الوقفة – ج16 مصلوب ما صلبوه ولا شُبِّه لهُمْ! 6 من 7

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

مصلوب ما صلبوه ولا شُبِّه لهُمْ! 6 من 7

الجُزئيّة الثامنة: ضوء على شبيه عيسى

ما محلّ "شُبِّه لهم" من الإعراب، إذْ لم يثبت بدليل عقلانيّ أنّ اليهود اعترفوا بقتل المسيح ولم يثبت أنّ واحدًا منهم كتب هذا الاعتراف في كتاب ما أو مقالة؟ وتاليًا؛ كيف شُبِّه لهم أنّهم صلبوه ولا سيّما أمّه التي كانت واقفة عند الصليب- صليب ابنها- مع نساء أخريات من خادماته اللائي ذكرهُنّ الإنجيل بأسمائهنّ؟ وبالمناسبة؛ هل في العالم أمّ سليمة العقل تعجز عن تمييز ابنها الشّابّ ولو كان واقفًا بين مليون شابّ؟ هل ذُكِر في نشرة أخبار أنّ أمًّا شُبِّه لها ابنها مقتولًا في حادثة ما إلّا إذا اختلّ عقلها؟ فكيف الحال مع أمّ أعظم مولود من امرأة؟
وإذا شُبِّه لليهود "بدون استثناء" فكيف شُبِّه لتلاميذه الذين رافقوه أزيد من ثلاث سنوات ليل نهار؟ وهل شُبِّه لغير اليهود أيضًا من الحاضرين وقائع الصلب بدون استثناء؟ لعلّ جوابًا عقلانيّا يبرز إلى ساحة الحوار. إذًا قولة "شُبِّه لهم" خالفت الإنجيل والتاريخ والمنطق.

تاليًا وبالمناسبة؛ ما اسم الشبيه، هل كان مجهول الهويّة؟ دعني إذًا أؤلِّف مسرحيّة بطلها مجهول الهويّة؛ مثل غودو بطل مسرحية "في انتظار غودو" للكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت (1906- 1989) التي دارت أحداثها حول انتظار رجُلين، فقيرَين مادّيًّا ومهمَّشَين اجتماعيًّا، مجيء شخص اسمه غودو. فما جاء غودو حتّى انتهاء المسرحية. أمّا مسرحيّتي فلن تنتهي، لأنّ الشرطة قيّدتْ محضرًا ما ضدّ مجهول، والقضاء لن يعقد جلسة للادّعاء على مجهول حاول خداع أزيد من ملياري مسيحي مضحيًّا بنفسه، قطعًا لا توجد دعوى في العالم تطالب بإحضار ميت لاستجوابه، لكن يوجد مشتبه بهم ظهروا بعد مرور مئات السنين، فأمسكت بهم الشرطة واحدًا تلو آخر، عبر فترات من الزمن، وقدّمتهم للقضاء. وقد يظهر منهم آخرون في المستقبل، لذا لن تنتهي المسرحية التي ألّفتُها الآن. قيل أنّ اسم أحدهم طيطاوس، ممّا في تفسير الرازي- فخر الدين (المتوفّى سنة 605 في هَراة بأفغانستان) صاحب التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، وهو كتاب تفسير للقرآن معروف باٌسم تفسير الرازي. وقيل إنّ اسمه سرجس، ممّا في تفسير "البحر المحيط" لأثير الدين الأندلسي (المتوفّى سنة 745 هـ في القاهرة) وممّا في تفسير ابن كثير (المتوفّى سنة 774 هـ في دمشق) فإذا لم ينقل أحدهما عن الآخر فإن انتشار الشائعات عكس التيار على قدم وساق إلى هذا اليوم، كما أسلفت في نهاية القسم الثاني.

وتعليقي أوّلًا؛ كم قرنًا انتظر الناس قبل عثور الرازي وتاليًا الأندلسي (1) وابن كثير على معلومة شاعت عن زيد من الناس أو عمرو، وكيف عرفها زيد متفوّقًا بالمعرفة على مؤلِّف القرآن؟ أيّ طيطاوس هذا، أو سرجس، مِن بين آخرين بهذا الإسم أو ذاك؛ ما علاقة طيطاوس بالمسيح أو تلاميذه، مَن الذي دفعه إلى التضحية بنفسه؟ وإذا افترضنا أنّه اندفع بتأثير خارق فكيف استطاع تحمّل آلام المسيح كالجلد والصلب حتّى الموت وبصمت؟ إذًا هذا الزعم "شُبِّه لهم" إذا رفعه محقّقون إلى أيّ قضاء عادل فسيحفظه في أرشيف، ما لم يُلقِ به في سلّة مهملات، ريثما تتوفر حجّة عقلانيّة وموثّقة. لكنها ستبقى غائبة ولن تتوفر، مثل غياب غودو.
 
وثانيًا: ما برهان المفسِّر على أن السيد المسيح شخصيًّا طلب إلى الشبيه المزعوم أن يحلّ محلّه على الصليب؟ هذا محض هراء، لم يأخذ به أيّ قضاء غير الإسلامي. ليس من الحكمة إلقاء ظلّ هذا الهراء على رسالة، كرسالة السيد المسيح له المجد، ولا شبه الظّلّ. بل عجيبة "مواهب" أهل التفسير وغريبة "مواهب" أهل التأويل وأعجب منها "مواهب" أهل الدفاع عن القرآن! ومن اللافت بالمناسبة قول الرازي في النهاية: (واختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهًا وهذه الوجوه متعارضة متدافعة والله أعلم بحقائق الأمور) انتهى. وشكرًا للرازي على هذا الاعتراف.

وثالثًا: لقد ذكر محمد في قرآنه اسم الشخص الذي قضى وطرًا من السيدة زينب بنت جحش، وهو زيد، قبل تزويج محمّد بزينب من فوق سبع سماوات! وذكر أسماء لأنبياء وأسماء مَن ظنّهم من الأنبياء فلماذا لم يذكر اسم طيطاوس أو سرجس؟ سيقول بعض الجهلة ما قالوا دفاعًا عن القرآن في مسألة عدد أصحاب الكهف الذي التبس على مؤلِّف القرآن. فطالما نوّه المؤلِّف بعددهم فكان ذِكر العدد ضروريًّا، احترامًا لعقول الذين سيسألون عن العدد، إلّا إذا جهِل محمد العدد الصحيح واحتقر العقول المفكِّرة. كذا؛ طالما نوّه محمد بوجود شبيه لنبيّ اعتبره بعد قليل كلمة الله وروحًا منه (النساء:171) فإنّ ذِكر اسم الشبيه كان ضروريًّا أمام قناعة أكثر من ملياري مؤمن بحقيقة صلب المسيح ومفتخر بصليبه. 

إشكاليّة اللوح المحفوظ

على أيّ أساس صدَّق المسلمون المزاعم القرآنية بدون بحث عن دليل أو برهان، ولماذ لم تخطر في أذهانهم التساؤلات المطروحة أعلى؟ ومن جهة أخرى؛ لا دليل على حضور جبريل حادثة الصلب، كما تقدّم في القسم الثاني، فإمّا حضر- افتراضًا- فمن المستحيل أن "ينزّل" ما يخالف الإنجيل، إلّا إذا كان غير جبرائيل الكتاب المقدَّس. وقد افترضت حضوره لكي أفوِّت على عميان البصيرة فرصة إيجاد ذريعة ما وأخيّب ظنون أهل المكر والخداع من المدافعين عن القرآن دفاعًا أعمى.

فما بقِيَ للمدافعين سوى ذريعة اللوح المحفوظ المزعوم في آخر سورة البروج [انظر-ي مقالتي (2) عن حفظ كلام الله عبر الرابط أدنى] لكنّي بيّنت أنّ فكرته مقتبسة من ‏‏{سِفر الحياة} أي "كتاب الحياة" الوارد في سِفر الرؤيا- آخر أسفار الكتاب المقدَّس- ولفتّ الانتباه إلى أنّ آراء المفسِّرين قد اختلفت على معنى اللوح المذكور. إنّما يستحيل على مَن يقرأ تفاسير القرآن، عن أحداث الصلب، أن يهتدي إلى طريق صحيح مِن طرق الروايات الغريبة التي جمعها المفسِّرون عبر التاريخ من مصادر مختلفة، بل يستغرب من كثرة الاختلاف ما بينها، كما جرت العادة؛ إذ افتقر القرآن في رأيي الى البلاغة وإلى البيان! وإلّا لما اختلف المفسِّرون على التأويل هنا وهناك. فما كان في جعابهم سوى التالي: (قيل عن مجاهد كذا وعن قتادة كذا وعن آخرين كذا وأولى الأقوال بالصواب عندنا كذا) ثمّ الخاتمة الشهيرة عربيًّا (والله أعلم) كما في تفسير "البحر المحيط" المذكور أعلى- مثالًا لا حصرا: [واختلف الرواة في كيفية القتل والصلب، ولم يثبت عن رسول الله (ص) في ذلك شيء غير ما دَلّ عليه القرآن] وكما تقدّم عن الرازي.

لا شفيع لمن تجاهل الحقّ ولا نصير

إليك تعليقي على اختلاف مفسِّري القرآن وأهل التأويل؛ قطعًا اختلفوا ولا لوم عليهم! لأن الباحث عن الحقّ مدقّقًا فيه ألقى باللوم على كاتب القرآن إذ أضلّهم بغموضه فاختلط عليهم الحابل بالنابل. فإذ تاهوا بين روايات أسطوريّة فكيف تهتدي العامّة إلى الصواب؟ قطعًا باستثناء متجاهلي الحقّ والمفترين عليه والمتشبّثين بالباطل بعد كشف الحقائق لهم بأدلّة وبراهين، وقطعًا مصير هؤلاء النار الأبدية، لا شفيع لهم يوم القيامة ولا نصير. ها أني بلّغت كلّ من قرأ هذه المقالة ونبّهت! والقرار للقارئ-ة لأنّ المسيحي لا يُجبر أحدًا على اتّباع السيد المسيح ولا يضغط عليه. بل السيد نفسه قد قال: {إِنْ أرادَ أحَدٌ أنْ يأتيَ وَرَائي، فلْيُنكِرْ نَفسَهُ ويَحمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْم، ويَتبَعني}+ لوقا 9: 23 ومتّى 16: 24 ومرقس 15: 21 فشتّان ما بين المسيح الحيّ القدّوس وبين غيره.

مؤهّلات قارئ-ة الكتاب المقدَّس

أمّا قارئ-ة الكتاب المقدَّس فيعلمان أنّ وظيفة الوحي الإلهي إرشاد المدوِّن إلى الصّواب وإلى إتقان التدوين وإلى توخّي الدقّة فيه، ليست وظيفته تنزيل أخبار من إله السماء إلى الأرض ولا لملمة شائعات من هنا وهناك لتدوين أبرزها. فمن يقرأ عن صلب المسيح- مثالًا- في الإنجيل يفهم تفاصيله بوضوح ودقّة، بإرشاد الرّوح القدس أوّلًا وبالاستعانة بأحد التفاسير المسيحية ثانيًا، ويقتنع في نهاية المطاف بأنّ الغاية من الصلب هي الفداء الذي أعدّه الله من فيض محبّته البشر، بعدما ورثوا طبيعة آدم الملوَّثة بالخطيئة. فمهما عملوا من صلاح أمام الله وقدّام الناس فيلزم الخطيئةَ التي ورثوا عن آدم وحوّاء فداء، على أن تتوفّر في الفادي ثلاثة شروط؛ أشرت إليها في القسم الثاني وفي مقالتي (3) عبر الرابط المدوَّن أدنى. تأمّل-ي في جواب السيد المسيح على سؤال الشّابّ الغنيّ الذي حفظ وصايا الله حتّى أحبّه السيد المسيح- حسب رواية كلّ من متّى\ الأصحاح 19 ومرقس\10 ولوقا\18 بل يجد القارئ جوابًا على كلّ سؤال، ممّا خطر في ذهنه في الماضي وممّا يخطر في ذهنه خلال القراءة وبعدها.
أمّا أهمّ ما يحصل عليه القارئ-ة من الكتاب المقدَّس فإشراقة النور الإلهي على القلب والعقل والضمير وتغيير الأخلاق نحو الأفضل وتغيير نمط الحياة أيضا.
 
فحجج الكتاب المقدَّس عمومًا مبنيّة على أساس من الصخر، بينما بُنيت على أسس رمليّة حجج معارضيه ومعانديه ومنتقديه والمفترين عليه. لذا لن تؤثّر في الكتاب المقدَّس رياح كتب صفراء مهما تكن هوجاء، ولا موجات جوفاء من ملحدي أوروبا وغيرها، ولا صواعق نقد وافتراء دندن بها الفضاء وطنطن: {فالكِتابُ كُلُّهُ مِنْ وَحيِ الله، يُفيدُ في التَّعليمِ والتَّفنيد والتَّقويم والتَّأديب في البِرِّ، ليكونَ رَجُلُ اللهِ كامِلًا مُستعِدًّا لِكلِّ عَمَل صالِح}+ 2تيموثاوس 3: 16 بل قال السيد المسيح: {السَّماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول}+ متّى 24: 35 ومرقس 13: 31 آمين.

شبه لهم مجهول الهوية

الجُزئيّة التاسعة: دليل آخر على خرافيّة النساء: 157 و158

قال محمد: (وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه ما لهم به مِن عِلم إلّا اتّباع الظن وما قتلوه يقينًا 157 بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إليه... 158) فقلت: أين "عِلم القرآن" وقد عُرفَتْ جميع مصادره التي نهل منها محمد، خلال 40 سنة من حياته، عبر اختلاطه مع أهل الكتاب، بين شبه الجزيرة والشام ومصر، واختلاطه مع مَن سمّاهم كُفّارًا في ما بعد ومشركين. والمصادر هي كل من التوراة والتلمود والإنجيل وكتب التراث المسيحي. والكتب المنحولة المحسوبة على المسيحية ومنها "رؤيا بطرس" وكتب الأساطير ومنها "المعراج" ممّا في الزرادشتية، والقصائد ولا سيّما التي للموحِّدِين ومنهم أمية بن أبي الصَّلْت، وكتب الهرطقات السّيمونيّة-الغنّوسيّة وهي التي اقتبس محمد منها مقولة النساء: 157 و158 ضمنيًّا بالإضافة إلى اقتباسه من "رؤيا بطرس" ممّا تقدّم في القسم الرابع. والبرهان على اعتماد محمد على هذه المصادر كامن في تطابق معلومات القرآن مع معلومات هذه المصادر التي سبقت ظهور القرآن ببضعة قرون. ومن أراد التأكد من تشبّث محمد برواية نفي الصلب الخرافيّة فليذهب إلى تفسير النساء:157 و158 عند الطبري وعند ابن كثير وغيرهما.
فممّا في تفسير الطبري ما معناه: [دخل اليهود على عيسى في بيت ليقتلوه فقتلوا شبيهًا له وظنّوا أنّهم قتلوه] وممّا في قول ابن كثير: [وما قتلوه متيقّنين أنه هو، بل شاكّين متوهّمين] انتهى.
وتعليقي في البداية: ما دخل البيت، المذكور في تفسير الطبري، بالنّصّ القرآني؟ فالخرافة تلد خرافة مثلها، شأنها شأن إحدى روايات "ألف ليلة وليلة" اختصرها محمّد بسطرين ليجعلها ممّا اوحِيَ به إليه، مدلِّسًا على فداء السيد المسيح عن عمد وعن سبق إصرار، ممّا تقدّم في القسم الرابع أيضا. نعمْ، أوحِيَ إلى محمد بمعلومات، كما أوحِيَ إلى كثيرين غيره، قبله وبعده، من طرق شتّى وبصور مختلفة إحداها عن أخرى؛ لكنّ المُوحِيَ بها خزين معلومات العقل الباطن. قطعًا أنّ المُوحي لم يكن الله- حاشا الله- فلا وحيَ مقدَّس إلّا وحي الكتاب المقدَّس.
  
أمّا بعد فقد وجدت إشكاليّتين:
الأولى في زعمه "وإنّ الذين" فهل قصد بـ "الذين" اليهودَ أم النّصارى أم اليهود والنّصارى معا؟ عِلمًا أن الوحي الإلهي رصين فلا يمكن أن يمتّ هذا الزعم بصِلة إليه- حاشا الله- حتّى موظّف الإعلام العادي لا يأتي بالأخبار بطريقة ملتبسة لأنّ مصيرها تجاهل السامعين، إلّا السُّذَّج منهم، وقد تطرده الدائرة الإعلاميّة التي وظّفته. قِس على هذا شخصًا ادّعى أن الله أوحى إليه، ما يعني أنّ عليه أن يأتي بالخبر واضحَ المعالم كاملًا شاملًا لا عيب فيه ولا غبار عليه، لكي يوصف خبره باليقين ولكي يحظى بتصديق الجميع. ومعلوم أنّ اليقين خلاف الشّكّ. فنقرأ في تفسير الطبري: [قال أبو جعفر: يعني اليهودَ الذين أحاطوا بعيسى وأصحابه حين أرادوا قتله] وقال طنطاوي في تفسير الوسيط: [فالمراد بالموصول فى قوله: (وإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱختَلَفُوا) ما يعمّ اليهود والنصارى جميعا. والضمير فى قوله (فيه) يعود إلى عيسى- عليه السلام] فبأي تفسير من هذين أخذ المسلمون، قبل غيرهم، ولا سيّما أن تفاسير كل من الطبري وطنطاوي معتمدة لدى أكبر طوائف المسلمين؟
قد يردّ علينا أهل "التّقيّة" والدوران ورمي الكرة في ملعب الخصم بحديث محمّدي: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)- صحيح مسلم.
وتعليقي بسؤال: لماذا يدفع الناس الذين أضلّهم المجتهد ثمن خطئه، هل سيحاسبهم الله يوم القيامة أم يُلقي بذنوبهم على المجتهد أم على اليهود والنصارى؟ فإذا يتحمّل المجتهد الذنب فكيف يكون له أجر؟ واضح أنّ في هذا الحديث تناقضًا من الصعب تجاهله بعد هذا التحليل.

والثانية في زعمه (لفي شكّ... إلخ) وقد عرفنا أنّ اللام للتوكيد. أمّا بعد فمَن الذي شكّ؟ والجواب: الذين اختلفوا فيه. بماذا شَكّوا؟ والجواب: إمّا أنّ المقتول "عيسى" أو شبيهه. فإن لم يُقتَل عيسى فكيف مات؟ والجواب: رَفَعَهُ اللَّهُ إليه! أي رفعه بدون موت، كما يبدو، لكنّ موت عيسى ملتبس في القرآن. وقد رأينا في القسم الثالث أنّ عيسى "لم يمت بعد" لكنّ هذا لم يشمل جميع مقولات القرآن عن الوفاة. فما النتيجة إذًا؟ والجواب: (اتّباع الظّنّ) فما اليقين؟ والجواب: (ما قتلوه يقينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إليه) فما الدليل؟ والجواب: لا دليل ولا برهان.
فأين بيان القرآن من "الفاتحة" إلى "الناس" وأين بلاغته؟ إنّما رثيت لبؤس بيان كبيان القرآن وسط أزيد من 60 مفسِّرًا ناطقًا بالعربيّة بما في تفاسيرهم من اختلاف. وأرثي لبلاغة كبلاغة القرآن إذ اختلف جميع أهل التأويل على معاني القرآن ولاسيّما الأجيال الأقرب إلى زمن محمد.

وبالمناسبة؛ تفضّل الشاعر العراقي معروف الرصافي، من الطّائفة السُّنّيّة، بنقد بلاغة القرآن في "الشخصيّة المحمّدية أو حلّ اللغز المقدَّس" ابتداء بالصفحة 614 مثالًا لا حصرًا! وتفضّل السيد العراقي أحمد القبانجي، من الطّائفة الشِّيعيَّة، في محاضرته "نقد الاعجاز البلاغي في القرآن" المتوفرة كاملة على يوتيوب. والسؤال المُرّ الذي سأله أزيد من مفكّر ومن باحث: هل من المعقول أن يوحي إله السماء بما يجعل الناس تائهين بين تفسير هذا وتأويل ذاك وبين معتقَد هذا ومذهب ذاك؟ قطعًا كلّا. لكنّ بعض السُّذّج صدعوا رأسي بأنّ (مِن عظمة القرآن أنّ معانيه، الظاهر منها والمخفي، فاقت مستويات تفكير البشر) فأجبت على زعمهم بالتالي: (هل من الحكمة الادّعاء أن الله يوحي إلى الإنسان بأسرار لا يستطيع حلّ ألغازها إلّا الله؟) وبهذا أجاب غيري أيضًا مِن قبل. وأردف الملحدون من خلفيّة إسلاميّة ما معناه: (فليحتفظ هذا الإله بعلومه وأسراره وألغازه لنفسه، لا حاجة بنا إليها، لأننا لسنا حقول تجارب) وأردفت في النهاية: حاشا الله ممّا نُسِب إليه في القرآن.

وقفة في صدر الإسلام بين اليهود وبين النصارى

إذا افترضنا وجود حسن نّيّة عند محمد على أنه أراد أن يخبر اليهود الذين عاصرهم والنصارى وسائر الناس بما جرى خلال زمن "عيسى" وافترضنا أن يهود عصره لم يكن لهم علم بما جرى، فما بال القارئ-ة بالنصارى؟ عِلمًا أن تسمية "النصارى" خلال ذلك الزمان طغت على مسيحيّي شبه جزيرة العرب، لأنّ الهرطقات انتشرت هناك على نطاق واسع ومنها هرطقة النصارى إذ أنكرت أن عيسى هو المسيح- المسيّا. فلماذا تهجّم محمد على عقيدة النصارى، في أزيد من سورة، وهو على يقين بأنهم آمنوا بصلب عيسى وبموته وبقيامته؟ والجواب، حسب تأمّلي في القرآن وفي اقتباسات محمد من الكتب المذكورة أعلى، هو أنّ محمّدًا كان حاقدًا على جميع خصومه ومعارضيه فخطّط مسبقًا لإفراغ شبه الجزيرة منهم، ولا سيّما أهل الكتاب، باختلاق ذرائع ضدَّهم. لماذا؟ لأن محمّدًا تيقّن بأنّهم عرفوا أنه اقتبس من كتبهم وتيقنّ أنّ شأنه عندهم شأن مسلمة بن حبيب المسمّى "مسيلمة الكذّاب" فكان كل تشكيك في دعوته خطًّا أحمر بين خطوطه فكيف تكون الحال مع تكذيب دعوته واعتباره من الكَذَبة؟ لا شكّ في أن محمّدًا قد اطّلع على الإنجيل الرّسمي ممّا كان يُملى عليه، في شبه الجزيرة وخارجها، سواء من النصارى ومن الأقباط ومن الآراميّين وتحديدًا السريان، فعَلِم بتنبّؤ المسيح عن أنبياء كذبة يأتون من بعده فيُضِلُّونَ كَثِيرِين (متّى 24: 11) وهذا ما زاده حِقدًا على أهل الكتاب وكراهية. وما عاد خافيًا تنوّع مجتمع شبه الجزيرة قبل الإسلام، إذ كان خليطًا من أقوام عدّة على اختلاف طوائفهم الدينية.

أمّا البراهين على إيمان النصارى بصلب عيسى فكثيرة؛ منها أنّهم زيّنوا بالصليب كنائسهم والهياكل (محلّات التقديس والقربان) تنويهًا بموت السيد المسيح عليه مصلوبا، ومنها أنّهم ذكروا الصّليب حَرفيًّا في شعرهم، بألسنة شعراء مشهورين؛ منهم التالي:
عَدِيّ بن زيد- على وزن بحر الوافر:

سعى الأعداء لا يألون شرًّا – عليك وربِّ مكّةَ والصليبِ

ـــ

الأعشى قيس- على وزن المتقارب:

وما أَيبُليٌّ على هيكلٍ – بناهُ وصَلَّب فيه وصارا

والأيبلي- لعلّ الكلمة مقلوبة عن الأبيل: الراهب. أمّا "صار" فقد بنى الأعشى هذا الفعل من الصور النصرانيّة لملائكة وأنبياء، ممّا لدى النصارى، ومنها ما كان موضوعًا في الكعبة.

ـــ

النابغة الذبياني- على وزن البسيط:

ظَلّتْ أقاطيعُ أنعامٍ مُؤبَّلة – لدى صَليبٍ على الزّوراء منصوبِ

ـــ

وارتجزَ الأخطل؛ وهو نصراني، من أبرز شعراء العصر الأمويّ إلى جانب جرير والفرزدق:
لمّا رأونا والصليبَ طالِعا – خلَّوا لنا رازانَ والمزارعا

ـــ ـــ

الفرق ما بين المسيحيّين وبين النصارى

بالمناسبة؛ يجهل المسلمون الفرق ما بين المسيحيّين وبين النصارى حتّى هذا اليوم، لأنّ مؤلِّف القرآن سلّط ضوءً على طائفة النصارى المنسوبة إلى المسيحيّة ولم يسلِّطه على المسيحيّين الحقيقيّين الذين آمنوا بأنّ يسوع الناصري هو المسيح- المَسِيّا- المتنبّأ عنه في كتب اليهود الرسمية (أي المقدَّسة) أمّا النصارى فطائفة من الغلط وصفها بأنها مسيحيّة لأنها آمنت بأن يسوع الناصري نبيّ من أنبياء الله لكنّها لم تؤامن بأنه المسيح. فكيف يُنسَب إلى المسيح مَن لم يؤمن بأنّ يسوع هو المسيح؟ هكذا خلط محمّد بين النصارى وبين المسيحيّين! وقد خلط أيضًا ما بين روايات الكتاب المقدَّس الرسمي وبين روايات كتب التفسير اليهودية وبين روايات كتب منحولة ولا سيّما المسمّى كلّ منها بإنجيل، كإنجيل توما وإنجيل يعقوب وإنجيل الطفولة، وبين روايات كتب الهراطقة. لكنّ أيًّا من جهل محمد بالكتاب المقدَّس وبأهل الكتاب ومن جهل المسلمين، من أنصاره والتابعين، ليس بحجّة على اليهودي ولا على المسيحي ولا على الكتاب المقدَّس. إنّما مكتوب: {قد هلك شعبي من عدم المعرفة. لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تَكهَن لي...}+ هُوْشَع 4: 6

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
بعد مراجعة عدد من التفاسير المعتمدة إسلاميّا: ما الرابط موضوعيًّا بين صلب السيد المسيح وبين سورة النساء ليوضع فيها هذا النّصّ، أما كان أولى إدراج سيرة المسيح ضمن سورة مريم، بل تسمية سورة كاملة باٌسمه؟
لقد ظهر بين المفسِّرين المسلمين، في ضوء الجزئيّة الخامسة عينها، محمد الطاهر بن عاشور ‏‏(تونس 1879- 1973) ليفسِّر على هواه وعلى هوى مَن سبقه. فبتصرّف: [والمسيح كان لَقبًا ‏لعيسى (ع) لقَّبه به اليهود...
بعدما وصلت البشرية إلى مستويات راقية من الإيمان بالله ومن العلم والحضارة، بماذا أضرّت حقيقة صلب المسيح حضرة الأخ المسلم لكي يعترض عليها لو لم يخالفها مؤلِّف القرآن؟
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader