تستقطب انتخابات الرئاسة الامريكية اهتمام العالم ككل. فهوية رئيس جمهورية الدولة العظمى الوحيدة في العالم قادرة ان تؤثر على كل فرد على الكرة الارضية بشكل او بآخر.

بادرت امريكا لحرب على العراق وعلى افغانستان وكان لها دور في الاطاحة بالرئيس الليبي القذافي. أمريكا تنشر مبادئها وتتحالف مع انظمة وتحارب اخرى. اقتصادها يؤثر على العالم برمته. فانهيار بنك هناك أو ركود اقتصادي كما حصل هناك قبل ثلاث سنين يهز اركان اقتصاد العالم. جامعاتها تتبوأ الاماكن الاولى في كل تدريج لجامعات العالم. تأثيرها الحضاري والثقافي من خلال هوليود والفيسبوك وماكدونالدز يطغى على العالم.

امريكا ليست اقوى الدول في العالم واقتصاديا سياسياً وعسكرياً فحسب لكن دينياً ايضاً. عدد سكانها يزيد عن 300 مليون مواطن والامور الدينية (او الروحية ان شئتم) مركزية في حياة البلاد بعكس الدول المتقدمة اقتصادياً الاخرى في العالم مثل اوروبا الغربية واستراليا وكندا.

حوالي 80% من سكان الولايات المتحدة مسيحيون. ثلثا هؤلاء من البروتستانت على اصنافهم. عدد الانجيلين الكتابيين يزيد عن الماية مليون. تأثير هؤلاء عمل الانجيل والتبشير في بقاع الأرض المختلفة ضخم. لذا فان صحة الكنيسة في امريكا والاجواء الروحية فيها تتأثر من قرارات رئيس البلاد صاحب السلطة الكبيرة. من هنا فان تستوجب الانتخابات الرئاسية لتحديد هوية الرئيس الامريكي وما ينبع عنها من سياسات ومواقف اهتماماً كبيراً. هذه المواقف هي في مواضيع في صلب قيّم الدولة، السياسة الخارجية والاقتصاد.

تاريخياً يتبنى أغلب الانجيليين الخط المحافظ اجتماعياً ومن هنا فانهم يؤيدون الحزب الجمهوري صاحب ما يسمى "مبادئ العائلة" المتمثلة في مناهضة الاجهاض والمثلية الجنسية الآخذة بالاتساع.

رغم ذلك غير أن انتخابات الرئاسة الامريكية التي ستجري في بداية تشرين ثاني لا تثير حماساً وفرحاً بين الانجيليين.

فالرئيس اوباما يثير حفيظة الانجيليين في امريكا منذ ظهوره على مسرح الحلبة السياسية القطرية. كثير منهم يصدقون الفريّة انه مسلم الايمان رغم انه اعلن مراراً وتكررا انتماءه لكنيسة بروتستانتية ليبرالية. هذه الشريحة من الانجيليين تنحدر من الجنوب الأمريكي المحافظ والذي انتهج سياسة فصل عنصرية ضد السود حتى ما قبل اقل من خمسة عقود. من هنا فانهم يميلون للنظر بتحفظ اليه لكونه أسود.

لكن السبب الرئيسي لمناهضته هو مواقفه الليبرالية الداعمة لحرية المرأة على جسدها (والقصد هو حقها في ان تجهض ما في بطنها) وللمساواة في الحريات حتى للمثليين وذلك يتعارض بشكل قطبي ومباشر مع المبادئ الكتابية المحافظة.

بهذه الحالة كان من المفروض ان يتحمس ويتجند الانجيليون للمرشح من الحزب الخصم. لكن الحزب الجمهوري يقدم مرشحاً هو رجل الاعمال الثري مت رومني الذي ينتمي لطائفة "قديسو الايام الاخيرة" (المورمون) التي يعتبرها اغلب الانجيليين غير مسيحية أصلاً، مع العلم أن مواقفه في مواضيع القيّم العائلية التقليدية مناسبة لجمهور الانجيليين. كما أن مت رومني عيّن نائباً له هو رون بول وهو كاثوليكي ، ألأمر الذي لا يزيد الانجيليين تحمساً له.

موقفنا كمسيحيين عرب في اسرائيل من انتخابات الرئاسة هناك لا يطابق الموقف الانجيلي الامريكي. مع اننا طبعاً لا نصوّت لكن اعتباراتنا مختلفة. فبالنسبة لنا لا يقتصر تحديد المرشح المفضل على قيّم العائلة على الرغم من اهميتها. فمواضيع المحافظة على البيئة والعدل الاجتماعي والاقتصادي والسياسة الخارجية هي ذات وزن هي الاخرى. عامل اساسي في تحديد موقفنا من الاثنين هو توجه كل من المرشحين تجاه الصراع العربي –الاسرائيلي وقضايا السلام في الشرق الأوسط.

اوباما ابدى موقفاً متعاطفاً بعض الشئ مع الفلسطينيين في بداية فترة ولايته وفهم ضرورة وضع ضغط على حكومة اسرائيل لأجل استمرار عملية السلام. أدى الأمر الى مواجهة بينه وبين الرئيس الاسرائيلي نتانياهو ولكن اوباما تراجع بعد مهاجمة اللوبيين الصهيوني اليهودي والصهيوني المسيحي المكثف ضده. يتوقع المحللون السياسيون ان يتخذ اوباما موقفاً فعالاً لصالح السلام اذ تم انتخابه لفترة ولاية اخرى. بالمقابل يتميّز رومني بمواقف داعمة لاسرائيل دون تحفظ . وكان رومني قد تلفظ بتصريحات تتميّز بالبلادة والعنصرية تجاه الفلسطينيين خلال عشاء اقيم على شرفه في القدس قبل ثلاثة أشهر وأراد فيه ان يتزلف لأصحاب رؤوس أموال من اليهود.

المواضيع مركبّة في انتخابات الرئاسة الامريكية وحرى بالمراقب المهتم بكنيسة امريكا التي تؤثر على كنائس العالم ككل ان يصلي لأجل يد الرب التي تعيّن الحاكم وتتحكم فيه حتى بعد تعيينه، اذ يقول الكتاب: "قلب الملك في يد الرب كجداول مياه حيثما شاء يميله (امثال 21: 1)

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا