إن أجمل شيء في الكتاب المقدس والذي يميزه عن سائر الكتب التي يؤمن الكثير من الناس أنها من الله، هو أنه لا يحتوي على تعليمات باتجاه واحد فقط (أقصد كلام من الله للإنسان فقط). إن الكتاب المقدس يحتوي أيضا على حوار مستمر ما بين البشرية والله، استمر أكثر من ألفي عام. نرى فيه بالطبع كلام الله لنا بتطوره وتفاعله مع النضوج البشري على مر العصور، إلى أن انتهى الأمر بإعلانه الكامل في المسيح. لكن أيضًا نرى في الكتاب المقدس تصرفات الإنسان والشعوب على مر العصور، تأوُّهات الإنسان، صراعاته، خيانته، يأسه، ضعفه، سقوطه، عنفه، ظلمه، نجاحه، هلاكه...إلخ، وذلك بهدف إبراز طبيعة الله من خلال ردوده لكل حالة من الحالات، وكيف كان ولا زال الله يَرُدَّ الإنسان عن طرقه المعوجة، يُخَلصه، يُغَيره ويرجعه إليه بنعمته.

من خلال خبرة الصراع الذي اختبره الشعب، في فترة النبي إرميا، قبل وبعد الاحتلال البابلي. نجد دعوة الله المستمرة للشعب للتوبة والرجوع، وما هو دور القيادة الروحية في هذا؟ وأيضًا نجد القمع والظلم الذي كابده الشعب من البابليين، خطاياه وابتعاده عن الله، صراعاته السياسية ما بين التسليم إلى ترتيب الله من خلال الرضوخ للاحتلال البابلي، وما بين الولاء الوطني للأرض والوطن والشعب، وخيار الكفاح المسلح والمقاومة العسكرية التي أدَّت للأسف إلى تدهور حالته إلى أن آلت إلى دمار أورشليم، حرقها بالنار وحرق الهيكل. بالرغم من أنها لم تكن خطة الله لشعبه بحسب النداء الأول الذي أطلقه الله من خلال إرميا. نرى أيضًا الضغط النفسي الذي اختبره الملوك عندما عرفوا مشيئة الله، لكن خافوا من ردود فعل الناس وفقدان وزنهم السياسي أمامهم.

يجب أن ندرك أن هذه الأرض، فلسطين وإسرائيل، يطغى عليها شر عظيم، ليس لأنه يوجد فيها ظلم، عنف و سفك دماء فحسب، بل بالدرجة الأولى لأنها لا زالت ترفض المسيح. فإن رفض المسيح بالنسبة لله، هو أعظم خطية وشر، لأن المسيح قال عن الروح القدس: " 8 وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. 9 أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي" يوحنا 16: 9، " وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً." يوحنا 3: 19. إن رفض المسيح هو أعظم شر، وهو الدينونة بحد ذاتها، لأنه يحجب الإنسان عن الوصول إلى الله وعبادته. العبادة الوحيدة المقبولة لديه بالروح والحق التي تؤدي إلى الحياة الأبدية وتمجيد الله (يوحنا 4: 23).

حالة شعب الأراضي المقدسة، أرض ووطن يسوع المسيح:
إن قسمٌ من شعب هذه الأرض يُسمِّي المسيح "ييشو"، أي يلعنه بعبادرة: "لِيُمْحى اسمَهُ وذِكره"، وقسم آخر من الشعب يرفضون حقيقة موته وقيامته، وبهذا فإنهم يرفضون محبة الله وذراعه الممتدة للبشر بالنعمة، والتي فيها أظهر الله محبته للبشرية، رومية 5: 8. والباقي يعترفون بفعل الإيمان المسيحي كاملاً، لكن يصيبهم الكلمة القائلة: "16 يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلَكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ." تيطس 1.
لكن نشكر الله لأنه أقام له مؤمنين قليلين أمناء في هذه الأرض وأنا أؤمن أنه في هذا الوقت الصعب من التاريخ، يوجد كلمة من الله للشعب الفلسطيني والإسرائيلي، كلمة خلاص وشفاء.

وفي بداية سفر إرميا نرى كيف أن الرب عادةً في تعاملة مع أي شعب، يعمل في اتجاهين:
الأول يختص في قضاء الله، والثاني يختص في رحمة ونعمة الله.

الأول: قضاء الله (دينونة الله).

قال الله لإرميا: " 15 لأَنِّي هَئَنَذَا دَاعٍ كُلَّ عَشَائِرِ مَمَالِكِ الشِّمَالِ يَقُولُ الرَّبُّ فَيَأْتُونَ وَيَضَعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ كُرْسِيَّهُ فِي مَدْخَلِ أَبْوَابِ أُورُشَلِيمَ (يحتلون الأرض) وَعَلَى كُلِّ أَسْوَارِهَا حَوَالَيْهَا وَعَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا. 16 وَأُقِيمُ دَعْوَايَ عَلَى كُلِّ شَرِّهِمْ لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَبَخَّرُوا لِآلِهَةٍ أُخْرَى وَسَجَدُوا لأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ." إرميا 1.
طبعًا الله لم يكن المبادر في هذه الفكرة ليدعو البابليين ليحتلوا هذه الأرض بشكل حرفي، لأن الكتاب يُوَضِّح في نصوص كثيرة مثل 2: 3، عن دينونة البابليين وغيرهم من الظالمين، المغتصبين الذين اعتدوا على شعب الله قائلاً: "...كلُّ آكليه (المحتلين) يأثمون، شرٌّ يأتي عليهم يقول الرب".
فالكتاب يستخدم صيغة الله الذي أرسل البابليين ليبرز لنا أنه ليس سلطان إلا من الله، ولا يحدث أي شيء على هذه الأرض، إلا بعدما يسمح الله بحدوثه (أنظر إلى تأمل رقم 31 وعاموس 3: 6). لذلك يبرز أيضًا الكتاب بوضوح أن الله غير راضٍ على أفعالهم وظلمهم، لذلك قد أعَدَّ لهم دينونة، في أوانه، كما قال: " وَيَكُونُ عِنْدَ تَمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً أَنِّي أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ وَتِلْكَ الأُمَّةَ يَقُولُ الرَّبُّ عَلَى إِثْمِهِمْ وَأَرْضَ الْكِلْدَانِيِّينَ وَأَجْعَلُهَا خِرَباً أَبَدِيَّةً." 25: 12.

الثاني: الرحمة والنعمة

وهي تكمن في تجاوب الشعب مع الكلمة التي يرسلها الله على فم عبيده الأنبياء، في الواقع الذي يسود عليه قضاء الله العادل والصالح لكي يتراجع الله عن قضائه ويُبرئ الأرض. فقال الله لإرميا
" 17 أَمَّا أَنْتَ فَنَطِّقْ حَقَوَيْكَ وَقُمْ وَكَلِّمْهُمْ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ... " إرميا 1.
إن رسالة الرب تنطلق في هذه الأيام من رجال الله في الكنيسة إلى شعب الأرض.
تمامًا كما فعل الله على مر العصور حيث " أَرْسَلَ كَلِمَتَهُ فَشَفَاهُمْ وَنَجَّاهُمْ مِنْ تَهْلُكَاتِهِمْ." (مزمور 107: 20).
نعم أؤمن أن الله يريد أن يرسل كلمته النبوية إلى شعبنا، كما أرسلها إلى الآن من خلال خدام الرب على مر جميع الأزمنة، ليأتي له بالشفاء والخلاص من الهلاك.  أصلي للكنيسة أن تأتي ليس في رسالة الخلاص التقليدية فحسب، بل للإجابة عن كل تساؤلات الشعب: السياسية، الاجتماعية، الروحية، والاقتصادية.
نعم أؤمن يا رب أنه يوجد عندك كلمة تعزية ورجاء، كلمة شفاء لشعبي السالك في الظلمة وظلال الموت.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا