عيّن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الدبلوماسي العربي المسيحي جورج ديك مبعوثًا خاصًا للعالم المسيحي، في منصب جديد تقول وزارة الخارجية الإسرائيلية إنه يهدف إلى “تعميق علاقات إسرائيل مع المجتمعات المسيحية حول العالم”. ويأتي التعيين في توقيت حساس، بعد سلسلة حوادث أثارت قلقًا وغضبًا في أوساط كنسية محلية ودولية.
وجورج ديك، ابن المجتمع العربي المسيحي في يافا، يُعد من أبرز الدبلوماسيين الإسرائيليين في السنوات الأخيرة. فقد شغل منصب سفير إسرائيل في أذربيجان، ويُقدَّم رسميًا كأول سفير مسيحي في تاريخ إسرائيل، كما نال جائزة التميّز من مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية. وتشير الوزارة إلى أن والده يوسف ديك تولى لسنوات رئاسة الطائفة المسيحية الأرثوذكسية في يافا وإسرائيل.
وقال ساعر إن إسرائيل “تولي أهمية كبيرة” لعلاقاتها مع العالم المسيحي وأصدقائها المسيحيين، معربًا عن ثقته بأن ديك سيساهم في تعزيز الصداقة والروابط بين إسرائيل والمجتمعات المسيحية. لكن التعيين لا ينفصل عن خلفية أوسع من التوترات، خصوصًا بعد حادثة تحطيم جندي إسرائيلي تمثالًا للسيد المسيح في قرية دبل جنوب لبنان، وهي الحادثة التي أدت إلى إبعاد الجندي ومن صوّر الواقعة عن القتال والحكم عليهما بالسجن العسكري 30 يومًا.
كما جاء القرار بعد واقعة أخرى أثارت انتقادات كنسية، حين مُنع البطريرك اللاتيني في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من الوصول إلى كنيسة القيامة في أحد الشعانين، قبل أن تتراجع السلطات لاحقًا وتسمح بترتيبات محدودة للصلاة بعد تدخل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. واعتبرت تقارير إسرائيلية أن هذه الحوادث كشفت غياب سياسة واضحة تجاه العلاقات مع المسيحيين، خاصة في القدس والأراضي المقدسة.
وفي مقابلة مع صحيفة “إسرائيل اليوم”، شدد ديك على أن الاعتداء على رمز ديني مسيحي لا يسيء فقط إلى المسيحيين، بل يضر بصورة إسرائيل في العالم وبقيمها كمجتمع. وقال إن مواجهة هذه الظواهر تحتاج إلى مسارين معًا: التربية وإنفاذ القانون، مؤكدًا أن الحفاظ على حرية العبادة والأماكن المقدسة والحياة المشتركة هو جزء من قوة الدولة، خصوصًا في وقت “ينظر فيه العالم كله” إلى ما يحدث.
ويحمل تعيين ديك أيضًا بعدًا استراتيجيًا أوسع، إذ قال في المقابلة إن العلاقات بين إسرائيل والعالم المسيحي لم تعد قادرة على العمل “بشكل تلقائي”، مشيرًا إلى أن جيلًا جديدًا في الولايات المتحدة وأوروبا يطرح أسئلة حول إسرائيل ودورها في الوعي المسيحي. كما لفت إلى أن عام 2033، الذي يوافق مرور ألفي عام على صلب المسيح، سيكون محطة مهمة للعالم المسيحي.
وبحسب ما أوردته “إسرائيل اليوم”، تتضمن الخطوات المتوقعة ضمن مهمة ديك استقدام قيادات مسيحية إلى البلاد، والعمل على دعم جماعات مسيحية مضطهدة حول العالم، إضافة إلى بناء استراتيجية خاصة للتواصل مع الشباب المسيحيين، ولا سيما في الولايات المتحدة.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، كما نقلتها “تايمز أوف إسرائيل”، إلى أن عدد المسيحيين في إسرائيل يبلغ نحو 184,200 شخص، أي حوالي 1.9% من السكان، مع وجود أكبر تجمعات مسيحية في الناصرة وحيفا والقدس وشفاعمرو.
ورغم أن الحكومة الإسرائيلية تبرز نمو المجتمع المسيحي داخل إسرائيل مقارنة بتراجع الوجود المسيحي في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، فإن تقارير حقوقية وكنسية تشير في المقابل إلى تصاعد الاعتداءات والمضايقات ضد رجال دين ورموز وممتلكات مسيحية، خصوصًا في القدس. ووثق مركز روسينغ للتعليم والحوار 111 حالة اعتداء أو مضايقة ضد مسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية خلال عام 2024، بينها اعتداءات جسدية وتخريب لممتلكات دينية.
وبذلك، يبدو أن مهمة جورج ديك لن تكون بروتوكولية فقط، بل اختبارًا سياسيًا ودبلوماسيًا حساسًا: هل تستطيع إسرائيل طمأنة الكنائس والمجتمعات المسيحية، وحماية الرموز المقدسة وحرية العبادة، أم أن التعيين سيبقى خطوة علاقات عامة في ظل حوادث متكررة تترك أثرًا عميقًا لدى المسيحيين في الأرض المقدسة والعالم؟
