* ما قبل الكتابة :

في الحقيقة تردّدت كثيرا قبل أن أقدم على كتابة هذا المقال لسببين، أوّلهما:
من أنا حتى أكتب ما أنا كاتبه الآن؟ أنا لست قسّيسا و لا كاهنا أو شمّاسا ولا حتى خادما أو معلّما...
في الواقع لا أجد لي أيّة صفة سوى إنّني مسيحي أنتمي إلى الكنيسة التي هي جسد المسيح السرّي، كما أن الدوافع لكتابة هذا المقال إنما هي وليدة حب جنوني لذلك الذي بذل نفسه من أجلنا نحن البشر فوق خشبة الصليب ليصالح البشريّة المارقة ببارئها وخالقها ويعلن عهدا جديدا أبديا يكون فيه الله ساكنا وسط شعبه من المؤمنين بيسوع المسيح ربّا و إلهًا، قائدا ومعلما، ملاذا من الشر في عالم إختلط حابله بنابله و أبيضه بأسوده لينتج لنا ثقافة عالمية لقيطة لا لون لها إلّا الرّمادي الّذي لا قوام له بذاته ليصبح لون كل مسخ، و عقيدة كل منبتّ رافض لعناء البحث عن الحقيقة مفضّلا بذلك راحة الاستهلاك وسراب الأديولوجيّات وأخيلة العدم.

أمّا السبب الثاني لتردّدي: هو كيف سيتقبّل المسيحيون التونسييون و العرب هذا المقال؟
هل سيكون في نظرهم مجرّد حماس شابّ يافع للإيمان المسيحي أو مجرّد مراهقة فكرية ولاهوتية تريد أن تلفت أنظار قارئيها وتبني لنفسها مجدا؟

شخصيّا ما جعلني أتغلّب على أسباب تردّدي هو تذكّري لدرس تعّلمته في إحدى أهمّ المحطّات التي مررت بها في حياتي القصيرة وهي كلّية المسرح حيث تعلّمت أن أؤدّي دوري و أعيشه دون أيّ اكتراث لردّ فعل الجمهور سواء أكان بالسّلب أم بالإيجاب، بالرفض أم بالقبول، بالإجلال أم بالتّهكّم...
هذا الدور الذّي أعيشه اليوم داخل الكنيسة كمسيحي و مطالب بأن أؤدّيه أحسن أداء لأنّي سأحاسب عليه يوم يدين فيه يسوع المسيح شعبه عن مدى أمانتهم على نعمة/وزنة الخلاص.

كما أنّ الّذي ساعدني على تخطّي صعوبات ما قبل الكتابة هو إيماني بأنّي فرد ينتمي لمجتمع مدني و لآخر كنسيّ وبأنّي مطالب بأن أكون مشاركا وفاعلا في كليهما متذكرا ما قرأته في كتاب "الحركات الرّوحية الثلاث" للأب هنري نووين F .Henry Nouwen : "أدرك أنني لا أعيش إلّا حياة واحدة تشمل حقبة من التاريخ الذي لست جزءًا منه فحسب ولكنّي مشارك أيضا في صنعه" .
كما أنّ الذي شجعني أيضا على الكتابة هو إدراكي أنّ شريحة لا بأس بها من الشباب التونسي داخل الكنيسة تشاطرني آرائي.

* أوضاع بلادنا و الحياة المسيحية:
لاشك و لا إختلاف اليوم في أنّ المرحلة التي تمرّ بها بلادنا ستكون حتما مرحلة تؤسّس لتغيير عميق في المجتمع إن لم نقل جذريٍّ في كل شرائحه وطبقاته وأنساق أفراده الفكرية والأديولوجية ممّا يؤثّر بطريقة مباشرة على عقلية المجتمع التي تشهد تجاذبات عنيفة بين تيّار لبراليّ متحرّر و آخر متديّن متعصّب وبين هذا وذاك يحاول البعض أن يمسك العصا من الوسط لكن بطريقة مائلة إلى هذا الجانب أو ذاك.

ولقد شهدنا في السنوات الأخيرة إرتفاعا نسبيّا متزايدا في عدد المقبلين على العقيدة المسيحيّة بكل أنساقها وألوانها، خاصة من فئات الكهول والشباب الباحثين عن الحق في مجتمع مزّقت ظهره عصا الكرباج البولسية وأخرست فمه، كما كبلت عقله و فكره وزرعت بقلبه الحقد والنّقمة وخاصة قتلت فيه كل ميل للحياة، كالسؤال عن معنى الوجود وحقيقة الله و نقد الفكر الدّيني حتّى جعلت منه كائنا إرتكاسيّا، باحثا عن لذة عابرة، لاهثا وراء المال، محبّا للمظاهر وقشور الأمور، محبوسا في سجن الخوف وثقافة الممنوع. حتّى جاءت نيران "البوعزيزي" لتؤجّج صرخة في صدور الشعب وتعلن عن بداية جديدة لم تتشكل بعد ملامحها بطريقة واضحة.

وفي وسط كل هذه الظروف، تسلّل صوت قادم من غياهب النسيان يعلن عن بعد جديد للحياة بقوله: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله." متّى 4:4، كما يمضي أكثر في إعلانه أنّ "الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللّباس." متّى 25:6.

إنه الإنسان/رأس المال: الّذي إذا اختلس أو توجر فيه تعلن البشرية عن إفلاسها بل عن هلاكها. هنا يعلن هذا الصوت من جديد تساءله: "ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله و خسر نفسه أو أهلكها؟". لوقا 25:9

ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح المنزل والسيارة والعمل والمال، إذا ربح الزواج والمتعة والشهرة والجنس والمجد وجمال الشكل... كلّها باطل إن لم يحصل على الحقيقة في ذاته ولم يختبرها بل يصبح حينها بغلا مغمض العينين يدور في دائرة مغلقة أحادية البعد خالية من المعنى والهدف من وراء الوجود... إنه ثور مخصيّ يدور في طاحونة الشيطان.
عندها تتحطّم أهمّ أبعاد في الإنسان: البعد الوجودي، والقيمي (الأخلاقي)، والفكري، عندها يتزعزع الكيان وتغرق الذات الإنسانية في بحر من الظلمات، ظلمات العبث والعدم والفردانيّة والإلحاد و اللّاأدريّة، فخ الاستهلاك واللّامعنى والإباحية القاتلة، هناك حيث نيران الجهل لا تطفأ و دود الأيديولوجيات وأوهام الفكر لا يموت.
اليوم في تونس كثيرون قد قبلوا المسيح مخلّصا و انضموا من خلال سرّ المعمودية إلى الكنيسة ليصيروا أعضاءً في جسد المسيح.

من جديد يأتي إلينا ذلك الصوت، صوت الإنجيل بعد مئات السّنين من الغياب أو بالأحرى من التّغييب عن طريق الجهل والتعصب والفهم المغلوط للإيمان المسيحي والشّوفينيّة الدينيّة وأخطاء المسيحيين أنفسهم التّي حجبت وجه الله الحقيقي الذّي شعّ في وجه يسوع المسيح عن غير المؤمنين، ذاك الذي إذا تأملناه في الإنجيل وجدناه شخصا لا يبني على القوة بل على الضعف، لا يبني على الكثرة بل على القلّة، إنه ربّ لا يهتمّ بالكميّة بل بالكيفيّة، لا يأبه بالقشور بل باللّب، لا يسمع الشفتين بل صدى القلب ونيّاته. بهذا التأملّ الصّغير في شخص المسيح نصل إلى سؤال يطلّ علينا وهو في غاية الأهمية: أيّ نوعية نريد للمسيحيين التونسيين أن يكونوا؟ أيّ نوع من المسيحية نريد؟ هل هي مسيحية قائمة على كثرة جاهلة عاصية، أم قلة مختبرة طائعة؟ هل هي مسيحيّة القشور أم مسيحية اللّب؟ هل نريد شفاها تترنم وتنسب لنفسها الإيمان فيكذبها فسوق فعلها؟ أم نريد قلوبا حاملة في شرايينها نور الأبد؟ هل نريد مسيحية عاطفية متقلقلة، أم أرواحا متقدة تتوهّج كالجمر بنيران المحبة الإلاهيّة؟ هل نريد مسيحيين ذوي إرادة خاملة متزعزعة؟ أم إرادة متأهّبة لتنفيذ مشيئة الله في هذه الحياة عن حب لا عن تديّن زائف و طوعا لا كرها؟

لا يكفي إقتناع عقليّ بالعقيدة المسيحية لنكون قد إختبرنا المسيح وعرفناه، ففي الحقيقة لا تكفي حياتنا كلّها لمعرفته معرفة عميقة و كاملة. الإيمان ليس إعلانا بالشفاه وفكر يصدق كلّ الرّوايات والحكايات عن المسيح في الإنجيل، إنه أعمق بذلك بكثير، ألم يعلّمنا كاتب العبرانييّن أنّ: "الإيمان هو الثقة بما يرجى، و الإيقان بأمور لا ترى." عبرانيّين 1:11، أستحضر هناــــ و في ذاكرتي عديد من الأمثلة التّي عايشتهاــــ بعض القساوسة المتكبريين بفكرهم، الذين يحجّمون الله ويسجنوه في بوتقة عقولهم و نظرياتهم اللاّهوتية، إنهم يشبهون كثيرا نظرائهم من بعض التّومائيّين داخل أروقة الكنيسة الكاثوليكيّة الذين يظنّون أنهم يعرفون الله أكثر من غيرهم بمجرّد أنّهم يحفظون الخلاصة اللاّهوتية (la summa teologica) للقدّيس توما الإكويني عن ظهر قلب!! تراهم يتفاخرون و يمشون الهوينى في أروقة الجامعات وكلّيات اللّاهوت، يظنّون أنّ الله في عقولهم، لقد أعميت هذه العقول على ما قاله الوحي على لسان الرسول بولس: "إن ظنّ أحد أنه شىء و هو ليس شيء فإنه يغش نفسه." غلاطية 3:6.

الإيمان هو رحلة وجودية مع الله نكتشفه فيها، إنه سلّم يربط الأرض بالسماء نرتقي فيه من مجد إلى مجد و يتغير أثناءها " إنساننا الباطن" ليصير تدريجيّا على شاكلة المسيح فنعلم حينها أنه: "ليس أحد منّا يعيش لذاته و لا أحد يموت لذاته لأنه إن عشنا فللرّب نعيش و إن متنا فللربّ نموت، فإن عشنا و إن متنا فللربّ نحيا." روما 7:14ـــ8. من هنا يأتي مفهوم الحياة المسيحية ذلك بأن الإيمان بالمسيح يعيد تشكيل حياتنا بنظام جديد لا علاقة له ولا شراكة بنظام "إنساننا القديم"، إنه إعادة خلق روحي وحياة جديدة بأهداف جديدة، بأطوار ووقائع جديدة لم نعهدها، بأسلوب عيش جديد ورؤية للحياة جديدة، بأولويات جديدة ومنطق جديد للسعادة والتعاسة، للربح والخسارة: "بل إنّي أحسب كلّ شئ أيضا خسارة من أجل فضل معرفة يسوع المسيح ربّي، اللّذي من أجله خسرت كل الأشياء و أنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح." فيلبّي 8:3.

هذه غاية الإيمان، أن نشهد بحياتنا على هذه الأرض للحقيقة التي اختبرناها، شهادة تتطابق مع حياة المسيح نفسه من بشارة الملاك لمريم العذراء المطوبة مرورا بمغارة بيت لحم وصولا إلى عار الصليب في الجلجثة ثمّ مجد القيامة والصعود، حينها تصبح غاية حياتنا: غاية العبد في أن يكون كسيّده، غاية الابن في أن يكون كأبيه، غاية الأخ الأصغر في أن يكون كأخيه البكر، في النهاية هي غاية التلميذ في أن يكون كمعلّمه.

هذا ما يجب أن يكون هدفنا كمسيحيين تونسيين: حياة مسيحية خصبة ومثمرة في قالب تونسيّ دون الخروج عن هويتنا كتونسيين مختلفين في تركيبة شخصيتنا عن المشارقة والأوروبيين و الأمريكان وما لفّ لفّهم من الأجانب، مع وجوب الحفاظ على عين ناقدة لعقليتهم نأخذ منها ما هو صالح و نطرد ما هو طالح، تأخذ الإنجيل والتعليم الصحيح وتترك بعض الأفكار كالتحزب المذهبي مثلا خاصة اليوم حيث يوجد تونسيون مسيحيون في ثلاث كنائس مختلفة في عباداتها: إنجيلية وأسقفية وكاثوليكيّة .

يجب أن نتحلّي بالوعي اللّازم لنطرح عنّا المنازعات والمهاترات اللّاهوتية ولنلتفت إلى ذلك الذي يوحّدنا بروحه، يسوع المسيح الذي أوصانا بوصيته: "هذه هي وصيتي، أن تحبّوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم" يوحنّا 12:15 "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حبّ بعضكم لبعض" يوحنّا 35:15.

أريد أن أشير أيضا إلى أنّ تونس ليست مجاهل أمريكا اللاتينية ولا أدغال إفريقيا لكننا البلد الذي وهب إسمه لقارة إفريقيا إعتبارا أنّ إفريقيّة Africa هو إسم تونس الأصلي من عهد الرومان و ما قبله، إننا لسنا هنودا حمرا أو وثنيين، إننا أهل حضارة وتاريخ تونس المسيحي شاهد بأنّ هذا الوطن الصغير هو عظيم بشهداءه و قدّيسيه الذين علّموا الدنيا الإستهزاء بعقوبة الإعدام والتهليل لله أمام الموت في ساحات المسارح الرومانية كفريسة للوحوش الضارية وكعقاب على رفض السجود لقيصر والشهادة للمسيح، هؤلاء هم أجدادنا الذين لا زالت تهتزّ كبار كليّات اللّاهوت في العالم قاطبة لوقع أسمائهم وتنحني إجلالا لإيمانهم وشهادتهم التّي خطّوها بدمائهم.

هؤلاء هم جذورنا والذي يظن أن هذه الجذور قد ماتت أو ولّت وانقضت، أقول لهم أنه واهم جدّا لسببين، أوّلا،
هو أنّ الشخصية التونسية لا زالت تحتفظ في أعماقها بتلك الشعلة التّي يغذّيها اليوم الانفتاح الذي تعيشه البلاد وهاجس البحث عن الحقيقة في ظلّ الخواء الفكري والرّوحي التي ولّدتهما كلّ من العولمة والتعصّب الديني على حد سواء.
و أما السبب الثاني و هو الأهم، هو أنّ روح الله الذي أنشأ تلك الجذور أول مرّة لقادر أن يحييها مثلما أحيا العظام اليابسة أمام النبيّ حزقيال (حزقيال 37) و هو نفسه من أحيا أليعازر وقد أنتن (يوحنا 11).

أظن أنّ ما علينا أن نصبو إليه اليوم هو حياة مسيحية تونسية متجذّرة في ماضيها، عميقة في حاضرها، تغوص بالإنسان في هذا البلد من سطحية الإستهلاك والعدميّة والتعصب الديني والإديولوجي إلى عمق المعنى في محبة الله.

حياة مسيحية تونسية تحمل في طيّاتها: توبة القديس أغسطينوس st.Augustin وشجاعة فيليسيتاس st.Felicitas وبرباتوا st.perpetua ومارسلّينوس الشهيد st. marcellinus، و ذكاء ترتليانوس القرطاجي Tertulien، وخطابة أرنوبيوس Arnobio وصلابة شخصية القدّيس قبريانوس st.Ciprianus، أسقف قرطاج و شهيد المسيح.

حياة مسيحية تونسية تعيد إلى الأذهان الإيمان المسيحي في القرون الثلاث الأولى في وحدتها وبساطتها التي سلبتها إيّاها القرون الوسطى بكهنتها الظلاميين وما زرعوه من ثورة ناقمة ساخطة في قلوب المحتجّين عليهم أدّت إلى ضرب وحدة المسيحيين في العمق. إعادة ربط القنوات مع تاريخنا المسيحي يتم عن طريق التوعية والتعريف بثراء هذا التاريخ لدى مسيحيّي اليوم كما يا حبّذا تنظيم ملتقيات ومحاضرات لأساتذة مختصّين بقصد تسليط الضوء على تاريخ أجدادنا واختباراتهم وعمل الروح في حياتهم وطاعتهم حتّى الموت، موت الشهادة اقتداءً بقائدهم الذي أطاع حتّى الموت، موت الصليب (فيلبّي 8:2)، فتكون حياتهم نبراسا لنا يعيننا على إخضاع مشيئتنا لمشيئة الله في حياتنا مثلما أخضعوها هم، فخلّد ذكرهم التاريخ بعد أن كتبت أسماءهم في سفر الحياة.

* المشاكل والعراقيل:
إن المشاكل التي يعيشها المسيحيون التونسيّون تشبه إلى حد كبير المشاكل التى تعيشها الكنيسة الأولى، حتّى رأينا بولس الرّسول يبكي من أجل أولئك الإخوة الذّين لم يكونوا شهادة حسنة للإيمان المسيحي بقوله: " قلت لكم مرارا و أقول الآن والدموع في عينيّ، إنّ هناك جماعة كثيرة تسلك في حياتها سلوك أعداء صليب المسيح، هؤلاء عاقبتهم الهلاك وإلههم بطنهم و مجدهم عارهم و همّهم أمور الدنيا." فيلبّي 18:3ــــ19.

الكثيرون لم يستطيعوا أن يفهموا أو في الحقيقة لم يريدوا أن يفهموا أنّ الإيمان المسيحي هو بالأساس حمل الصليب، ألم يعلن السيد المسيح ذلك صراحة بقوله: "من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسه و يحمل صليبه كل يوم و يتبعني، من أراد أن يخلص حياته يخسرها، و من خسر حياته لأجلي يخلصها." لوقا 23:9ــــ24 .

في مجتمع متسامح كالمجتمع التونسي لكنه لايزال يرى في التحول إلى الإيمان المسيحي كفرا وزندقة وخروجا عن "الملّة" على الرغم من إحترامه الشديد للمسيحيين من خلفية مسيحية، في مجتمع كهذا لا يجب علينا نحن العابرون إلى الإيمان المسيحي ألاّ نفسح مجالا لترسيخ هذه العقلية عن طريق تقديم شهادة سيئة لغير المسيحيين لكي لا يجدّف على إسم المسيح بسببنا فنزيد الأمر تعقيدا والعقلية السائدة صلابة ورسوخا ورفضا لنور الحقيقة ولهم في ذلك شئ من الحق لأنّ الحقيقة تتمظهر وتتجلّى في الأعمال، أي في القدوة والمثال و هذا بالضبط ماهو مطلوب منّا كمسحيّين أن نكون قدوة لغير المؤمنين والمبتدئين في الإيمان على حدّ سواء. علينا القول بأنّ عدد من المسيحيين في تونس اليوم لم يؤمنوا بالمسيح لاقتناعهم بالإيمان المسيحي لكن "لغاية في نفس يعقوب" هذه الغاية عادة ما تكون مادية، إمّا بحثا عنا المال أو التأشيرة أو فتيات جميلات أو... أو…

أظن أن دور القادة هنا هو الصلاة من أجل الحصول على نعمة التمييز لمعرفة المسيحيين الذّين أختبروا إشراقة الحقيقة والنعمة الإلهية في قلوبهم والعمل على تثبيتهم في الإيمان وترسيخهم، عازلين إيّاهم عن أولئك النفعيّين الذّين يجب معاملتهم برباطة جأش وقوة شخصية دون تعنيفهم لفظيّا أو طردهم معطين إيّاهم فرصة للتّوبة لأنّ قلب الله هو قلب إحتوائيّ وليس قلبا إقصائيا.

هناك أيضا نوعٌ آخرٌ من المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيح ليس عن حقيقة ولا لغاية مادية بل لإشباع نفسيّ، إنهم يجعلون من الإيمان مطيّتهم لصبّ جام غضبهم وثورتهم على المجتمع وقيمه ودينه فتصبح حينها المسيحية إديولوجيا متمردة مارقة ومطرقة تهدّ الآخر عوض بناءه، تقلع و لا تغرس... هذا هو من أخطر الأسلحة التّي يستعملها الشيطان من داخل الكنيسة، فهو بذلك يزرع فكرا مضادّا لقيم الإيمان المسيحي بين المؤمنين و يجعل من عقيدة المحبة إديولوجيا متهجّمة "صليبيّة" بالمعنى القروسطي للكلمة، تلك الحروب التّي لازالت وصمة عار في تاريخنا يخجل منها كل مسيحي حقيقي.

إننا كتونسيين نعلم أن مجتمعنا محتاج أكثر من أي وقت مضى إلى زرع المحبة و أعمال الرّحمة و الّرجاء في قلوب أبناءه الذين نحترمهم وعقيدتهم حتّى وإن كانت عقيدتهم لا تحترمنا، إننا بنّاؤون و لسنا مهدّمين، إننا زارعون للحب وليس التفرقة و البغضاء، إننا مسالمون و لسنا أفّاقين دعاة فتنة. و من هنا يأتي وجوب معاملة هؤلاء الأشخاص بشدة من داخل الكنيسة محاولين تغيير فكرهم وإن مضوا في غيّهم فيجب عزلهم عملا بما قاله الرّسول بولس: "إعزلوا الخبيث من بينكم" كورنثوس الأولى13:5. حتّى يتعلّموا أنّ المسيحية ليست إديولوجيا في سوق الإديولوجيات وليست تديّنا تكفيريّا قائما على "شيطنة" الآخر. إنما هي إنبثاق فجر الأبد في القلب، فالإيمان المسيحي هو المشعل الحامل لنور الحقيقة المتوهّج من نيران المحبة الإلهية للإنسان، فالله أحب الإنسان وبذل كلمته فدية لأجله وعلى كلّ شخص يدّعي حبّ الله أن يحب الإنسان أولا مهما كان انتماءه الديني أو الفكري متذكرين أن الجميع أخطأوا و أعوزهم مجد الله، و ما نحن فيه من إيمان إنما هو نعمة وهبة إلهية معطاة لنا، لا فضل لنا في إكتسابها.

هنا أجد نفسي مضطرا على أن ألفت نظر قادة الكنائس إلى وجوب توفير مأوى لأولئك الّذين تمّ طردهم من بيوتهم خاصة منهم الفتيات بسبب إيمانهم و إعانتهم المادية لمواصلة دراستهم أو توفير عمل لهم حاثّين إيّاهم أن يصلّوا لأجل عائلاتهم أقول هذا نظرا لما أراه من نوم عميق لقادة الكنائس أمام بعض الحالات فقد قابلت أحد المسيحيين الذين يعانون من نقصان كبير في الأمور الماديّة حتّى أنّه أسرّ لي بأنه يبقى في كثير من الأحيان بين يومين وخمسة أيام دون أكل، أقول هذا وأمرّ).

إنّ الكثير من العائلات غير المسيحيّة في تونس تستعمل أسلوب الطرد والإقصاء، إمّا لمحو عار لا يغتفر أو كوسيلة ضغط لترك الإيمان، و هنا ينبغي أن نكون واعين أنّنا بصدد محاربة عقلية إقصائية متكبرّة كارهة لا يمكن أن ننتصر عليها إلّا بالمحبة، و على الكنيسة أن تحتضن هؤلاء المطرودين وتقوم بحاجياتهم الروحية والمادّية، و على القادة أن يكونوا واعين بأنهم سيعطون حسابا لراعي الرعاة يسوع المسيح من أجل الأرواح التّي إستأمنهم عليها، أمّا الرعاة المحبّين للمال و"السلطة الكنسية" ولا يأبهون بمشاكل المسيحيين التونسيين و رعايتهم، فليعلموا منذ الآن أنّ نهاية طريقهم هي الهلاك الذّي سيأكلهم مع أنانيتهم وطمعهم وجشعهم ونفاقهم المختفي تحت التواضع الزائف وابتسامتهم البلاستيكية التّي يضعونها على وجوههم خاصة عندما يسمعون كلمات المسيح لهم: "إنّي لم أعرفكم قطّ، إذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم." (إنجيل متى 23،22:7).

ما يجعلني أقول هذا هو معاينتي لتلك الحالة المزرية التي يتخبط فيها مجموعة ليست بقليلة من المسيحيين التونسيين المضطهدين والمطرودين من ديارهم وعائلاتهم و أنا كنت ولازلت واحدا منهم، خاصة أنّ أغلبية القادة في الكنائس غير الكاثوليكية متزوجون وغير متفرّغين للخدمة وعندها لا يجد الشاب المسيحي التّونسي من يسمعه ولا من يوجهه روحيّا ولا من يعمل معه على حلّ مشاكله المادية، فتصبح حينها الكنيسة مجرّد نادي نلتقي فيه كلّ يوم سبت أو أحد منعزل عن مشاكل الحياة اليومية، عندها تتولّد تلك النزعة الازدواجية لدى المؤمنين حيث يعجزون على تجاوز مشاكلهم الروحية والمادية مما يجعلهم يسقطون في خطايا وحياة عالمية، و تصبح العبادة المسيحية نوعا من التصعيد العاطفي défoulement ، فتفقد الكنيسة بذلك قوّتها المتمثلة في الرّابطة القوية بين أبنائها ومظاهر التكافل بينهم التي رأيناها في الكنيسة الأولى في سفر أعمال الرسل 42:2ــــ47.

ولكي أغلق هذا الموضوع لا أجد كلمات أكثر تعبيرا عمّا يجول بداخلي من كلمات الرسول يوحنا الحبيب: "و أمّا من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا فأغلق أحشاءه عنه، كيف تثبت محبة الله فيه؟ يا أولادي، لا نحب بالكلام ولا باللّسان بل بالعمل والحقّ." رسالة يوحنا الأولى 17:3ــــ18. كما إنّي أقول لأولئك الذين تمّ إضطهادهم أنه يجب عليهم أن يصبروا ما داموا في هذه الحياة وأن لا يسقطوا في تجربة استغلال كرم الآخرين طلبا في الرّفاهية مذكرا إياهم ما قاله كاتب رسالة العبرانيين: "لتكن سيرتكم خالية من محبة المال، كونوا مكتفين بما عندكم لأنه قال: لا أهملك ولا أتركك." عبرانيين 5:13.
كذلك ألفت أنظار القادة إلى وجوب اكتشاف الوزنات والمواهب الروحية المعطاة لهم خاصة الدعوة للخدمة: نحن بحاجة إلى كهنة وقسّيسين ومعلّمين وخدّام تونسيين خاصة إذا علمنا أنّ التونسي هو الأقرب إلى عقلية التونسي من الأجنبي وبالتّالي على القادة أن يتمتّعوا بعين روحيّة لرؤية المواهب واكتشافها و فتح أبواب دراسة اللاّهوت على مصراعيها لأولئك المدعوّين للخدمة دون تلكّأ أو مماطلة مع وجوب التكثيف في حلقات الدراسة والأنشطة والاجتماعات، لأنّ مثل هذه الأمور تساعد القادة على إكتشاف المواهب الرّوحية في الأشخاص المثابرين و المتمتّعين بميل للدراسة وتعميق إيمانهم، كما تساهم هذه الاجتماعات في خلق جوّ حميمي بين المؤمنين خاصة فئة الشباب منهم حتّى لا يشعر الشّاب بوحدة إجتماعية داخل مجتمع يراه مرتدا و زنديقا، هذه الوحدة التي قد تتسبب في انتكاسة روحية. وبالمناسبة، أردت توجيه شكر إلى الكنيسة الإنجيلية التي بدأت مؤخرا العمل في هذا المسار خاصة مع القسّيس كمال المتفرغ للخدمة والتعليم وتكوين الشباب داخل الكنيسة، أمّا في الكنيسة الكاثوليكيّة فتوجد كلّ هذه الأمور أمّا مع التونسيين فلا يزال الأمر باكرا لقلّة عددهم، وفيما يختص بأمر القسم العربي في الكنيسة الأسقفية فهو يعمل بطريقة يبدو أنني لم أفهمها ولا أمل لي في فهمها، و بما أنّ الصمت في كثير من الأحيان يدخل في باب الحكمة فإنّي هنا أخيّر أن أصمت.

*خاتمة :
من أنا حتى أكتب ما قد كتبت؟ في الحقيقة لا يهمّني كثيرا ما قد يقال عنّي، أو أن أتّهم بأني متداخل في شؤون غيري، لا "سلطة كنسية" لي ولا صفة تنقذني من أن أكون "نكرة"، لكن مع ذلك سأظلّ أكتب، سأظلّ: "صوتا صارخا في البرية: أعدّوا طريق الرب، إصنعوا سبله مستقيمة (...) إصنعوا أثمارا تليق بالتّوبة." لوقا8،4:3.

أعتقد أنّ قدر المسيح الحقيقي هو في أن يكون صوتا صارخا في صحراء العالم القاحلة، صوتا يدعو إلى الخصب والحياة والأمانة للحقيقة، صوتا يعلن بأنّ الله هو قبلة الأرواح الجسورة التي لا تخاف من أن تضحيّ بكلّ شيء من أجل الأمانة للحقيقة التي هي: الحياة الأبدية بيسوع المسيح:" وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإلاه الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته." يوحنا 3:17. صوت ينادي بالحياة الأبدية في عالم طلع علينا بأكذوبة جديدة إسمها Novus ordo secolurum أو نظام عالمي جديد يصوره لنا بأن العالم سيصبح أرض عدالة و إخاء وحريّة و سيعمّ السلام بالتقدم العلمي وسقوط الإديولوجيات، كذبة أخرى تضاف إلى العديد من الأكاذيب التي إنطلت على البشرية إبتداء من كذبة جنة عدن، كذبة أخرى تنطلي على الناس الذين غيّبوا فكريا وروحيا عن طريق ثقافة إباحية استهلاكية و فكر ديني متعصب ومنطق شبقيّ أنانيّ لا مكان فيه للقيم والأخلاق.

هنا يظهر الرهان المسيحي الذي يجعل من الإنسان: رأس المال. هذا الإنسان الذي لن يستطيع هزم الشرّ الذي فيه إلّا بالمصالحة مع الله والدخول في علاقة شخصية معه تعيد بناء مفهوم جديد اختباري حقيقي عن الله والإنسان والكون وعن كلّ ما يدور في العالم من أحداث، عندها يعلم الإنسان أنّ القول بنظام عالمي جديد ليس إلّا أكذوبة إمبريالية مفلسة لم تعلم بعد أنّ الإنسان هو المعادلة الصعبة و المعقدة التي لن تفهم و لن تحل إلّا بالتأمل في شخص يسوع المسيح.
الرجاء المسيحي هو فجر جديد يشرق على بلادنا مثلما أشرق في قلوبنا، علينا أن نعمل وأن نكون أمناء له بحياة مسيحية تونسية عميقة في حاضرها متجذرة في ماضيها، متعلّمة من أخطاء الماضي التي حصلت في الغرب، مسيحية ناقدة للممارسات التي تحدث في الشرق والغرب على حد سواء، مسيحية غير متمسحة على عتبات المنظمات التبشيرية ووكالات الأسفار، الحياة المسيحية التي نريد هي عملية بالأساس هدفها تثبيت الإيمان بالأعمال، التي هي ثمار الرّوح القدس فينا، لنعيد بناء بيتنا في تونس، نبني كنيستنا من جديد على أساساتها الباقية منذ 2000 سنة في قرطاج، تلك الأساسات التي توحد فيها زوّارها من المسيحيين إلى اليوم: كاثوليكا وأرثوذكسا وإنجيليين وأسقفيين وغيرهم...
مقالي هذا هو دعوة للعمل و التخلّي عن التحزب وحب المال والحياة المزدوجة والكسل وغيرها من الممارسات، إنتظار إشراقة الرجاء المسيحي المنبعث من صلاة الكنيسة عبر العصور: "آمين، تعال أيّها الربّ يسوع." رؤيا 20:22.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا