تستوحذ بطولة الامم الاوروبية المنعقدة حالياً في بولندا واوكرانيا على عشاق كرة القدم حول العالم وبضمنهم بلادنا. هذه البطولة توجه افكارنا تجاه القارة الاوروبية تماماً مثلما وجهت بطولة الاورفزيون الموسيقية التي عقدت قبل عدة اسابيع انظارنا.

ما فتئت اوروبا تلفت انظارنا وتثير فضولنا واهتمامنا. لاوروبا سحرها الخاص. فرغم صغر مساحتها غير انها غير متجانسة وتتميّز بتعدد الدول والثقافات واللغات. يتبوأ اعضاؤها قمة الدول المتقدمة تكنولوجياً في العالم مثل المانيا وبريطانيا وفرنسا وقمة الرقي ومستوى المعيشة مثل الدنمارك، السويد وسويسرا. دول الجنوب (ايطاليا ، اسبانيا واليونان مثلاً) اصحاب مزاج صاخب بينما يتميز مزاج اهل الشمال بالبرودة (مثل اهل فنلندا أو انجلترا). فيها دول فاحشة الغنى في غربها والمستورة مثل رومانيا وتشيكيا وبلغاريا وغيرها في شرقها . احتلت اوروبا الاستعمارية بواسطة بريطانيا ، فرنسا وهولندا دول وشعوب كثيرة في العالم قبل اقل من قرن . لم تغرب الشمس عليها ولكنها انكمشت اليوم مع انتفاضة الشعوب وحق تقرير المصير لتهتم بشؤونها نفسها. بالاضافة لوجهها الراقي غير أن لأوروبا وجه أخر. انه وجه الوحشية الذي كشف عن نفسه حين تبنت شعوب اوروبية فلسفات استثنت الله منها مثل النازية والشيوعية والفاشية. وهكذا كانت أوروبا مصدراً للحربين العالميتين اللواتي كادتا توديان بالعالم كله تحت انقاض الدمار والخراب والقتل. رغم كل شئ فان اوروبا صاحبة التاريخ والحضارة ما زالت تعتبر اليوم مصدراً للرقى والحداثة والتقدم الثقافي والاقتصادي الذي ينعكس على العالم بأسره.

ضمت اوروبا مراكز المسيحية على اصنافها ففي روما مركز الكرسي البابوي وفي اثينا مركز الكنيسة الارثوذكسية بالاضافة لمنبع الاصلاح البروتستانتي والانجيلي.

عانت اوروبا في السنين الأخيرة من انحسار وتراجع سريعين للمسيحية فيها اذ طغت عليها العلمانية ويصفها البعض بأنها تجتاز الآن في مرحلة ما بعد المسيحية. انتقل مركز الثقل الروحي المسيحي من اوروبا وبزخم كبير الى افريقيا وآسيا وامريكا الجنوبية. في الوقت الذي تعاني شعوب مسيحية كثيرة في العالم الثالث من انعدام الحرية الدينية كمنعهم من العبادة – يعاني المؤمنون المسيحيون في اوروبا من ضائقة مختلفة. فدول اوروبا اتجهت بالاتجاه المعاكس وتود التنصل من ارثها المسيحي. ترغب اوروبا "المسيحية" (والى حد اقل ايضاً في الولايات المتحدة) ان تكرس الحرية والمساواة الى ابعد الحدود فتمنع الصلاة في المدارس ويتم الاعتراف بحق مثيلي الجنس بعرض افكارهم ونهج حياتهم في الحيز العام. انهم يمنحون اقليات اسلامية ومثلية وغيرها افضلية مصححة وبهذا يقوضون الاسس المسيحية لمجتمعاتهم.

سيكون من يربط ما بين ابتعاد اوروبا عن الاله الذي باركهم لمئات السنين وبين مصائبهم الحديثة . فمؤخراً تعاني الوحدة المالية والاقتصادية في اوروبا من ازمة مالية شديدة في عدة دول منها (ابرزهم ايطاليا، اسبانيا، البرتغال واليونان) سيكون لها ابعد الاثر على باقي دول اوروبا.

كما تعاني اوروبا من صراعات واحتكاكات شديدة على هويتها مع ازدياد الهجرة الاسلامية اليها من دول فقيرة (من تركيا، الشرق الاوسط ودول شمال افريقيا وغيرها ايضا).

من هنا فان الاعجاب بأوروبا الرقي والتقدم يمتزج بالاشمئزاز من اوروبا العلمانية والالحاد. انها قارة بنت مجتمعاتها على اساسات الايمان المسيحي ولكنها ادارت ظهرها للمسيح واختارت طريقاً آخر فتصارع اليوم اقتصادياً واجتماعياً.

حري بنا ان نذكر هذه القارة التي اعطت الكثير للمسيحية خلال القرون السابقة بالصلاة بينما نزورها أو حتى نشاهد منتخباتها تتصارع على بطولة الامم الاوروبية في كرة القدم.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا