مرآه في حياتنا. هم انعكاس مُصغَّر ومستمر لنا ولحقيقتنا. سنرى أنفسنا في كلامهم وتصرُّفاتهم كل يوم، شئنا أم أبينا! سنرى عيوبنا وسنرى حلاوتنا فيهم. إذ قد نحمرُّ خجلاً ونُطأطئ رؤوسنا حياءً إثر تصّرفهم، أو قد نرفع رؤوسنا عاليًا فخورين لإحساسنا بأننا نجحنا! فالأمر يعتمد بالأساس علينا وعلى مدى ثباتنا وانغراسنا في شخص المسيح، لنكون ثمارًا طيبة ونضرة وحلوة، يشتهيها ناظرها.

فكيف لي أن أدّعي المسيحية وأنا لا أحياها في بيتي كما يجب؟! أفلا يعتبر ذلك مراءاة؟ أم كانت هفوة تصرّف مني؟

وإن كانت كذلك، فهل هفوة التصرُّف تُعتبر مُراءاة؟

أعتقد بأنه عندما يؤمن المرء بمبدأ معين ويتصرّف على غراره بوعي منه، فإن هذا لا يُعتبر مراءاة فحسب، بل أيضًا هو انفصام روحي في الشخصيّة! كيف لذات النبع أن يُخرج ماءً حلوًا ومالحًا في الوقت ذاته؟

أما إذا كان التصرّف غير اللائق خرج سهوًا، فهذا حسب اعتقادي حنين عابر للإنسان العتيق والطبيعة القديمة فينا، والذي كثيرًا ما يظهر عندما نرضخ لضغوط الحياة القاسية التي لم نُتقن بعد كيف نضبط أنفسنا تحت وطأتها. يشتاق الجسد لطبيعته القديمة، وقد نلمس فينا ملامح الماضي الشرس خصوصًا عندما نتواجد في ظروف قاهرة تدفعنا لننحرف عن المسار للحظات واهنة. وهنا تظهر فينا قوّة المسيح عندما نقاوم وننتصرعلى ضعفات الجسد، لأنه مكتوب: "أما الجسد فضعيف، أما الروح فقوي." هذا أمر يحتاج لقوة إرادة عالية وجهاد مستمر لضبط النفس؛ وهما أمران يأتيان بالتمرين والممارسة اليومية، دون كلل أو تعب ولا استسلام، تمامًا كممارسة الرياضة الجسدية التي هي حالة مستمرة للمحافظة على الرشاقة. وكما يقول الكتاب: "من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء". هذا هو سرّ الرشاقة الروحية!

كلما أسرعنا في مواجهة الإنسان القديم فينا وقمعه، وفي طرح سهواتنا وأخطاءنا جانبًا؛ كلما سارعنا بالعودة لمسارنا الصحيح كمسيحيين حقيقيين، وسهَّلنا الإمكانية بأن تلتصق صفات المسيح فينا لتُصبح جزءً لا يتجزأ منا، فنعكس صورة واضحة وحقيقية وصادقة لشخص يسوع المسيح الحيّ فينا.

إذا عوّدنا أنفسنا على ممارسة يومية مجاهِدة لآداب وتصرُّفات مسيحية مرضية أمام الرب، أومن بأنها ستنغرس فينا. لأن الذي فينا أقوى من الذي في العالم. وروح الرب فينا، إذًا من علينا؟!

إن الإنسان العادي صاحب المبدأ هو إنسان قوي لأنه يؤمن بقضيّة ويُدافع عنها بكل جوارحه، فكم بالحريّ نحن أولاد الملك، قضيتنا هي أساس العالم والكون. قضيتنا أُعلنت يوم القيامة: بأن لنا إله أقوى من كل قوي، وأعظم من كل عظيم. إله قام من الأموات ليُعطينا حياة، بل وحياة أفضل. إله وهبنا معه كل شيء! إله عاش هنا في هيئة إنسان ليترك لنا مثالاً حيًا نحتذي به ونعمل أعماله، "بل وأعظم منها" كما قال في الكتاب، هذا هو مبدأنا. كلما إلتزمنا والتصقنا به وواجهنا تحديات واغراءات العالم بشكل يومي، ستغدو تصرُفاتنا بحسب المسيح وتعاليمه أمر طبيعي لا يحتاج لبذل جهد ولن تُشكِّل تحدي أو عائق أمامنا.

لنصلي كلمات الترنيمة العذبة بصدق وأمانة:
"علمني أكون مسيحي حقيقي تفرح بيا كل الأيام،
وأكون شجرة فيها ثمار يشوفوها كبار وصغار
ومحدش فيّا يحتار ... واضح مسيحي!"

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا