بقلم: جورجيو بيرنارديللي، نقلها إلى العربية منير بيوك

وصل مؤخراً القنصل العام الجديد لفرنسا في القدس هيرفي ماجرو بصورة رسمية إلى المدينة المقدسة، وذلك تمشياً مع تقليد عمره قرن من الزمان ينص على أن القنصل الفرنسي العام هو الدبلوماسي الأجنبي الوحيد الذي لديه الإمتياز في أن يقوم بزيارة رسمية إلى كنيسة القيامة. فالإحتفال المهيب، الذي اشتمل على موكب سار من بوابة يافا إلى كنيسة القديسة حنة، هو تقليد تاريخي يؤكد دور فرنسا "كحامية" للمسيحيين في الأرض المقدسة.

القنصل الفرنسي العام يضيء الشموع داخل قبر السيد المسيح "الفارغ" في كنيسة القيامة
القنصل الفرنسي العام يضيء الشموع داخل قبر السيد المسيح "الفارغ" في كنيسة القيامة

يعود ذلك إلى اتفاق تم توقيعه بين أكثر الملوك التزاماً بالكاثوليكية، فرنسوا الأول، وسليمان القانوني في عام 1535، وهو الأول في سلسلة الامتيازات. أقر الاتفاق، الذي تم التوقيع عليه في إطار التحالف ضد شارل الخامس، دور فرنسا الخاص كحامية للمسيحيين في الأرض المقدسة. وقد تعزز هذا الدور عقب إقامة القنصلية الفرنسية في القدس تحت حكم لويس الثالث عشر، وعدد من التدخلات المتعلقة بالتشريعات الخاصة بالأماكن المقدسة وبحماية الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط (على سبيل المثال في لبنان).

القدس هي أكثر من أي مكان آخر يرى التاريخ باعتباره أكثر من مجرد ذكرى من ذكريات الماضي - كما رغب السيد ماجرو أن يوضح على الفور أنه كان على علم بذلك. ففي كلمته الترحيبية شدد على أن حماية المسيحيين في الشرق الأوسط قريب من قلبه.

من ناحية أخرى، فقد أعربت المجتمعات المسيحية المحلية عن قدر كبير من الاستياء من موقف فرنسا بالنسبة للنزاع السوري. فحقيقة الأمر أنه كان ينظر معظم مسيحيي الشرق الأوسط للدعم الفرنسي لقوات المعارضة على أنه ضوء أخضر للميليشيا الإسلامية. وبذلك، فقد اعتبرت فرنسا فاشلة في أداء واجبها بحماية المسيحيين، وهو التزام يعود لفترة قرن من الزمان حيث جرى الإلتزام به حتى أثناء ثورة عام 1789 وايضا أتناء تطبيق العلمانية في التشريع الفرنسي لعام 1905 الذي فصل بين الكنيسة والدولة.

يأتي هذا السخط، مع دخول الساحة طرف آخر طامحاً أن يكون "حامياً" للمسيحيين كما ذكرت مصادر داخلية في موقع "فاتيكان انسايدر" قبل أيام. لقد بدأ العديد من المسيحيين ينظرون إلى روسيا بوتين بعين الرضى. وهذا هو السياق الذي عبر عنه السيد ماجرو حول نية فرنسا عدم التخلي عن مسؤوليتها التاريخية التي أوكلت إليها.

يقول الفنصل الفرنسي الجديد في خطابه: "وفي هذا السياق، لعبت فرنساً دائماً دوراً خاصاً في تاريخها وفي الحاضر. فبمؤسساتها وتقاليدها، لا تزال فرنسا تحافظ على علاقة حية وحيوية مع هذه المدينة... ففي وقتنا يبدو كل شيء قد تغير حتى هنا في الشرق الأوسط، يذكرنا هذا الطقس البسيط والقديم المتعلق بالترحيب بشخصية مدنية في مكان ديني، وبالمساهمة التي قدمها كل من جانبه، بأننا يجب أن نعطي لمواصلة الحفاظ على الطابع الفريد للمدينة المقدسة، وعلى احترام مختلف الهويات الدينية التي يتكون منها، والمضي بمواقف للمجابهة والصداقة بتصميم أكبر".

وبطبيعة الحال، فإن الوقت سوف يتحدث إذا ما ستطبق هذه الكلمات على أرض الواقع. فالقرارات التي ستتخذها فرنسا بشأن النزاع السوري ستكون اختباراً حقيقياً. ولكن كلمات القنصل هي أيضاً مؤشر على الخوف بين الحكومات الغربية من بداية التوسع الروسي في سياق خلط الإوراق الذي يتم في إطار واسع بالشرق الأوسط. لقد احتلت الضمانات للمسيحيين في العالم الإسلامي الصدارة مرة أخرى في وقت تمت التضحية لفترة طويلة بالضمانات للمسيحيين باسم المصالح.