مخيم المصالحة

في كل عام تقيم مؤسسة مصالحة مخيّماً في اسرائيل للأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين. بما أنّ عدداً كبيراً من أطفال المصالحة يكبرون ويوّدون الاستمرار في المشاركة بمخيّماتنا، فقد قرّرنا أن نقيم مخيّمين في اسرائيل هذه السنة. واحد للشبيبة الناشئة (12- 14 عاماً) ومخيّمنا الاعتيادي للأطفال من سن 8- 11. في هذا العام وعندما اقتربنا من موعد مخيّمات المصالحة، كانت اسرائيل في خضم عملية عسكرية في غزّة اشتملت على ضربات عسكرية من قبل الجيش الإسرائيلي وسقوط صواريخ حماس على اسرائيل بشكل يومي. وقد واجهنا مخاوف جديدة إذ أنّ أهالي الفلسطينيين والإسرائيليين أعادوا النظر في إمكانية إرسال أولادهم، كان لدى أهالي الإسرائيليين مخاوف من إمكانية ضرب مواقع المخيّم بصواريخ من غزّة، في حين خاف أهالي الفلسطينيين من احتمالية تعرّض الموقع لهجوم من المتطرّفين الإسرائيليين على الفلسطينيين هناك. كانت كل المخاوف كبيرة، وبالأخصّ بسبب تغذية وسائل الإعلان الفلسطينية والإسرائيلية لهذه المخاوف. إضافة إلى ذلك كنت أنا نفسي خائفة من هذه المخاطر والمسؤولية التي كانت على عاتقي لرعاية الأولاد وفريقي من المرشدين. في بادئ الأمر، اعتقدت بأنّه سيتم إلغاء المخيّمات بسبب الوضع السياسي الراهن.

إنّ هذا المخيّم هو أحد المشاريع المفضّلة التي أرتقبها في كل عام، إذ أنني أستمتع بالتخطيط له وأقل شيء يمكن قوله هو أنني أصبت بخيبة أمل لدى تفكيري في إمكانية إلغاء هذه المخيّمات. بعد دراسة الوضع وأخذ الموارد الأساسية بعين الاعتبار قرّرنا أن نقيم كلا المخيّمين في القرية المعمدانية كما هو مخطط.

 الخوف الأوّل الذي كان عليّ أن أتغلّب عليه هو نفسي. كان عليّ أن أتغلب على خوفي من حلقة العنف هذه وأن أضعها في المنظور الصحيح. أثناء قيامي بذلك أدركت معنى كون نزاعنا نزاعاً عسيراً، يعني ذلك من ناحية أنّ قادتنا السياسييين غير معنيين بحل هذا النزاع بنفس الطريقة التي أوّدّ أن أرى حلاَّ من خلالها. وتساءلت عندها لماذا كان عليّ أن أسمح لهم بالتحكّم بردّي على هذه الحلقة من العنف، فلذلك استخلصت إمّا بأن أسمح لهذا الخوف أن يشلّني أو أن أوّظف ردّة فعلي على هذا النزاع بالطريقة الصحيحة. يمكن أن أسمح لخوفي أن يشلّني من خلال السماح لقادتنا بالتحكّم بأوقات اجتماعنا نحن كمؤمنين اسرائيليين وفلسطينيين. علينا أن ننتظر حتى يتوّقف القتال أو انتهاء العنف حتى نتمكّن من الالتقاء من جديد. علينا أن نجتمع فقط عندما يسمح لنا قادتنا. ومن ناحية أخرى يمكن لخوفي أن يحرّكني جنباً إلى جنب مع التزامي باللقاء مع الآخرين بغضّ النظر عمّا يمليه قادتنا علينا. خلال المحن، غالباً ما يدعونا القادة لأن نتماثل مع مجموعتنا القومية أو الإثنية وبما أنّه من المتوّقع منّا أن نضع الولاء على قائمة أولويّاتنا من خلال عزل أنفسنا عن التواصل مع الآخرين، فإننا بذلك نسمح لمجتمعنا بأن يحكم خبرات ومشاعر إخوتنا وأخواتنا.
وإنّ الوقوف أمام مجتمعك قد يكون خياراً صعباً لعدة أسباب: يعتبر ذلك صعباً لأنّه يطلب منّي بأن أتخطّى الخوف الذي يقوم المجتمع بتنشئته داخلي. إذا كنت قد ترعرعت هنا، فإنّك على إدراك بأن كل طرف لا يؤمن بوجود شريك للسلام. "إنّهم غير مهتمّون بالسلام، لقد قدّمنا لهم فرصاً كثيرة" هذا ما يقوله كل طرف على نظيره الآخر.

في هذا المخيّم الصيفي، قام طفل اسرائيلي باستعارة عصبة رأس من أحد المرشدين ولفّها حول رأسه وقال:"انظروا! أنا عربي إرهابي." يتم بلورة صورتنا عن الطرف الآخر منذ سنّ صغيرة وتكون ردّة فعلنا الطبيعية هي الخوف الجماعي من الطرف الآخر، وهنا نستطيع استخدام هذه الفرصة لزرع بذور التغيير. قامت سناء المرشدة التي سمعت ما قاله ذلك الطفل بأخذه جانباً وتحدّثت معه حول موضوع التعميم وكسر الصور النمطية. وقالت له إنه عندما يقوم بالتعميم بما يختص في العرب، فإنّ ذلك يجرح مشاعرها لأنّها هي نفسها عربيّة. فهم الطفل ما حصل واعتذر عن ذلك وهذه كانت النهاية.

ثانيا، من الصعب الوقوف أمام المجتمع لأننا نعتمد على أحدنا الآخر من أجل النجاح. لا يمكن أن يقام المخيّم من دون وجود الأطفال والمرشدين. قد أكون راغباً في التغلّب على مخاوفي المحيطة المخيّم ولكن هل سيقوم الأهل بذلك؟ يعتمد جزء كبير من نجاح هذا المخيّم على الأهل الذين يثقون بكل شجاعة بحكمنا، والذين يبعثون أولادهم إلى مخيّمنا. قد يعد هذا تصريحاً صاخباً أننا كمؤمنين نقف راسخين معاً بغض النظر عن هذه الأوقات المظلمة. على مرّ أعوامنا العشرة في العمل في مخيّمات الأطفال، اختبرنا نجاحاً في خلق مجتمعاً يقوم فيه الأهالي الفلسطينيين والإسرائيليين بإرسال أولادهم إلى مخيّم يهدف للمصالحة. إننا ممتنّين للأهل ونقدّرهم لإرسال أولادهم بانتظام وبالأخص في صيف عام 2014.

وأخيراً، يعدّ ذلك صعباً بسبب الخوف الملموس نفسه. أثناء المخيّم كنّا نسمع أصوات صفارات الإنذار. كنّا مستعدّين بشكل جيّد للتعامل معها وتوّجه الأطفال والعاملين إلى الغرف الآمنة في الوقت المناسب، قبل سماعنا إطلاق الصواريخ المضادة من قبل القبة الحديدية لضرب الصواريخ القادمة، وفي أوقات النوم تواجد الأطفال الإسرائيليين والفلسطينيين في نفس الغرفة معاً مع مرشديهم. كانوا ينتظرون في الغرفة وهم مستلقين على الأرض وأياديهم فوق رؤوسهم لمدّة عشرة دقائق. وخلال هذا الوقت، فكّر المرشدون بطرق عدّة لتمضية هذه الفترة، إذ قرّر بعض المرشدين أن يصلّوا معاً وقرّر آخرون الترنيم، وآخرون اختاروا القيام بلعبة. لم يكن مهمّاً من هم هؤلاء الأطفال، إذ كانوا يقعون تحت نفس الاختبار. قال أحد الأطفال: "في البداية كنت متوّتراً عندما كنّا تحت الأسرّة ننتظر حدوث الإنفجار، ولكن من بعدها بدأنا بترنيم: "يسوع يحبّني" وعندما وصلنا إلى المقطع الذي يقول: "نحن ضعفاء وهو قوي" عرفت بأنّ قوّة يسوع كافية لتعتني بنا وتعزّيت.

بعد انتهاء فترة العشرة دقائق كنت أقرع أبواب الغرف وأطلب منهم الخروج. لم تكن هناك غرفة واحدة فيها دموع بل امتلأت كلّها بالابتسامات والضحك، وكأنّ شيئاً لم يحصل واستمرّ البرنامج. لقد ألهمني مقدار مرونة الأطفال وإعادة تكيّفهم.

لخّص أحد المرشدين هذا الموضوع بملاحظته المثيرة: "لدينا أسباب كثيرة تجعلنا نخاف في أوقات النزاع، وفي الوقت نفسه لدينا فرص كبيرة لتحويل هذا الخوف إلى بصيص من الأمل للذين من حولنا." في هذا المخيّم، كان هناك مرشد اسرائيلي تمّ إرسال أخاه إلى غزّة على متن الوحدة العسكرية التي يخدم فيها، وبنفس الغرفة كان لدينا طفل من المخيّمين يعيش جدّيه في غزّة، قام هذا المرشد بالاعتناء بهذا الطفل طوال اليوم.

لا يوجد أي مخيّم آخر في مجتمعنا يجلب الأطفال الإسرائيليين والفلسطينيين معاً. وبالأخص في أوقات كهذه. إنني فخورة لكوني جزءاً من هذا المخيّم وممتنة لحصولي على الدعم والتشجيع لمواجهة مخاوفي. هناك فرص مليئة بالأمل في انتظارنا إذا رغبنا بالوقوف في وجه التحديّات التي أمامنا. لقد قدّم مجتمعينا لنا الخوف والانقسام ولكن بواسطة المسيح تمكنّا من تصوّر واختبار حاضراً أفضل باستطاعته أن يحدث فرقاً نحو مستقبل أفضل.