بريطانيا بين الصليب والهجرة والإسلام: سؤال الهوية المسيحية يعود إلى الواجهة

تواجه بريطانيا اليوم نقاشًا متزايدًا حول هويتها المسيحية، مع تراجع الحضور الكنسي واستمرار الجدل حول الهجرة وصعود الحضور الإسلامي في المجتمع. وبين الإرث المسيحي العريق والتغيّرات الديموغرافية والثقافية، تجد الكنيسة البريطانية نفسها أمام تحدٍّ جديد: كيف تحافظ على شهادتها الروحية في بلد يتغير بسرعة؟
قبل 3 ساعات
بريطانيا بين الصليب والهجرة والإسلام: سؤال الهوية المسيحية يعود إلى الواجهة
لينغا

عاد سؤال الهوية الدينية والثقافية في بريطانيا إلى الواجهة من جديد، بعد أيام من احتجاجات واسعة في لندن تزامنت مع صدور بيانات حديثة تؤكد استمرار تراجع الحضور الكنسي في البلاد، في وقت يتصاعد فيه الجدل العام حول الهجرة والإسلام ومستقبل الطابع المسيحي التاريخي للمملكة المتحدة.

ففي 16 مايو 2026، شهدت لندن مسيرتين كبيرتين منفصلتين: الأولى ضد الهجرة وما يراه المشاركون تهديدًا إسلاميًا لهوية بريطانيا، والثانية مؤيدة للفلسطينيين في ذكرى النكبة. ودفعت الشرطة البريطانية بنحو 4 آلاف شرطي، ووصفت العملية بأنها من أكبر عمليات حفظ النظام في السنوات الأخيرة، فيما أعلنت اعتقال 43 شخصًا بعد انتهاء المسيرات.

وجاءت المسيرة المناهضة للهجرة بقيادة الناشط المعروف تومي روبنسون، حيث رفع مشاركون أعلامًا بريطانية وإنجليزية، وتحدث بعضهم عن شعورهم بأن الهجرة الكثيفة غيّرت “التوازن” داخل البلاد. كما أشار تقرير رويترز إلى أن الحكومة البريطانية منعت 11 شخصية أجنبية من اليمين المتطرف من دخول البلاد للمشاركة في الحدث، بينما اتهم رئيس الوزراء كير ستارمر منظمي المسيرة بنشر الكراهية والانقسام.

لكن خلف هذا الجدل السياسي والأمني، توجد قضية أعمق تتعلق بالهوية الروحية لبريطانيا. فبحسب بيانات التعداد السكاني في إنجلترا وويلز، انخفضت نسبة الذين يعرّفون أنفسهم كمسيحيين إلى 46.2% في عام 2021، لتصبح للمرة الأولى أقل من نصف السكان، بعدما كانت 59.3% في عام 2011. وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم بلا دين إلى 37.2%، بينما ارتفعت نسبة المسلمين إلى 6.5%، أي نحو 3.9 مليون شخص.

وتظهر هذه الأرقام أن التغيير في بريطانيا لا يتعلق بالإسلام والهجرة وحدهما، بل أيضًا بتراجع واضح في ارتباط البريطانيين أنفسهم بالإيمان المسيحي والكنيسة. فقد أشار تقرير حديث إلى أن حضور الخدمات المسيحية الأسبوعية في بريطانيا بلغ 5% فقط في عام 2025، بعدما كان 8% في عام 2018، كما أكد الباحث سير جون كورتيس أن الأدلة لا تدعم الحديث عن “نهضة مسيحية” حقيقية في البلاد.

أما ملف الهجرة، فيبقى حاضرًا بقوة في الجدل العام. فبحسب Migration Observatory في جامعة أوكسفورد، بلغ صافي الهجرة إلى المملكة المتحدة نحو 204 آلاف شخص في السنة المنتهية في يونيو 2025، بعدما كان قد وصل إلى مستويات مرتفعة جدًا في عامي 2022 و2023. كما أوضح التقرير أن معظم الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي جاءت لأسباب تتعلق بالدراسة والعمل والعائلات.

ومن منظور مسيحي، لا يمكن اختزال الأزمة في وجود المسلمين أو المهاجرين فقط، لأن التحدي الأكبر هو ضعف الشهادة المسيحية داخل المجتمع البريطاني نفسه. فبريطانيا التي بُني جزء كبير من تاريخها ومؤسساتها وقيمها العامة على إرث مسيحي، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: كنائس أقل امتلاءً، مجتمع أكثر علمانية، وجدل متزايد حول معنى أن تكون بريطانيا “بلدًا مسيحي الجذور” في زمن التعدد الديني والثقافي.

لذلك، فإن السؤال المطروح ليس فقط: هل تغيّر وجه بريطانيا بسبب الهجرة والإسلام؟ بل أيضًا: أين الكنيسة البريطانية من هذا التغيير؟ وهل ستكتفي بالدفاع عن الماضي المسيحي، أم ستعود لتقديم شهادة حية وواضحة عن المسيح في مجتمع يبحث عن هوية ومعنى واتجاه؟

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.