شهدت القدس، يوم السبت 11 أبريل/نيسان 2026، إقامة مراسم سبت النور في كنيسة القيامة، في مشهد حمل هذا العام فرحًا روحيًا واضحًا، لكنه جاء أيضًا محاطًا بإشكاليات أمنية وتنظيمية وسياسية أثارت اعتراضات واسعة. فالمناسبة، التي تُعد من أبرز الطقوس في الكنائس الشرقية عشية عيد الفصح، أُقيمت بعد أيام فقط من قرار السلطات الإسرائيلية رفع القيود العامة عن المواقع المقدسة في القدس، وهي القيود التي كانت قد كبحت الوصول إلى أماكن العبادة طوال أسابيع الحرب الأخيرة.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، فإن العودة إلى الصلاة في المواقع المقدسة بدأت يوم الخميس 9 أبريل/نيسان 2026، بعدما قالت الشرطة الإسرائيلية إنها سترفع القيود عن جميع هذه المواقع وتُنشر مئات العناصر والمتطوعين في المدينة. وأشارت الوكالة إلى أن الوصول إلى المواقع المسيحية واليهودية والإسلامية كان قد مُنع بالكامل أحيانًا، أو قُيّد إلى أعداد قليلة جدًا من المؤمنين في أحيان أخرى، الأمر الذي أثّر على أجواء الصوم الكبير والفصح ورمضان معًا. وفي هذا السياق، جاء سبت النور هذا العام بوصفه أول اختبار فعلي لمدى عودة الحياة الدينية إلى طبيعتها في البلدة القديمة.
لكنّ فتح الأبواب لم يعنِ أن الطريق أصبح سالكًا بالكامل أمام المؤمنين. فقبل المراسم وخلالها، صدرت شكاوى متكررة من وجود تضييقات على الوصول إلى كنيسة القيامة، فيما قالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية إن الشرطة الإسرائيلية اعتدت على مصلين وفرق كشفية خلال احتفالات سبت النور، وفرضت قيودًا على الوصول إلى الكنيسة، ومنعت كثيرين من بلوغها. وأضافت الوزارة أن ما جرى يمس حرية العبادة وحرمة الأماكن المسيحية المقدسة والوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس.
ورغم هذه الأجواء، فإن المراسم نفسها لم تُلغَ ولم تتوقف. فقد أكدت رويترز وصول المسيحيين الأرثوذكس إلى كنيسة القيامة في القدس يوم السبت للمشاركة في احتفال سبت النور، فيما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” بأن الطقس أُقيم داخل الكنيسة بالفعل، وترأسه ثيوفيلوس الثالث، بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس وسائر فلسطين والأردن، الذي قاد صلاة خاصة عند القبر المقدس داخل الكنيسة. وهنا تظهر الصورة الأوضح لما حدث في النهاية: الإشكالية الأساسية لم تكن في إلغاء الشعيرة، بل في تقييد الوصول إليها وتقليص قدرة كثيرين على المشاركة فيها كما جرت العادة في السنوات الطبيعية.
وكانت الخلفية المتراكمة لهذه التوترات قد سبقت سبت النور نفسه. فأسوشيتد برس ذكرت أن القيود الإسرائيلية أثارت جدلًا واسعًا في أواخر مارس، عندما مُنع الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، من دخول كنيسة القيامة للاحتفال بقداس خاص في أحد الشعانين. وبعد ذلك قال بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إنه لم تكن هناك “نية خبيثة”، وإن منع دخوله كان لأسباب تتعلق بالسلامة، قبل أن يُسمح له لاحقًا بالدخول يوم عيد الفصح الغربي. لذلك لم يأتِ سبت النور في فراغ، بل في سياق أزمة أوسع تتعلق بحرية الوصول المسيحي إلى أقدس كنائس القدس خلال الموسم الفصحي.
وفي الساعات التي سبقت الاحتفال، كانت التوقعات تشير إلى حشود كبيرة داخل الكنيسة بعد رفع القيود، إذ أشارت أسوشيتد برس إلى أن آلاف المسيحيين كانوا يستعدون للتجمع داخل الكنيسة حاملين الشموع غير المضاءة، بانتظار خروج النور وتوزيعه بين المؤمنين. غير أن الواقع الميداني بدا أكثر تعقيدًا، مع استمرار الحديث عن عراقيل عند الوصول وعن أعداد محدودة تمكنت من عبور الإجراءات المحيطة بالمكان. وبذلك، بدا المشهد هذا العام مزدوجًا: الكنيسة احتضنت الطقس فعلًا، لكن الطريق إلى الكنيسة ظل موضع نزاعٍ وتضييق.
أما النهاية العملية لليوم، فكانت أن النور خرج فعلًا من كنيسة القيامة ووصل إلى المؤمنين، ثم امتدت الاحتفالات إلى خارج القدس. ووفق “وفا”، استقبلت مدن بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا النور الآتي من كنيسة القيامة، وسارت به المواكب التقليدية وسط تجمعات شعبية وصلوات واستعدادات لعيد الفصح. وهذا يعني أن اليوم انتهى بإتمام الطقس الديني واستمرار رمزيته الروحية، رغم أن الشكاوى من التضييقات بقيت جزءًا أساسيًا من الخبر ومن دلالاته هذا العام.
وبذلك يمكن تلخيص ما حدث في سبت النور 2026 في القدس بجملة واحدة واضحة: المراسم أُقيمت، والنور خرج، لكن الطريق إلى الكنيسة لم يكن حرًا بالكامل. وهذا ما جعل الحدث هذا العام ليس مجرد احتفال ديني تقليدي، بل مناسبة كشفت مرة أخرى هشاشة حرية العبادة في القدس حين تخضع الشعائر المسيحية لإجراءات تحدّ من حضور المؤمنين ومشاركتهم في أكثر أيامهم قداسة.
