يُطرح التساؤل في كثير من الأوقات: "هل ما نقوم به ونُجاهد من أجله في عملية تربية أطفالنا سيكون له التأثير القويّ ويأتي بثماره لاحقًا أم أن الوراثة والجينات لها تأثيرها الأقوى والأبرز؟" إنه حقًا لموضوع حساس جدًا وشائك بعض الشيء!

أستعرض هنا بعض الأبحاث العلمية التي أجريت لمحاولة فهم حقيقة هذا الامر والإجابة عن هذا التساؤل المهم:
أجري بحث على نوع من فصيلة القردة التي يُطلق عليها اسم " rhesusmonkey". إن ما يُميز هذه الفصيلة هو التشابه بينها وبين الإنسان في تركيبة الجينات الوراثية، لذا تقام عليها الكثير من البحوث في هذا المجال.
قام الباحثون في مراقبة بعض هذه القردة عن كثب ولاحظوا بأنها تُعاني من الإندفاع والسلوك الإدماني، كما و يعانون من إرتفاع في مستوى نسبة القلق!
تمّ وضعها تحت رعاية ما يسمونه بال"supermom" (وهي نوع من الأمهات القردة الحنونة والتي تتميز بقدرتها على الاعتناء بصغارها) ،لاحظوا بأن مستوى نسبة القلق لم تنخفض وحسب بل أيضًا تخلَّت هذه القردة عن تصرّفاتها الإندفاعية والإدمانية عندما كبُرت وكان هناك أيضًا تغيير في تركيبة الجينات بالأجيال القادمة.

دراسة أخرى أجريت على الأطفال الرُّضع بعُمر 3 و6 و9 أشهر، حيث تمت متابعتهم ومراقبة مستويات القلق لديهم. ووجدوا بأنه لدى الأطفال الذين كانت لديهم علاقة مع أمهات يطلق عليها اسم "responsive" او "sensitive" -أي التواصل بحساسية مع أطفالهم- كانت نسبة القلق منخفضة بالمقارنة مع الأطفال الذين كانت لديهم علاقة ال "unresponsive" او الأمهات غير الحساسة. وهنا نرى مرة أخرى التأثير القويّ للعلاقة الوالدية على الطفل وسلوكياته، وكأنها تتعامل حتى مع العيوب الجينية وتساعد الطفل في التغلب عليها.

ما أراه أنا شخصيًا من خبرتي البسيطة بأن ما تقوم به الأمهات يُحدث فرقًا في كثير من العيوب المتوارثة.
شهدتُ هذا السحر في تغيير السلوكيات الذيً تُحدِثهُ هذه العلاقة المتميزة والإيجابية ما بين الأهل وطفلهم (أطفال دون السنتين وأطفال في جيل أكبر)، عندما يشعر الطفل بأنه غالي وتراهُ يستقبل الحب والقبول ويجد الرغبة و الاهتمام في التواصل معه.

رأيتُ كيف ساعدت هذه العلاقة الأطفال في التغلب على الحزن، وكيف ساعدت على تغيير جذري في سلوك الأطفال.

الجانب الآخر الذي أريد أن أطرحه هو كيف أننا كأهل في كثير من الأحيان لا نستطيع أن نتقبَّل إختلاف شخصيّة وطباع طفلنا عنّا، لذا نحاول جاهدين لنجعلهم مثلنا حتى نرتاح نفسيًا من الصراع : "ابني بطيء جدًا وأنا أحب الإنجاز و السرعة "! أو "عندما كنتُ في عمره كنتُ شخصية قيادية ولي أصحابي وعلاقاتي، أما هو فانقيادي و ليست له شخصية"!

او ربما قد يُشبه الطفل احد الوالدين او الجدين في الشكل أو الطباع الأمر الذي يُولِّد لدينا مشكلة مع الاطفال، ليس فقط لانهم مختلفون عنا و لكن لانهم يذكرونا بالعيوب التي نكاد نكرهها فينا أو في هؤلاء الاشخاص.

هذه الأم تقول لي: "إن ابنتي تُشبه حماتي في الشكل و أخاف أن تُصبح مثلها!" أو "هو عصبي كوالده أو غير منظم كأمه"... عبارات كثيرة نتجاذبها نحن الأهل و يجني ثمارها الاطفال.

لا أنسى هذا الأب الذي جاء إليّ ليُخبرني: "أنا لا اريد أن يكون ابني مثلي، فهو ليس اجتماعيًا و يخاف بشدة من الناس وحزين، على عكس أخيه الذي يشبه والدته في طبعها، فهو جريء واجتماعي!"
من المهم أن نُدرك بأن أطفالنا لا يأتون حسب الطلب وحسب رغباتنا، فليس لنا أن نُحاول جعلهم شخصيات خالية من العيوب، بل وظيفتنا كأهل هي أن نعرف و نفهم شخصيتهم و نتقبل نقاط الضعف والقوة ونساعدهم ونُشجعهم بأن يكونوا هم أنفسهم على سجيتهم.
فإن كان ابني حساس وعاطفي وأنا ارى بأن هذا سيجعله ضعيفا، أجدني أرفض شخصيته!

ما نحتاج ان نفهمه ونُدركه هنا بأن هذه الصفات التي نستنكرها فيه هي صفات جميلة ومميزة، ستجعل منه رجلاً حساسًا يشعر بالناس ويكون لطيف في تعاملاته. صحيح أنه سيتعرض للجرح كثيرًا، لذا من الضروري أن أُعلِّمه كيف يتعامل مع هذا وأشجعه بألاّ يكون سوى نفسه وعلى طبيعته.

انا ارى بأن كل شخصية هي فريدة ومتميزة بذاتها كما خُلقت تمامًا، ولا يوجد اثنين مهما كانا قريبين في الطباع يتطابقان في الشخصية. وهذا اكبر دليل على تفرد كل شخص. فمن المهم أن يفهم الطفل هذا ويرى نفسه بأنه خاص ومتفرد.

علينا أن نتعلم كيف نقبل اطفالنا تمامًا كما هم، فإن الصعوبة في هذا تكمن في كوننا نعجز عن فعل هذا مع أنفسنا أولاً! فإننا لم نتعلم كيف نقبل أنفسنا ونتقبل حقيقة أننا لسنا كاملين، ونتقبل بأنه لدينا الكثير من العيوب والكثير من المحاسن كحال كل انسان.

لو تعلمنا كيف نفعل هذا مع انفسنا وأن نعرف ما هي نقاط القوة لدينا وما يميزنا من صفات، وعندما نفرح بما لدينا ونعرف ما هي نواقصنا ونقبلها كما هي تمامًا ومن ثم نحاول تغييرها، عندها فقط سنعرف كيف نعمل الشيء ذاته مع اطفالنا!
جميعنا بحاجة لهذا الفهم والقبول والاحتواء لننمو نحو الأفضل ولنتستطيع ان نتغير.

إن الطاقة التي نستمدها من معرفتنا لمميزاتنا تساعدنا على قبول العيوب و محاولة التغيير، وهذا ما يحتاجه اطفالنا أيضًا، أن نرى مميزاتهم ، نرى الجمال الذي فيهم، أن نعرف قدراتهم ونقاط قوتهم كي نستطيع ان نساعدهم في التغيير. فهذه هي الحقيقة، كلنا لدينا هذين الجانبين وما من شخص كامل.

لا اعرف مصدر هذه المعلومة ولكني اتذكر أني سمعتها وأومن بها من كل قلبي: كلنا كالفاكهة، هتاك من هو فراولة أو موز أو جوز هند.... نختلف في صفاتنا و لكل منا طعم، فلا نستطيع ان نقارن ونقول بأن الفراولة أفضل من البطيخ لأن لكلٍ طعمه ومحبيه.

ما أحب أن أتركه هنا مع كل أب وكل أم هو الإدراك بأن ما نقوم به من علاقة ووقت وتدريب وحب واحتواء وصبر وقبول سيكون له ثمار سنراها في حينه. ثمار فيهم و فينا كأهل. حينما نحاول أن نقبل وأن نصبر، فإننا نحاول ان نتغير وأن نصنع نظام تربوي جديد في داخلنا.
وقد نصنع كل ما نعرفه ونقدر عليه و مع ذلك تستمر عيوب و مشاكل اطفالنا، مما قد يُشعرنا بالعجز والحزن لأننا جميعا نتمنى الأفضل لأطفالنا. و في هذه اللحظات سوف يكون علينا ان نتقبل هذه العيوب ونحب بدون شروط، وننتظر أمام الله ليصنع المستحيل مع أطفالنا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا