تعيش الجماعات المسيحية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية مرحلة شديدة القسوة، بعدما تداخلت معاناة العنف المسلح مع تفشٍ جديد لفيروس إيبولا في مناطق تعاني منذ سنوات من الاضطراب الأمني والنزوح. وتقول منظمة International Christian Concern إن المسيحيين في إقليمي إيتوري وشمال كيفو يواجهون ضغوطًا متزايدة، في ظل نشاط جماعات متطرفة مسلحة واستمرار الهجمات على القرى والمدنيين.
وتأتي هذه المعاناة في وقت أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل طارئًا صحيًا عامًا يثير قلقًا دوليًا. وبحسب المنظمة، سُجّلت حتى 16 أيار/مايو 2026 حالات مؤكدة ومئات الحالات المشتبه بها في إقليم إيتوري، خصوصًا في مناطق بونيا ورومبارا ومونغوالو، إلى جانب تسجيل حالات مؤكدة في أوغندا مرتبطة بحركة السفر من الكونغو.
وتشير تقارير صحية حديثة إلى أن عدد الوفيات المشتبه بارتباطها بإيبولا ارتفع بشكل مقلق في شرق الكونغو، مع استمرار صعوبة احتواء التفشي بسبب الوضع الأمني الهش، وضعف البنية الصحية، وانتشار الخوف والمعلومات الخاطئة بين السكان. وذكرت رويترز أن التفشي يشمل سلالة نادرة من الفيروس، ولا توجد لها حتى الآن لقاحات أو علاجات معتمدة بشكل خاص، ما يزيد من خطورة الوضع على السكان المحليين والطواقم الطبية.
وبالنسبة للمسيحيين في شرق الكونغو، لا تأتي أزمة إيبولا بمعزل عن واقع يومي مؤلم. فالمنطقة تشهد منذ سنوات هجمات متكررة تنفذها جماعات مسلحة، بينها جماعات ذات توجهات متطرفة، وسط ضعف سلطة الدولة في مناطق واسعة. وقد أشارت لجنة الحريات الدينية الدولية الأميركية في تقرير سابق إلى أن انعدام الأمن المزمن في الكونغو الديمقراطية وفراغ السلطة في بعض المناطق ساهما في تصاعد انتهاكات خطيرة ضد حرية الدين والمجتمعات المحلية.
وتقول منظمات معنية بالمسيحيين المضطهدين إن المؤمنين في هذه المناطق لا يواجهون فقط خطر المرض، بل أيضًا خطر النزوح وفقدان المأوى والعمل والغذاء، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى الكنائس والخدمات الروحية في ظل الخوف من الهجمات. وفي قرى كثيرة، أصبحت العائلات المسيحية تعيش بين خيارين قاسيين: البقاء في مناطق غير آمنة، أو النزوح إلى أماكن تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وتزيد أزمة إيبولا من هشاشة هذه المجتمعات، لأن الحجر الصحي وإغلاق بعض المناطق وتعطل الحركة التجارية قد يفاقم الفقر ويمنع العائلات من الحصول على الطعام والرعاية الطبية. كما أن الكنائس المحلية، التي غالبًا ما تكون ملجأ روحيًا واجتماعيًا للناس وقت الأزمات، تجد نفسها أمام مسؤوليات كبيرة في تشجيع الوقاية، ومساندة العائلات المنكوبة، ومساعدة النازحين.
ويرى مراقبون أن ما يجري في شرق الكونغو ليس مجرد أزمة صحية، بل مأساة إنسانية وروحية مركبة، تحتاج إلى تدخل عاجل من المجتمع الدولي، ودعم واضح للكنائس المحلية والمؤسسات الإنسانية العاملة على الأرض. فالمسيحيون هناك، وهم جزء أصيل من المجتمع الكونغولي، يحتاجون اليوم إلى حماية من العنف، ورعاية صحية، ومساندة عملية في مواجهة المرض والنزوح والخوف.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى الكنائس والجماعات المسيحية في الكونغو الديمقراطية شاهدة على الإيمان وسط الألم، حاملة رسالة رجاء في أرض أنهكتها الحروب والأوبئة. لكن هذا الرجاء يحتاج أيضًا إلى تضامن حقيقي، لا يكتفي بالكلمات، بل يمتد إلى الصلاة والدعم الإنساني والضغط من أجل حماية الأبرياء ووقف دوامة العنف.
