(٤) تجلي أقنوم الله الابن في العهد القديم

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

إن الإيمان المسيحي بتجلي الله في شخص المسيح، هو ليس بأمرٍ جديد على طبيعة الله في الكتاب المقدس. سنرى من خلال هذا المقال ظهور الله في العهد القديم، منذ أكثر من ألفي عام، من تجليه في شخص المسيح بجسد بشري. كما تعلمنا في المقالات السابقة، إن لله الواحد المثلث الأقانيم، وجه وإظهار مرئي للبشر، وهذا الوجه أو الإعلان هو أقنوم الله الابن. وكما قلنا في تأملات سابقة، لقد ظهر أقنوم الله الابن للبشر في العهد القديم، بإظهارات متعددة، وأحيانًا ظهر بجسد سماوي على صورة البشر.

تجلي الله لإبراهيم:

لا نعرف كيف كانت الطريقة التي كلَّم بها الله إبراهيم، لكنه قال له أن يذهب من أرضة إلى الأرض التي سيريه إياها، أرض كنعان (تكوين ١٢: ١-٣). لقد تقابل أقنوم الله الابن مع إبراهيم للمرة الأولى بصورة رجل كاهن على رتبة ملكي صادق. وملكي صادق كان كاهنًا لله العلي، في شاليم (أورشليم)؛ فبارك إبراهيم وقدم له إبراهيم عشرًا من كل أمواله، كالله. وقدم مكلي صادق لإبراهيم خبزًا وخمرًا (رموز الكنيسة، كإشارة للعمل الفدائي المزمع أن يفعله أقنوم الابن بعدها بحوالي ٢٠٠٠ عام )؛ كما شهد يسوع لليهود عن هذا اللقاء وقال: “ 56 أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ" (يوحنا ٨).

أيضًا لقد ظهر أقنوم الله الابن لإبراهيم، مرة أخرى على شكل رجل عادي، مع ملاكين، ليبشر إبراهيم أن سارة ستحبل بشكلٍ معجزي، وتلد إبنًا يسميه إسحق. فيقول الوحي في تكوين ١٨:
" 1 وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ 2 فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لِاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ."
إن عبارة "وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ"، تتكلم عن ظهور مرئي، وتتكلم عن الله، دون أي تشكيكل، لأن الكلمة المستخدمة لـ "الرب" هي "يهوة".

فذبح لهم إبراهيم وقام بضيافتهم؛ وبعدها تكلم له الرب:

" 10 فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ 11 وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. 12 فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ! "
طبعًا بعدما ضحكت سارة في باطنها، علم الله أنها ضحكت، لأنه الإله الذي يعرف كل شيء، فقال:

" 13 فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ 14 هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ»."

بعدها ذهب الثلاث رجال؛ وكان الرب مزمع لأن يرسل، بعد ذلك اللقاء، الملاكين الذين كانا معه ليُخرب سدوم:
" 16 ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِياً مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. 17 فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ 18 وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟...22 وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِماً أَمَامَ الرَّبِّ. "

فابتدأ إبراهيم يتوسط أمام الله، الظاهر أمامه بصورة رجل، لأجل ابن أخيه لوط؛ ودعى إبراهيم الله الماثل أمامه، بالمولى واعتبر نفسه أمامه ترابٌ ورماد:
" 27 فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ." (أيضًا ٣١-٣٢).

بعد هذا اللقاء يقول الوحي:
" 33 وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ."

وماذا حدث للملاكين الذين كانوا مع الله؟
ففي الآية التي بعدها تمامًا، في تكوين ١٩: ١، يقول:
" 1 فَجَاءَ الْمَلاَكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً وَكَانَ لُوطٌ جَالِساً فِي بَابِ سَدُومَ. فَلَمَّا رَآهُمَا لُوطٌ قَامَ لِاسْتِقْبَالِهِمَا وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ." فذهبا لإنقاذ لوط، وإخراب سدوم.


ظهور أقنوم الله الابن لموسى:

وهنا نرى أقنوم الله الابن يظهر لموسى، ليس بشكل إنسان بشري مثلنا، ويسميه الوحي ملاك الرب، في نفس الوقت الذي يسميه الله، فيقول الوحي:
" 1 وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ. 2 وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ! 3 فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هَذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟"

لكن كيف نعرف أن ملاك الرب في هذا النص هو الله؟

لأن الوحي يتابع ويقول:
" 4 فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى مُوسَى». فَقَالَ: «هَئَنَذَا». 5 فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَة."
إن كلمة الرب الأولى في النص أعلاه هي "يهوة"، وكلمة "الله" الثانية هي كلمة "إلوهيم"؛ فلا يمكن أن تطلقا تلك الكلمتان إلا على الله؛ فلا يوجد هنا أي مجال للتأويل أو التشكيك. وخاصةً أن الوحي يقولك "نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ"، فينفي هذا أي احتمال آخر، مثل؛ أن الله كان في السماء يتلكم معه، وأراه في نفس الوقت منظرًا عجيبًا في العليقة على الأرض. لكن نرى أن الله تكلم مع إبراهيم من وسط العليقة، للتأكيد على ظهوره ولقاءه معه، لكن ليس كصورة البشر بل كلهيب نار.

لكن كيف نعرف أن الذي ظهر لموسى ولإبراهيم هو أقنوم الله الابن، وليس ببساطة الله؟

نعرف هذا بسبب عدة آيات، تُعَلِّم بوضوح أن الله لا يقدر أحد أن يراه ويعيش؛ منها في العهد القديم:

إن رجال الله في العهد القديم كانوا يعلمون بأن الذي يرى الله يموت؛ فعندما رأى يعقوب الله؛ فالكتاب يقول:
" 30 فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ «فَنِيئِيلَ» قَائِلاً: «لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهاً لِوَجْهٍ وَنُجِّيَتْ نَفْسِي». (تكوين ٣٢).

لكن في تكوين ٣٣، عندما طلب موسى من الله قائلاً:
" 18 فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ»." فقال له الله:
" 20 .. «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». 21 وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. 22 وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. 23 ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي. وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى»."
إن النص يوضح أن موسى طلب أن يرى مجد الله، لكن الله قال له لا يقدر أن يراه أي إنسان ويعيش، وأيضًا قال له أن وجهه لا يُرى؛ فمن الذي رأى وجهه يعقوب ؟ ومن الذي ظهر لموسى قبلها وتكلم معه من العليقة ؟

إن الذي رآه يعقوب هو الله الابن، وهو الذي ظهر وتكلم مع موسى عند دعوته؛ لكن الذي طلب أن يرى مجده موسى، هو الله الآب. أيضًا كان موسى يتكلم مع الله وجهًا لوجه (خروج ٣٣: ١١ و٣٤: ١٠)، إن هذا كان أيضًا أقنوم الابن، حيث أنه في سيناء، كلَّم جميع الشعب وجهًا لوجه أيضًا (تثنية ٥: ٤).

في العهد الجديد:

إن العهد الجديد بيَّـن بشكل أوضح، أن أقنوم الله الابن هو الإعلان الكامل للذات الإلهية؛ فيبيِّـن أن الله الآب لم يره أحدٌ قط، لكن جميع الإعلانات التي رأيناها عن الله، كانت بواسطة أقنوم الله الابن:
" 18 اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ." يوحنا ١.

فكما تعلمنا سابقًا، عندما يرونني الناس، يرون جسدي، وليس روحي، لأن روحي لا تُرى. كذلك الله، فجميع أظهاراته في العهد القديم، من تجليه لموسى في العليقة وعلى الجبل وظهوره لإبراهيم وغيرها، كان ظهور أقنوم الله الابن، وليس الآب؛ لأن الآب، كما يقول النص أعلاه، لم يره أحدٌ قط (يوحنا ١: ١٨ و١ يوحنا ٤: ١٢)؛ وهو لا يُرى (١ تيموثاوس ١: ١٧)؛ و"لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ" (١ تمواثاوس ٦: ١٦ ). فأقنوم الابن هو"... صورة الله غير المنظور.." (كولوسي ١: ١٥). أيضًا أكد المسيح أن الذي رآه، فقط رأى الآب (يوحنا ١٤: ٩)؛ حيث أن هذا أيضًا إعلان فريد ومميَّز، كيف يمكن أن يقول أي نبي، "الذي يراني يرى الله"، إن هذا الإعلان يختص في إظهار الله الابن، بأنه الأعلان المرئي الكامل للذات الإلهية.

إذًا إن قضية تجلي الله الابن في شخص المسيح، لم تكن فكرة جديدة، أو فكرة من ابتداع المسيحيين، بل هي طبيعة إلهية نراها في كل تاريخ مسير الله مع الإنسان، متمثلة بتجلي الله في العهد القديم في جسد سماوي على صورة البشر أحيانًا. "4 وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ، 5 لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ." (غلاطية ٤). إذًا تجلي الله الابن في جسد من لحم ودم مثلنا، لكن بلا خطية، كان فقط قبل ألفي عام (عبرانيين ٢: ١٤)؛ بحسب تخطيط الله الآب المُسبق من قبل تأسيس العالم (١ بطرس ١: ٢٠).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
من خلال دراستي لكثير من النقاد الذين يرفضون فكرة أن الله تجلى في شخص المسيح، ومن أشهرهم في القرن الماضي كان أحمد ديدات، وجدت أن ٩٩٪ من نقدهم مبني على فلسفة واحدة بسيطة: إثبات أن
ان جميع النقاد الذين يرفضون حقيقة لاهوت المسيح، يستندون على جانب واحد فقط من النصوص، وهو الجانب الذي يبرز أن المسيح كان إنسان، وبالتالي يستنتجون منه أنه كان فقط إنسان وليس الله
إن المعترضين يثيرون قضية هامة للجدل في ادعائهم، بأنه يوجد تعارض ما بين كون المسيح إنسان وألله في نفس الوقت. يوجد في طبيعة كل إنسان شخصيات متعددة؛ فممكن أن يكون إنسان ملك، غني، أب، في
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader