المرأة التي خانت زوجها وباعته بالفضة

الشواهد الكتابية: قض 16: 4 -21 (اقرأ أم 5)

دليلة
هيدي لامار بطلة فيلم شمشون ودليلة عام 1949.

معنى اسم دليلة

دليلة اسم حلو الجرس تشتهيه أي إمرأة معجبة بنفسها، لأنه يعني " الرقيقة " أو " الأنيقة ". وبسبب الأعمال الدنسة التي اتهمت بها دليلة، فلا توجد إمرأة أخرى بالكتاب المقدس تظهر بهذا الاسم الملوث، وفي الحقيقة، فمن النادر حقًا أن نجد إمرأة تحمل هذا الاسم.

سلسلة نسب عائلة دليلة

لا يقدم لنا الكتاب المقدس أي معلومات متعلقة بوالديها وخلفيتها سوى أنها جاءت من وادي سورق الذي كان يمتد من شرق أورشليم الى البحر المتوسط، هذا الوادي الذي اشتهر مدخله بالزهور النادرة ذات الروائح العبقة الطيبة.

إن سجل دليلة التي حطمت قلب أقوى الرجال بلا رحمة، يحتوي على ثمانية أعداد تصف ما تعرض له شمشون من خيانة، سقوط، عبودية وموت، أحد أكثر فقرات الكتاب المقدس وضوحًا وبراعة في تصوير الأحداث. عندما نكتب عن دليلة لا يمكن أن نتجاهل شمشون. يا للتناقض الهائل بين شخصيتهما، وكم يرمزان للشخصيات في هذا العالم اليوم! كان شمشون قويًا من ناحية البنية، ولكنه كان ضعيفًا اخلاقيًا. فمع أنه كان قادرًا على قتل أسد، لم يكن قادرًا على محاربة شهواته. كان بمقدوره تحطيم أغلاله ولكن لم يكن قادرًا على تحطيم عاداته. استطاع أن يهزم الفلسطينيين ولكنه لم يستطع أن يقهر شهواته. كانت دليلة امرأة استخدمت سحرها الشخصي لتوقع برجل وتودي به للدمار الروحي والجسدي، وهي تبرز كواحدة من أحط نساء الكتاب المقدس – انها بمثابة يهوذا العهد القديم.

ان هذه الغانية الفلسطينية كانت امرأة ذات إصرار غير مقدس وخداع شيطاني، وكانت تمتلك السحر الشخصي، والقدرة العقلية وقوة العزيمة وهدوء الأعصاب، ولكنها كانت تستغل كل تلك المواهب لهدف واحد – المال. لقد كانت على طرفي نقيض مع الحب وكرامة المرأة، لأن وجهها الجميل كان يخفي قلبًا أسود كالجحيم، مليئًا بالخيانة والغدر القاتلين. " إن شرها المريع لا يتركز في غدرها بشمشون وتسليمه لأعدائه بل في جعله يتخلى عن الإيمان بمبادئه ومثله العليا ".

فعن طريق خداعها لشمشون بجعله يعتقد أنها أحبته حقًا، فقد باعته للعمى والعبودية والموت. والسهولة التي خانت بها زوجها قد كشفت عن أنها كانت تنتمي إلى أعداء شعب الله، الشعب الذي كان شمشون هو القائد المعروف له في ذلك الوقت. لم يكن الفلسطينيون يحبون شمشون لأنه كان بطل إسرائيل وكان يعيقهم عن أداء ممارساتهم. لقد أرادوا التخلص منه، فوجدوا شخصية دليلة، العاهرة الفلسطينية، التي كانت على استعداد لتلقي الرشوة وتكون معينة لهم. لقد كان لها هدف واحد وهو الحصول على المال ولم يردعها ضميرها، مما حدا بها للاستهانة بالحب والازدراء به لأجل الثروة. وكما عبر " كوبير " عن ذلك بالقول " لقد كانت طوال الوقت تحتفظ بمجموعة من رجال الشرطة مرابطين في مسكنها انتظارًا للحظة التي تستطيع فيها أن تسلم حبيبها لأيدي أعدائه ".

كان شمشون خائنًا لنفسه لأنه لم يستطع مقاومة إغراء إمراة. فقد كانت هناك إمرأة أولى في حياته ثم ثانية استطاعت أن تستغل نقطة ضعفه، والخطية المتأصلة فيه، ولكن دليلة كانت من أقدر النساء على تحطيمه. إنها تبقى كتحذير لجميع الرجال حتى يحذروا من إغراء وحيل المرأة الشريرة المتآمرة، وقد عبر عن ذلك كاتب مجهول بالقول: " إن نساء الكتاب المقدس تمر ذكراهن كشريط يحمل الذكريات القديمة، كنجوم نقية ساطعة، ونقائصهن تكاد لا تذكر. ولكن دليلة تبزغ فجأة من الظلام كشهاب منير يسطع بنور رومانسي خطير، وتغرب في أفق ذي كآبة مخيفة ".

عرض أقطاب الفلسطينيين مبلغًا كبيرًا من المال كرشوة، 1,100 قطعة من الفضة. لقد باع يهوذا يسوع بثلاثين من الفضة فقط. لم تكن هذه الثروة إغراء هينًا بالنسبة لدليلة، وحيث انها كانت تشترك مع الذين عرضوا عليها المبلغ في رغبتهم القوية في الثأر من شمشون، فقد تصرفت بطريقة خادعة لتقبض ثمن الدم أولاً. لقد حاولت أربع مرات بطريقتها الماكرة الشريرة أن تجعل شمشون يكشف لها سر عن قوته الفائقة. وفي الثلاث مرات الأولى كذب شمشون في الإجابة على أسئلة دليلة بإستخفاف بأن ذكر أن سر قوته في الأوتار الطرية ثم في الحبال الجديدة، وفي تضفير خصل شعره وبعد أن خُدعت دليلة ثلاث مرات، اخر سلاح إغراء عندها ألا وهو الدموع، فقالت وهي تبكي: " كيف تقول أحبك وقلبك ليس معي؟ هوذا ثلاث مرات قد خذلتني ولم تخبرني بماذا قوتك العظيمة ".

هُزم شمشون. فالمرأة الباكية قد أذابت قلبه، واعترف بحقيقة أنه نذير لله من بطن أمه، وكيف أنه لو قص شعره الطويل، لفارقته قوته ليصبح مثل أي رجل عادي. وبعد أن عرفت دليلة أن شمشون قال الحقيقة، أنامته على ركبتيها. وعند نومه، قام الفلسطينيون بالقضاء على علامة النذر، وعندما استيقظ شمشون كانت قوته قد فارقته. وقد حدثت بقية فصول القصة المحزنة وكلها تتعلق بما حدث لشمشون، قام الأعداء بقلع عينيه وأوثقوه بسلاسل وذهبوا به الى غزة حيث كان يستعرض قوته عندما كان الله معه، وجعلوه يطحن القمح. لقد ذاق شمشون مرارة الذل والهوان.

لكنه صرخ من الأعماق إلى الرب، فنقرأ أن شعر رأسه بدأ ينبت بعد أن حلق، وإذ كان متروكا من الجميع، إلا انه كان هناك شخص قريب منه، لقد أعاد إله النعمة القوة الى عبده الخاطئ والتائب بعد ان فقدها. إن شدة شمشون أصبحت فرصة الله للتدخل. وعندما كان شمشون في السجن، كان في القصر ثلاثة آلاف فلسطيني اجتمعوا لتكريم إلههم داجون على انتصاره على عدوهم الذي كانوا يخافونه. وبينما كانت القلوب تدق بشدة وهم في غمرة حماسهم، وأثناء تناولهم طعام الوليمة وشربهم للخمر، علت الصيحات لإحضار شمشون الأعمى ليكون موضع استهزائهم وسخريتهم، فذهب صبي لإحضار المارد وأوقفوه وسط أعمدة المعبد الوثني حيث تستطيع كل الأعين أن تراه. وبدأت سخرية الجموع السكرى حيث طلبوا منه أن يلعب لهم، ولكن شمشون لعب لعبة لم يكونوا يتوقعونها، وبعد أن وضع يديه حول الأعمدة، وتاب توبة من الأعماق على خطاياه، صلى قائلا: " يا سيدي الرب أذكرني وشددني يا الله هذه المرة فقط ".

ثم اهتز كما في القديم، وقبض العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائمًا عليهما، فسقط المعبد كله وهلك الثلاثة آلاف فلسطيني بمن فيهم دليلة الخائنة. لقد كان نصرًا كلف شمشون حياته، ونلاحظ أنه قتل عند مماته أكثر من الذين قتلهم في أوج قوته.

ليس هناك دليل على صحة ما ذهب اليه جون ملتون، عندما قال ان دليلة قد تابت عن جريمتها ضد شمشون  وزارته في بيت السجن، تطلب صفحه عنها ولا في رد شمشون عليها برفض توبتها.

إن إمرأة كدليلة لم تعرف كيف تتوب، وكما مضى يهوذا وخنق نفسه فهكذا يبدو أن دليلة قد لقيت حتفها وهي تحملق في المبلغ الذي أخذته ثمنًا لخيانتها، تحت أنقاض المعبد الذي تحطم وانهار بعد أن استعاد زوجها قوته المعتادة.

ما هي الدروس المستفادة من قصة شمشون ودليلة، التي لم تستطع هوليوود أن تقاوم إغراء تحويله الى فيلم مثير جنسيًا يدر مبالغ مالية طائلة؟ ويمكن أن يكون السؤال هكذا: " كيف نستطيع أن نتعلم أي درس من هذه القصة المؤلمة؟ لماذا ذكرت مثل هذه القصة الدنيئة بكل حذافيرها في الكتاب المقدس؟ فإن تقرأ عن رجل نذير لله، ذي قوة جسمية خارقة، وحيوية ذهنية، يختار امرأة لا أخلاق لها، فإن ذلك قد يبدو غير مناسب لكي يدرج في السجل المقدس. ومع ذلك فكل الكتاب موحى به من الله، وكاتب سفر القضاة كان مسوقًا من الروح القدس ليقدم تفاصيل حياة شمشون الخاصة. إن جوابنا على ذلك أن الكتاب المقدس لن يكون صادقًا مع الحياة وأمينًا لرسالته في العالم لو لم يرفع المرآة ويكشف لنا، بأسلوب منضبط، أفعال الشر ومحبة الله ونعمته اللامتناهية نحو أولئك الذين تجردت حياتهم من الفضائل المسرة له. والكتاب المقدس كسجل لتاريخ حياة الانسانية، كما يذكرنا مورتون (H.V. Morton) هو مناسب لنا كبشر في جميع العصور.

" إن أقسام البوليس والمحاكم تقص علينا دائمًا قصة شمشون ودليلة القديمة. وهي تتنكر في العديد من الأشكال الذكية، كموضوع قابل لعدد لا نهاية له من القصص، ولكن الفكرة الرئيسية من خلالها هي قصة رجل يندفع تدريجيًا في علاقة حب حتى يفقد السيطرة على نفسه وتحين اللحظة التي يقع فيها في الفخ، مجردًا من قوته، فاقدًا القدرة على الرؤية، ثم يكلل بالخزي والعار ".

ويمضي نفس هذا الكاتب ليقول أن دليلة اختفت، كما يفعل مثل هؤلاء النساء، عند انتهاء مهمتها ونالت المكافأة. يروي " مورتون " حديثًا دار بينه وبين محام لأحد المجرمين بشأن محاكمة أحدهم في قضية صدر الحكم فيها عندما وجهت اتهامات معينة ضد رجل كان قد ألحق به ضررًا بليغًا. فقال المحامي: " هذا شيء بسيط "، فقد تظاهرت فتاة بأنها تحبه ثم أخلت به.

" تقصد أن أعداءه قدموا لها رشوة؟ ".

فقال المحامي: " بالطبع ".

هذه الحادثة، مثل قصة دليلة لا تحتاج الى تأويل أخلاقي. فالسجل كاف في حد ذاته. إن دليلة لم تكن معنية بضعف شمشون بل قوته. وما أن تخون الرجل قوته، حتى يفقد السند، لأنه يصبح معرضًا للكارثة. هناك درس آخر نتعلمه من هذه القصة التي أمامنا وهو أن سحر الأنوثة الحقيقي وجاذبية الحب موهبتان من عند الخالق، وعندما يساء استخدام مثل هذه المواهب الفعالة أو يتم التلاعب بها عمدًا، فإن العقاب الإلهي يلحق بأولئك الذين استغلوا تلك المواهب استغلالاً سيئًا.

درس آخر يمكن استنباطه من السجل القديم الذي أمامنا ألا وهو حماقة النير المتخالف. إن شمشون تزوج من خارج بلده وشعبه وديانته. فلو كان شمشون بطل إسرائيل، قد تزوج من فتاة إسرائيلية، لما حدثت الكارثة التي لحقت له. ولكنه تزوج فتاة قد كرست نفسها لإله وثني، وأن يفعل ذلك واحد من قضاة إسرائيل، فهذا ضد القانون الإلهي، وقد دفع ثمنًا فادحًا لأجل هذه الفعلة الشنعاء.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا