صوم الباعوثة عند مسيحيي العراق

بقي يونان في بطن الحوت ثلاث ايام وثلاث ليال. فأمر الرب الحوت فقذف يونان الى البر. ثم نادى يونان ثانية وقال: قم اذهب الى نينوى...
15 فبراير - 11:26 بتوقيت القدس
صوم الباعوثة عند مسيحيي العراق

يصوم مسيحيو العراق والشرق العربي والكلدان منهم خاصة عن الطعام والشراب مع أداء الصلوات في الكنائس والبيوت ثلاثة أيام محددة في شهر فبراير من كل عام استغفارا من الله العظيم وتوبة عن الذنوب والآثام التي يرتكبها الإنسان في حياته، واستذكار لذكرى صوم اهل نينوى بعد ان ارسل الله اليهم نبيّه يونان الذي يطلق عليه القرآن اسم (يونس أو ذو النون) لينذرهم ويحذرهم من عقاب شديد وهلاك ودمار سيحل بهم بعد اربعين يوما من التبليغ، ان لم يعبدوا الله ويتوبوا من ارتكاب الذنوب. لان صوت الشر الذي مارسه أهل نينوى وحكامها في تلك الأيام الغابرة صعد الى الرب.

كتبت هذه القصة في سفر يونان في الكتاب المقدس موعظة ودرسا للناس:

نادى الربُ يونان بن امتّاي وقال له: "قم اذهب الى نينوى، المدينة العظيمة، ونادِ بأن أخبار شرورها صعدت اليّ".

لكن يونان لم يستمع لنداء الله وتكاسل في أداء مهمته المكلف بها. فاستأجر سفينة مبحرة من مرفأ يافا متجهة إلى ميناء مدينة ترشيش في اسبانيا. معتقدا انه سيهرب من وجه الله ومن المهمة التي كلفه بها. فبدل ان يتجه شرقا الى نينوى شمال العراق، اتجه غربا الى اسبانيا عن طريق البحر هربا من تكليف الله.

في وسط البحر الأبيض المتوسط، أطلق الله ريحا شديدة على البحر، فهاجت امواجه بزوبعة عظيمة كادت ان تحطم المركب التي استقلها يونان في مياه البحر وتغرقها. صلّى كل من كان على ظهر السفينة متضرعا إلى الاهه ان ينقذهم من هذه الكارثة والهلاك المحتم وسط البحر.

اما يونان فقد نزل الى جوف السفينة ونام حتى لا يرى الموت بعينيه. معتقدا انه سيهرب هذه المرة من الهلاك والغرق. لكن ربان السفينة ايقضه طالبا منه ان يشارك في الصلاة والتضرع إلى الاهه كي يرأف بهم وينقذهم من الغرق.

عرف الركاب ان هناك خاطئ بينهم أغضب الله وسبب هيجان البحر. أجريت القرعة على أسماء الركاب لمعرفة من هو الخاطئ بينهم ليتخلصوا منه، وان البحر بعد ذلك سيهدأ. أدرك يونان ان هذه الأمواج العاتية والرياح الشديدة هي بسبب غضب الله عليه لعصيانه أوامره، فوقعت القرعة عليه، وطلب هو إلقاؤه إلى البحر ليموت خاطئ واحد بدلا من أبرياء كثيرين، فالقيَ يونان إلى مياه البحر من أعلى السفينة، وهدأت الأمواج واستقر البحر هادئا بعد ذلك. سخّر اللهُ حوتا كبيرا من حيتان البحر فالتقم يونان وابتلعه إلى جوفه وسط المياه الكثيرة في بطن الحوت حتى وصلت الى أنفه. ادرك يونان ان غضب الله يلاحقه لعصيانه اوامره، فصلى الى ربه نادما واعدا الرب انه سيذهب الى نينوى وينفذ ما يطلبه منه إن اخرجه من جوف الحوت، فقال متضرعا: "اليك يارب صرختُ، فاستجب لي في ضيقي من جوف الموت استغيث، فسمعتَ صوتي... ومنك يارب الخلاص".

بقي يونان في بطن الحوت ثلاث ايام وثلاث ليال. فأمر الربُّ الحوتَ، فقذف يونان الى ساحل البر. ثم نادى الله يونان ثانية وقال له: "قم اذهب الى نينوى المدينة العظيمة ونادِ بما اقوله لك".

فذهب يونان الى نينوى شمال وادي الرافدين، عاصمة الامبراطورية الآشورية الممتدة شرقا وغربا. دخل المدينة وسار في طرقاتها واسواقها مسيرة يوم واحد وهو ينادي: "أيها الناس بعد أربعين يوما تُدمر نينوى إن لم تتوبوا عن خطاياكم وتعبدوا الله خالقكم". آمن أهل نينوى بالله ونادوا فيما بينهم ان يصوموا. ولبسوا مسوحا (ثيابا رثة) تواضعا إلى الله من كبيرهم الى صغيرهم.

ولما بلغ الخبر ملك نينوى،آمن بالله وقام من عرشه وخلع عنه ثيابه الملكية الفاخرة ولبس مسوحا (ثيابا قديمة رثة) وجلس على الرماد بدلا من العرش تواضعا طالبا المغفرة والعفو من الله تائبا عن ذنوبه وما فعله من شر.

أصدر الملك الاشوري امراً ملكيا الى شعبه وطلب ان ينادى بما أمر ويقال للناس جميعا:

"بأمر الملك وعظمائه ان لا يذوق بشر ولا بهيمة شيئا من الطعام والشراب ثلاثة أيام صوما واستغفارا عن الذنوب وطاعة الى الله، وان يلبس الناس مسوحا ويصرخوا الى الله بشدة ويرجعوا عن طريق الشر والرذيلة وعن العنف الذي صنعته ايديهم. لعل الله يرجع ويغفر لهم ذنوبهم ويعفوا عن هلاكهم". أطاع شعب نينوى أوامر الله والملك ونفذوا الصيام لثلاثة ايام.

فلما راى الله ما عمله اهل نينوى وأنهم رجعوا عن طريق الشر غفر ذنوبهم وعفى عن عقابهم. لكن يونان ساءه ان يتراجع الله عن غضبه بعد ان عانى هو الكثير من المتاعب في رحلاته في البحر والبر وتعرضه الى مخاطر الموت والمتاعب بسبب اهل نينوى، فلماذا لم ينفذ الله تهديده ولم يهلكهم؟

صلى يونان إلى الله وقال معاتبا: "أيها الرب قلتَ وأنا بعد في بلادي، انك تفعل مثل هذا (العقاب)، ولذلك اسرعتُ الى الهرب الى ترشيش، وكنت اعلم أنك اله حنون رحوم بطئ الغضب، وكثير الرحمة ونادم على فعل الشر، فالآن ايها الرب خذ حياتي مني، فخير لي أن أموت مِن أن أحيا".

فقال له الرب: "ايحق لك ان تغضب؟"

خرج يونان بعد ان أنجز مهمته التحذيرية الى خارج المدينة ونصب له مظلة وجلس تحتها لتقيه من حر الشمس اللاهبة حتى يرى ما يصيب المدينة من دمار وهلاك، لأنه كان يريد ان الله ينفذ تهديده بهلاك شعب نينوى وتدمير المدينة. فأعد الله له نبتة يقطينة نمت سريعا وارتفعت فوق رأس يونان لتوفر له ظلا من أشعة الشمس وحرارتها. فرح يونان فرحا عظيما باليقطينة وانتعش بظلها. أعد الله دودة عند الفجر في الغد، فضربت النبتة فيبست وتساقطت أوراقها ويونان نائم تحتها. فلما أشرقت الشمس وزال الظل من حوله، أعد الله ريحا شرقية حارة، فضربت رأس يونان حتى اغمى عليه. ولما فاق طلب الموت لنفسه وقال:

"خيرٌ لي أن أموت مِن أن أحيا". فكلمه الله قائلا:

"ايحق لك ان تغضب من أجل يقطينة لم تتعب فيها ولا ربيتها، وإنما طلعت في ليلة وهلكت في ليلة؟. أفلا اشفق أنا على نينوى العظيمة التي فيها أكثر من مائة وعشرين ألف نسمة لا يعرفون يمينهم من شمالهم فضلا عن بهائم كثيرة؟"

انتهت قصة يونان مع شعب نينوى العظيمة.

ماذا نستدل من هذه القصة الواردة بالكتاب المقدس.

هنا تتجلى رحمة الله لأهل نينوى والبشر أجمعين إن تابوا عن فعل الشر والذنوب التي تُغضب الله، أنه محب غفور رحيم لا يعاقب ولا يهلك التائبين.

هذه القصة التاريخية المذكورة في الكتاب المقدس باسم (سفر يونان) ترينا ان حب الله يشمل كل البشر، وأن الرب مستعد دائما ان يتراجع عن تهديداته بعقاب الخطاة إذا سمعوا صوته وبدلوا سلوكهم الشرير الى العمل الصالح، فالله لا يريد اذى عباده بقدر رغبته ان يصلحهم نحو الخير ونزع صفة الشر عنهم.

تعطينا هذه القصة درسا ان الله سيد الخليقة المطلق هو سيد الحياة والموت، فلماذا يحتج يونان عندما يمنح الله غفرانه للخطاة ويتوقف عن عقابهم ان تابوا.

كذلك توضح لنا ان الله لا يتخلى عن نبيّه بتركه عرضة للعزلة والضياع، كما أنه لا يسمح له ان يهرب من وجهه دون ان يكمل أوامره.

الرب هو الاله الحنون المستعد ان يعلم الناس ان قلبه مليء بالحب ورحمته واسعة تشمل جميع البشر بلا استثناء حتى الخطاة والمذنبين والاشرار ان تابوا وعادوا لطريق الخير والصلاح.

و استذكارا لهذه المناسبة التاريخية حول توبة أهل نينوى وصيامهم واستغفارهم من خالقهم، يصوم مسيحيو العراق والشرق الكلداني المتواجدون في داخل او خارج العراق ثلاثة أيام عن الطعام والشراب طلبا للمغفرة والرحمة وان تحل بركة الله عليهم وعلى عوائلهم وان يحل السلام في العراق والعالم.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا