هناك قرارات واضحة في حياتنا المسيحية. فعلينا ان نختار الإيمان بالمسيح يسوع ربا ومخلصا. نؤمن انه مات على الصليب لاجل خطايانا وانه قام من بين الاموات لتبريرنا. والقرارات الواضحة كثيرة فلا نحتاج ان نحتار عندما نفكر في الزنى او السرقة او القتل او الكذب. ولا نحتاج ان نحتار في الامانة الزوجية والعناية بالأولاد واعطاء الجسد حاجاته. فالجسد يحتاج إلى النوم والشرب والنظافة. لا نحتاج ان نسأل الله عن مشيئته ان كنا بحاجة إلى الاستحمام او إلى النوم.

بالرغم من الوضوح في الكثير من القرارات إلا اننا نعيش في عصر فرض علينا ان نفكر في قضايا حساسة. فماذا عن الاخلاقيات المسيحية المتعلقة باجهاض الاجنة؟ هل تستطيع المرأة ان تتخلص من الجنين ان كان معاقا او إن حبلت به نتيجة الاغتصاب؟ وماذا عن قتل الرحمة (Euthanasia)؟ فهل نستمر بدفع المال في سبيل الحفاظ على عمل اعضاء جسد إنسان فقد وعيه منذ فترة طويلة؟ وماذا عن الشذوذ الجنسي، او موانع الحمل، او الهندسة الوراثية (Genetic Engineering) واختيار جنس الاولاد وصفاتهم، او الطلاق والزواج ثانية، او علاقة المسيحي بالدولة والضرائب، او الانضمام للجيش والاشتراك بالحرب والقتل، او انتشار الأيدز، او التبرع باعضاء جسدنا مثل اعطاء كلية خلال حياتنا او التبرع بقلبنا بعد موتنا، او مسؤولية المسيحي تجاه ارتفاع درجات الحرارة في العالم (Global Warming)، او تدمير البيئة، او الانتحار وتفجير الآخرين باسم الوطن، او امور اخرى؟ بعض هذه الامور واضحة لنا ولكن قد يكون بعضها الآخر محيرا. فكيف نستطيع ان نعرف مشيئة الله في بعض هذه الامور المحيرة التي لم يتحدث عنها الكتاب مباشرة؟ طبعا، لن اجيب على كل الاسئلة التي طرحتها اعلاه خلال هذه العظة ولكنني سأعرض بعض المبادئ المسيحية العامة التي قد تساعدنا في اتخاذ القرار الصحيح. وسوف تتمحور هذه العظة على بعض هذه المبادئ التي ذكرها بولس الرسول في رومية 14. وسوف نتحدث عن ثلاثة مبادئ.

1. التيقن

اولا، يشرح بولس الرسول الاختلافات التي وقعت بين بعض المؤمنين اليهود في روما وبعض المؤمنين الامميين. امتنع الفريق الاول عن اكل اللحوم المذبوحة للآلهة الوثنية حتى ولو اضطر ان يأكل البقول. واكد نفس الفريق اهمية الايام المقدسة مثل يوم السبت او ايام الاعياد. اما الفريق الثاني فسمح لنفسه بأكل اللحوم المقدمة للوثن واعتبر كل الايام متساوية. في هذا الاطار طرح الرسول بولس بعض المبادئ التي تساعد المسيحي في علاقته مع الله والناس وفي مواجهة تحديات هذه الحياة. يشدد بولس الرسول على التيقن قبل السلوك قائلا: "فليتيقن كل واحد في عقله" (رو 14: 5). فما هو التيقن؟ التيقن هو امر مرتبط بالفكر والعقل اي بالقناعات. والتيقن هو الحصول على العلم والتأكيد.

يقول لوقا "إذ كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الامور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء مُعاينين وخداما للكلمة، رأيت أنا ايضا إذ قد تتبعت كل شي من الأول بتدقيق، أن اكتب على التوالي اليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي عُلمت به." (لو 1: 1 – 4). فالتيقن هو تتبع كل التفاصيل في كل مراحل تتطورها بتدقيق وفحص. يتعامل التيقن مع الماضي الذي جعل الأمور تؤول إلى ما هي عليه الآن. ويضيف لوقا قائلا: "الكلام الأول انشأته يا ثاوفيلس، عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به، إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعد ما اوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم. الذين اراهم ايضا نفسه ببراهين كثيرة، بعد ما تألم، وهو يظهر لهم اربعين يوما . . ." (اع 1: 1 – 3). يبين لوقا انه فحص الامور بدقة فعلم ان شهادة الرسل مؤسسة على براهين كثيرة على ظهور المسيح لهم فترة اربعين يوما. واضاف لوقا ان بطرس وقف امام الرجال المتحيرين يوم العنصرة مؤكدا لهم ان التكلم بالسنة هو خطة الله المبنية على كلمة الله في العهد القديم وخدمة الناصري المؤيدة بقوات وعجائب وآيات (اع 2: 12 – 22). بإيجاز، لم يكن التيقن الذي يتحدث عنه لوقا مؤسس على الإيمان الاعمى، بل على الإيمان المفكر والدارس لكل التفاصيل والادلة والبراهين. وهكذا صار لوقا نموذجا يُحتذى به لكل مسيحي يحترم القدرات العقلية التي منحنا اياها الله. فقدراتنا العقلية عطية الهية يجب ان نستخدمها لمجد الله. وهنا اشدد على اهمية الانتباه لكيفية تنمية الاستخدام الصحيح للعقل. فيجب إلا يكون دماغنا مستودعا للقمامة الفكرية التي تنتشر في الكثير من البرامج التلفزيونية.

اضف إلى ما سبق، يتعامل التيقن مع التاريخ المقدس أي التاريخ من وجهة نظر الله الذي يسيطر على مجرى التاريخ وعلى كل لحظات تتطوره. لهذا يرتبط التيقن بطبيعة الله. يقول الكتاب المقدس عن ابراهيم، "واذ لم يكن ضعيفا في الإيمان لم يعتبر جسده – وهو قد صار مماتا، اذ كان ابن نحو مئة سنة – ولا مماتية مستودع سارة. ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوى بالإيمان معطيا مجدا لله. وتيقن ان ما وعد به هو قادر ان يفعله ايضا" (رو 4: 19 – 21). اسس ابراهيم تيقنه على وعد الله وطبيعته وامانته. ولقد برهن الله انه الإله الذي يفي بوعوده بالرغم من كل التحديات. فهو قادر على كل شيء. واثبت الله امانته لابراهيم فاعطاه نسلا حتى عندما كانت امرأته عاقر. وبيّن الله امانته لموسى فشق البحر الأحمر حين لم يكن مهرب. وكشف امانته للبشرية بإرساله المسيح الذي طرد الشياطين وشفى العمي واقام الموتى وبنى الكنيسة وحافظ عليها بالرغم من كل التحديات. تزرع امانته وطبيعته الثقة واليقين في قلوبنا.

في ضوء ما سبق، إذا اردنا البث في امر محير فعلينا البحث عن المبادئ الكتابية الاكيدة قبل اتخاذ القرار. مثلا، يحاول زوجان التخلص من الجنين لأنه بحسب شهادة الاطباء سيولد معاقا. هنا يجب على الوالدين ان يبدئوا بالمبادئ الاكيدة. ويتيقنوا ان الله يحب المعاقين وان الجنين المعاق هو إنسان له نفس وروح وجسد وان ليس من حق أي إنسان ان يأخذ حياة إنسان آخر لأنه معاق وإلا سنكون من اتباع الداروينية الاجتماعية التي يكون فيها البقاء للافضل والاقوى فقط مما قد يعني ان علينا التخلص من كل المسنين لانهم ليسوا الافضل جسديا. اضف إلى ذلك، علينا ان نتيقن بسلطان الله الكامل وان شعرة من رؤوسنا لا تسقط بدون علمه. هذه المبادئ تسهل علينا اتخاذ القرار الصحيح. وإذا درسنا هذه المبادئ في ضوء الطرق التي يتم فيها اجهاض البشر من رحم امهاتهن فحينها تنمو قناعاتنا بالاتجاه الذي تبينه المبادئ الكتابية.

2. السلوك بالمحبة

ثانيا، يجب ان يكتسي التيقن بالمحبة والصبر. بالرغم من معرفة وتيقن بولس ان "ليس شيئا نجسا بذاته" (رو 14: 14) إلا انه اراد ان يقدم تيقنه في اطار المحبة وليس المجادلة (رو 14: 1، 15). ويشدد بولس الرسول على السلوك بحسب المحبة التي تدعو الاخ المحافظ الا يدين الاخ المتحرر وتحذر المتحرر من احتقار المحافظ (رو 14: 10). فسبب اختلاف اعضاء الكنيسة في البث فيما هو محلل ومحرم في الطعام والشراب، بين بولس ان الحيرة تزول عندما نسلك بحسب المحبة (رو 14: 13 – 17) مؤكدا على مبدإ مهم في تنفيذنا لأي قرار مهما كان. هذا المبدأ هو السلوك بالمحبة في كل شيء. فقد نمتنع عن الطعام او الشراب باسم المحبة وقد نتناول الاكل والمشروب بسبب سلوكنا في المحبة. والمحبة تتطلب بناء الاخ او الاخت في الإيمان. فعندما اجلس مع احد المسلمين الذي قرروا ان يتبعوا المسيح فحينها قد لا اتناول المشروب بسبب محبتي واحترامي للتقاليد التي تربى عليها وحينما اجلس مع يهودي مؤمن بالمسيح ويضع امامي كأس نبيذ فحينها اشرب لكي اؤكد محبتي واحترامي له ولتقاليده. والمقصود هنا بالمحبة هو التأكيد على محبة المسيح الطاهرة لكل من نتعامل معهم ونشر هذه المحبة بواسطة سلوكنا. والمحبة تميز بين الاستحسان اي الإيمان الخاص والقانون او الايمان العام. يقول بولس "حسن أن لا تأكل لحما ولا تشرب خمرا ولا شيئا يصطدم به أخوك او يعثر او يضعف. الك ايمان؟ فليكن لك بنفسك امام الله! طوبى لمن لا يدين نفسه في ما يستحسنه" (رو 14: 21 – 22). طبعا، هذا المبدأ لا يعني ان نرفض القداسة باسم المحبة. فكل ما ليس من الإيمان خطية (رو 14: 23).

وتنشر المحبة الكتابية البر والسلام وفرح الروح القدس (رو 14: 17). فيجب الا نتصرف مثل بعض "المسيحيين" امثال بول هيل (Paul Hill) القس المشيخي الذي قتل الطبيب جون بريتون (John Britton) وسائقه جامس باريت (James Barrett) لأنهما مسؤولان عن القيام بعمليات اجهاض. وعندما سألوه عما عمل لم يبدي الندم، بل قال: سأذهب للسماء فور اعدامي. من الواضح ان بول هيل لم يسلك بحسب المحبة، بل بحسب قناعاته فقط. لقد سلك مثل المخربين المتطرفين الذين يقتلون الابرياء بسبب قناعاتهم الشخصية ويفجرون الناس في الشوراع. وهم متيقنون ان ما يقومون به هو في سبيل الله. يرفض الكتاب المقدس فصل التيقن عن السلوك بالمحبة التي تهتم بحصول الآخرين على الحياة الابدية.

3. فحص ثمار القرار: البنيان والحرية المسؤولة

ثالثا، يشدد بولس على اهمية نتيجة او ثمار القرار. فيجب ان يقودنا القرار إلى البنيان وليس إلى الانقسام والتحزب. ويجب ان ينشر القرار السلام وليس الحرب. يقول بولس "فلنعكف إذا على ما هو للسلام، وما هو للبنيان بعضنا لبعض" (رو 14: 19). ويوضح بولس فكرة البنيان مؤكدا ان قراراتنا يجب ان تقود إلى الوحدة بحسب المسيح يسوع. يقول "وليعطكم إله الصبر والتعزية ان تهتموا اهتماما واحدا فيما بينكم، بحسب المسيح يسوع" (رو 15: 5). ثم يضيف ان القرارات البناءة تقودنا إلى اكرام وتمجيد الله وإلى التسبيح والاحتفال بمواعيد الله وبرحمته. اما القرارات الطالحة فتنشر الموت وتكسر المبادئ التي اوجدها الله في الخليقة والطبيعة.

ويشرح بولس اهمية اعتبار نتيجة القرار عندما يقول ان "كل واحد منا سيعطي عن نفسه حسابا لله" (رو 14: 12). فيجب ان تصاحب الحرية والتعددية الفكرية المسؤولية الاخلاقية. لهذا يرد بولس على الذين يريدون الحرية بدون المسؤولية قائلين ان كل الاشياء تحل لهم فيقول: " كل الاشياء تحل لي، لكن ليس كل الاشياء توافق. كل الاشياء تحل لي، لكن لا يتسلط علي شيء" (1 كو 6: 12). وبالترجمة الانكليزية (NIV) كل الاشياء تحل لي ولكن ليس كل الاشياء نافعة او بناءة. بكلمات اخرى ان ثمر قراراتنا يجب ان تقود إلى الحرية وليس العبودية.

مثلا، يستطيع الشرطي ان يستخدم القوة ولكن هناك مسؤولية اخلاقية بعدم الافراط في استخدام القوة واستخدامها بهدف المحافظة على النظام والعدالة وبالتالي بناء المجتمع. وشرطي السير عنده المسؤولية الاخلاقية ان لا يتبلى على الناس فيسيء استخدام سلطته. فتكون النتيجة بعيدة عن العدالة التي قصدها القانون.

الخاتمة

في الختام، دعونا نتذكر ان الحياة مليئة بالامور المحيرة وان المسيحي سيواجه قضايا لم يتحدث عنها الكتاب المقدس بطريقة مباشرة. في مثل هذه الظروف، علينا ان نتذكر المبادئ الكتابية التي تساعدنا على اتخاذ القرار الصحيح. ولقد ركزنا في هذا الفصل على ثلاث نقاط وهي التيقن، السلوك بالمحبة، وفحص ثمار القرار.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا