إيليا

إيليا هو من أنبياء بني إسرائيل، ورد ذكره في العهد القديم في سفر الملوك الثاني في عهد الملك آخاب، وذكر في العهد الجديد عند تجليه مع المسيح ويعتقد أنه سيأتي قبل المجيء
08 يناير 2008 - 00:00 بتوقيت القدس

كان إيليا من الشخصيات العظيمة التي كثرت حولها الآراء والتقاليد ، إلى درجة أن الأساطير في التلمود صورته بصورة فينحاس بن هرون ، وقد عاد إلى الحياة مرة أخرى لينتقم لمجد الرب الذي حاولت إيزابل وآخاب أن يضيعاه من إسرائيل !! .. أو هو الملاك أو رسول الرب الذى صعد إلى السماء ، بعد أن قدم جدعون تقدمته أمامه ، فمسها بالعكاز وصعد في لهيبها إلى السماء ، ... وهو الرجل الذي قلده الكثيرون من اليهود زعامة الأنبياء ، والذي رن اسمه طيلة تسعة قرون في صدور الإسرائيلين ، والذي كانوا يضعون له كرسياً شاغراً عند ختان كل صبي في إسرائيل ، وعند الفصح، آملين أن يظهر بغتة في مثل هذه المناسبات ، .... والكلمة " إيليا " تعني " إلهى يهوه " أو : " إلهى إله العهد " - أما " تشبه " التى ولد فيها فلا يعرف موقعها على وجه التحديد ، فالبعض يقول إنها بلدة في الجليل تقع في سبط نفتالي ، ولذا يعتقدون أن إيليا كان من هذا السبط ، وأنه هو أو ربما أبويه ، قد هرب إلى جلعاد من وجه الاضطهاد والوثنية أيام عمرى أبى آخاب ، واستوطن هناك ، ولذا دعى من مستوطنى جلعاد ، بينما يعتقد آخرون أن تشبه هذه بلد فى جلعاد الواقعة شرقي الأردن تجاه السامرة ، وأن إيليا ولد فيها ، ووجد من رده إلى الأصل القينى كيوناداب بن ركاب في أيام ياهو !! . ومهما يختلف الناس في أصله أو نسبه ، فإنه من الواضح أنه كان رجلاً جبلياً إذا صح التعبير ، يألف حياة الجبال . وقد جاء المعمدان بعده ، ليعيش فى البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل ، وهذا النوع من الناس يتسم في العادة بالخشونة والصلابة والشجاعة وقوة الاحتمال ، ... ومنهم الجاديون الذين في أيام داود ، وصفوا بالقول : " جبابرة البأس رجال جيش للحرب صافوا أتراس ورماح وجوههم كوجوه الأسود وهم كالظبي على الجبال في السرعة . هؤلاء هم الذين عبروا الأردن في الشهر الأول وهو ممتلئ إلى جميع شطوطه وهزموا كل أهل الأودية شرقاً وغرباً " .. " 1 أي 12 : 8 - 15 " و الكتاب يصف إيليا : " أشعر متنطق بمنطقة من جلد على حقويه " . " 2 مل 1 : 8 ". والتقليد يقول : " إنه كان قصير القامة نذيراً ، أسود الشعر يتدلى شعره على كتفيه فى شبه عرف الأسد " ... ومع أننا لا نعرف كم استمرت فترة نبوته لإسرائيل ، غير أن البعض يرجح أنها كانت عشرين عاماً ، وأنه دعى للنبوة ومواجهة آخاب فى السنة الخامسة من كلمة ، أو حوالي عام 920 ق. م. وأنه التقى بآخاب بعد مصرع نابوت عام 906 ق.م ،وأنه صعد إلى السماء عام 900 ق. م ..

إيليا وظهوره

ظهر إيليا فجأة كالشهاب اللامع في الليل البهيم ... وأغلب الظن أنه كالمعمدان ، عاش السنوات السابقة لظهوره فى البرية ، وبين الجبال ، يتأمل ماضي أمته العظيم ، وكيف تحول كل شيء خراباً إثر مجيء إيزابل زوجة لأخاب الملك ، وكانت إيزابل بنت اثبعل ملك الصيدونين ، وكان أبوها كاهنا للبعل - كما يقول يوسيفوس - وقد وضعت خطتها من اللحظة الأولى لمجيئها إلى إسرائيل أن تبيد اسم اللّه من كل مكان ، وأن تحل محله اسم البعل وعبادته، وهوت ابنة الشيطان على كل مقدس فى إسرائيل ، هدمت مذابح اللّه ، وقتلت الأنبياء ، وأجبرت الناس على الانحناء للبعل وعشتاروث ، وأحلت محل أنبياء اللّه أربعمائه وخمسين من أنبياء البعل ، وأربعمائه من أنبياء السوارى ، وكان البعل أبا الآلهة عند الفنيقيين ومصدر القوة والسيطرة والبهجة ، والسوارى أو عشتاروث آلهة الخصب والشباب والجمال ، ولم يستطيع إيليا وهو ينظر مأساة أمته ، إلا أن يتحول ينبوعا من الحزن العميق والغضب الهائل ، والمقاومة الجبارة ، ... وهل يمكن أن يكون غير ذلك ، وهو الإنسان الذى كانت عبارته المفضلة:"حى هو رب الجنود الذى أنا واقف أمامه " " 1 مل 18 : 15
وقد شاء اللّه أن تأتي مقاومة إيليا للبعل وعشتاروث عن طريق المجاعة التى لابد أن تحل بالشعب بمنع المطر من السماء ، ... وكانت المجاعة أنسب أسلوب ليعرف الشعب من هو الإله الحقيقي ، ومن هي الآلهة الباطلة ، .. فإذا كان البعل وعشتاروث يشيران إلى الخصوبة والإثمار ، ويعتبران السر وراء كل طعام وماء ، فإن أفضل الطرق لإثبات كذب هذا الادعاء هو افلاسهما ، وعجزهما عن أى مساعدة من هذا القبيل ، ... وفي الوقت عينه إعلان اللّه عن سخطه وغضبة ولعنته على التحول عنه وراء آلهة غريبة كما ذكر موسى فى سفر التثنية : " وتكون سماؤك التى فوق رأسك نحاساً والأرض التى تحتك حديداً ، ويجعل الرب مطر أرضك غباراً وتراباً ينزل عليك من السماء حتى تهلك " " تث 28 : 23 و 24 " وكان لابد أن تطول المجاعة ، حتى يحس بها الملك وإيزابل إحساساً عميقاً ، وأكثر من ذلك يحس بها الشعب ، حتى يدرك مدى الغضب الإلهي ، وضرورة العودة والرجوع إلى شخص اللّه !! ..

إيليا والعناية الإلهية

وكان لا بد لعناية اللّه أن تظهر وتعمل عملها مع إيليا في قلب المجاعة ، وكان على إيليا نفسه أن يأخذ بعض الدروس من المجاعة ولعل أول هذه الدروس هو أن المصلح لابد أن يشارك الشعب الذي يحاول إصلاحه متاعبه وضيقاته وآلامه ، كان لابد لإيليا نفسه أن يجوع ، ويعيش حياة الشظف مع الآخرين ، وقد حق لأحدهم أن يتصوره يخرج ذات يوم ليشرب من نهر كريت : " وكان بعد مدة من الزمان أن النهر يبس لأنه لم يكن مطر فى الأرض " ... " 1 مل 17 : 7 " .. وظل ذلك اليوم ظامئا ، وسار فى طريقه إلى أرملة صرفة صيدا ، ومن حديثه مع المرأة وطلبه منها أن تعمل له أولا كعكة صغيرة ، نحس مدى الجوع الذى وصل إليه ، ... ومع أن المجاعة لم تكن بسبب خطية ارتكبها هو ، أو أن اللّه قد تخلى عنه فى إحسانه وجوده ، لكنه مع ذلك كان لابد أن يكون شريكاً فى آلام قومه وشعبه ، وهي ضريبة المصلح في كل العصور والأجيال ، ... والدرس الثاني الذى كان لا بد أن يتلقنه ، هو الفرق بين الشجاعة والتهور ، فقد كان عليه أن يختبئ عند نهر كريت ، وقد تكون عناية اللّه مرات كثيرة بتخبئة المعتني به من وجه الشر ، وقد مد اللّه عنايته لإيليا أولا عن طريق الغربان التى كانت تأتيه بالخبز واللحم مرتين كل يوم صباحاً ومساء ، ... وهذه الطريقة المثيرة جعلت البعض يتصورون أن كلمة الغربان " يمكن أن تترجم " العربان أو رجال البادية الذين كانوا يمدون إيليا مرتين ، وقالوا إن الأصل العربي كالعبري يصح معه مثل هذه الترجمة ، وهذا تفسير واه ضعيف ، وليس أقل ضعفاً منه ذلك التفسير بأن الكلمات رمزية تشير إلى أنه كان يأكل بوفرة في المجاعة ، ... ولعل الصعوبة عندهم هي أن غريزة الغراب الأولى هى الخطف وأنه يأخذ ولا يعطى ، ... وهذا في عقيدتي ، هو السر في استخدام اللّه له ، ليثبت جلاله ومجده في السيطرة على الغرائز ، فهو يعطيك من حيث لا تدري وهو يفنيك بتغيير مجرى الغرائز في العجماوات أو البشر على حد سواء ، وأنه يمكن أن يجعل القاسي ودوداً ، والشحيح سخياً ، والشره باذلا ، والآخذ معطياً ، ويده لا تقصر عن استخدام الجماد والحيوان والإنسان فى إتمام قصده ومشيئته ، ... فإذا تلقن إيليا هذا الدرس ، فإنه يعطيه درساً آخر ، ليؤكده من وجه ثان ، إذ ينقله من إسرائيل إلى صرفه صيدا ، الواقعة في أرض أثبعل أبي ايزابل ، الأرض التي لا يمكن أن يخطر ببال إنسان أن إيليا يلجأ إليها ، ويأتيه المدد من امرأة أرملة أممية معدمة ، تقف على الخط الفاصل بين الحياة والموت ، لتقش عيداناً ، لتعمل لقمة تتبلغ بها مع ابنها ، ثم يموتان ... وهكذا تأتي العناية عن طريق الجائع المسغب الذى يهلك جوعاً ، وليس هناك من قلب للاوضاع فى الدنيا مثل هذا القلب ، فالرجل تعوله امرأة ، والمرأة ليست إلا أرملة ، والأرملة ليست إلا الفقيرة المعدمة التى لا تملك قوت الحياة !! .. ذهبت المرأة لتسعف إيليا بجرعة ماء ، وتعتذر عن تقديم كسرة خبز له ، وتكشف عن آخر مكانها مع اللقمة الباقية ، ولكن إيليا رجل اللّه مع ذلك يطلب ، ويطلب كعكة صغيرة أولا ، ... يريد أن يعلمها أن حق اللّه يسبق كل حق ، ... وأنك يوم تعطي اللّه ، ولو شيئاً صغيراً مما تملك ، فإنك ستعثر على سر ينبوع البركة وستعرف سيلا من الزيت لا يمكن أن ينتهى حتى تنتهي المجاعة من الأرض !! .. عندما نقف أمام عناية اللّه ، ينبغى أن نلغى من الذهن البشري كل مفهوم للحساب الأرضى ، وقواعده ، وأصوله ، وذلك لأن هذا الحساب يستطيع أن يعطي صورة جيدة للمنظور ، ولكنه يعجز تماماً عن أن يدخل إلى بحر غير المنظور ، ويقيم هناك حسابهن ، ... ولعل اللّه أراد أن يعطي إيليا درساً ثالثاً أبعد وأعمق من الدرسين السابقين ، ... فإذا بابن الأرملة يموت ، وإذا بالمرأة تعجز عن أن تفسر موته ، إلا أنه عقاب على خطايا سابقة ربما عملتها فى أيام الصبا ، ... سقط السلاح من يد المرأة ، وذهب الولد الذي كان رجاءها وتعزيتها فى الأرض ، ... ورفض إيليا هذا المنطق ، فهو لا يعتقد أن اللّه يمكن أن يجازي المرأة هذا الجزاء ، ... وهو يصرخ إلى الرب بلغة من أغرب اللغات وأجرأها ، تلك التي يتعود أبناء اللّه الاتجاه فيها إلى سيدهم في لحظات الضيق والشدة والألم : " أيها الرب إلهي أأيضاً إلى الأرملة التى أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك إبنها .. يارب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه " " 1مل 17 : 20 ت 21 " .

إيليا والمعركة على جبل الكرمل

ولعله من المناسب أن نذكر هنا ان إيليا لم يذهب إلى آخاب ، بل إن آخاب ذهب للقاء إيليا ، ... وهذا هو الفارق العظيم بين الرجلين ، أن إيليا يعلم أنه أعظم من آخاب ، إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تظهر فيما يملك من متاع أو ما يلبس من ثياب فاخرة ، أو ما يحيط به من الخدم أو الحشم ، أو مظاهر العظمة أو القوة ، إن قيمته الحقيقية تكمن في شخصيته ونفسه ، .
كان إيليا أشعر ، يتمنطق بمنطقة من جلد ، وعندما ركض أمام آخاب ، سار ما يقرب من ستة عشر ميلا على قدميه ، ... لم يكن له مركبة آخاب أو ثيابه أو بهاؤه أو مظهره ، ولكنها هذه جميعها ، ليست إلا الغلاف الذى يغطي الحمقى والأشرار فى الأرض !! .. أما جوهر الإنسان ففي قلبه المرتبط باللّه ، وهو الذى يمكن أن يعطيه أعظم قيمة في هذا الوجود !! .. وفي اللقاء بين الملك وإيليا كان آخاب الإنسان الأحمق الذى غطت الخطية الحقيقة عن عينيه وقلبه ، ... فهو يرى الذنب كل الذنب فى إيليا : " ولما رأى آخاب قال له آخاب : أ أنت هو مكدر إسرائيل ؟ " "1مل 18 : 17 " .. وهو لا يستطيع أن يرى خطية واحدة فى نفسه ، أو في الشعب الذى ترك اللّه ، .. أو عبادة البعل وعشتاروث التي كانت سر النكبة والكارثة والمجاعة !!! .. وهي الصورة الدائمة للبشر ، فهم يدفعون عن أنفسهم النتيجة : التى لابد أن تكون لخطاياهم ، ... وهي في نظرهم الظروف السيئة أو أخطاء الآخرين أو القسوة التي لا مبرر لها من اللّه !! ... ولم يخف إيليا من أن يضع الصورة الصحيحة للمأساة كلها إذ قال : " لم أكدر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك ، بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم " " 1 مل 18 : 18 " ... وقاد إيليا الجميع إلى المعركة الفاصلة على جبل الكرمل .. وكان لابد من أن تدرك الأمة - عن بكرة أبيها - من هو الإله الحي الحقيقي وحده ، ومن هي الالهة الزائفة الباطلة الكاذبة !! ؟ والبينة على من ادعى !! ؟ .. فإذا زعم إنسان أنه فيلسوف أو شاعر ، فالبرهان يظهر في فلسفته أو شعره ، ... وإذا قال أنه رجل فإن أعمال الرجال تظهره ، وإذا ادعى أنه نبي مرسل من اللّه ، فإن أقوال النبي أو أعماله هي التي تشهد له !! .. وقد وقف إيليا وحده فى مواجهة ثمانمائة وخمسين نبياً للبعل وعشتاروث ، ولم تكن الكثرة دليلا على الحق أو الصواب الذى يزعمون أنه فى جانبهم، ... وأعطاهم إيليا الفرصة الكاملة أولا دون أن يستطيع صراخهم أو جراحهم التى سالت من أجسادهم بسيوفهم ، والتى ظنوا أنهم يرضون الآلهة بها ، .. لم تستطع أن تعينهم في شيء وسخر إيليا منهم سخرية الواثق بإلهه ، وكانت سخريته لاذعه ، فى قوله : " ادعوا بصوت عال لأنه إله . لعله مستغرق أو في خلوة أو في سفر أو لعله نائم فيتنبه " .." 1 مل 18 : 27 " .. ومن الغريب أن هذا التحدي لم ينته بعصر إيليا ، فإن البعل يذهب ويجيء في العصور كلها ، حيث يستبدل اللّه بآلهة غريبة ، أو كما قال أحدهم : " إن البعل العصري هو ما يعبده الناس من ثروة أو شهوة أو جاه ، أو مجد عالمي أو راحة مادية ، ... وهم يضعونها في مواجهة البر والأمانة والحق وكل ثمار الروح القدس في الإنسان الباطن " !! ..
وإذ عجز الأدعياء عن أن يثبتوا ادعاءهم ، تقدم هو ورمم بالاشتراك مع الشعب مذبح الرب المنهدم ، وقدم الذبيحة بما لا يدع مجالا للشك أو التساؤل أو الخداع ، إذ أنه لم يرتب الحطب والذبيحة فقط ، بل صب ماء كثيراً حتى لا يقال إن النار المشتعلة حدثت عن طريق خداع بشري ، وأبصر الشعب جميعاً النار التي أتت من السماء لتلتهم كل شيء . على أنه من الملاحظ أن النار لم تنزل إلا بعد صلاة النبي ، وهكذا في كل حين يشجع اللّه أبناءه ليحسوا بكيفية اختبارية بينه وبين العالم ، وهو مستعد أن يظهر ذاته لهم وللعالم أجمع ، بصورة لا تحتمل اللبس أو الإبهام !! .. ألم يقل عرافو فرعون أمام ضربة البعوض : " هذا إصبع اللّه " "خر 8 : 19 " ... وإذ رأى الشعب المعجزة بلغ بهم الانفعال ذروته وسجدوا على وجوههم أمام اللّه ، واشتركوا مع إيليا في ذبح أنبياء البعل على نهر قيشون !! .. ومع أن هذا الانفعال كان قصيراً ووقتياً ، إلا أنه - على أية حال - عرف الجميع من هو الإله الحق ، ومن هى الآلهة الباطلة !! ..

إيليا وآخاب عند كرم نابوت اليزرعيلى

بعد أربع سنوات أو خمس من القضاء على أنبياء البعل ، عاد إيليا ليلتقي بآخاب عند كرم نابوت اليزرعيلى ، وكانت يزرعيل إلى الشمال من السامرة بما يقرب من العشرين ميلا ، وعاد الشر إلى جولة أخرى مع الخير ، وآخاب يزداد سوءاً ومصيره يزداد بشاعة ، وذهب آخاب إلى الكرم ليرثه ، والتقى به إيليا هناك ، ليقول له : " هل قتلت وورثت أيضاً ؟ " "1مل 21 : 19 " . ويا له من ميراث رهيب ! " ... والحقيقة المحزنة هى أن الميراث الرهيب من الجائز أن يصل إليه الإنسان في أرض الفساد والظلم ، رغم كافة الحواجز التي يمكن تجاوزها أو تجاهلها أو تخطيها بكل قوة وعنف..
طلب آخاب كرم نابوت لكى يحوله إلى بستان بقول ، وقال له إنى مستعد أن أعطيك ثمنه أو كرماً أحسن منه ، وكان يمكن لنابوت أن يرضى لولا أن الشريعة تمنع ذلك إذ لا يجوز لإنسان أن يتصرف فى ميراث آبائه ، وأغلب الظن أنه قال للملك : " كان بودى أن أفعل ذلك ، ولكن أمر اللّه يمنعنى من التصرف فى أرض الميراث " ، وذهب آخاب إلى بيته مغموماً " وامتنع عن الطعام ، ونام محزوناً كئيباً ، وإذا بإيزابل تأتى إليه وتستفسر عن سر حزنه ، ثم تسخر منه لأنه وهو ملك لا يستطيع أن يزيل عقبة كهذه ، وأمكن للملكة عن طريق الشر أن تحصل على الكرم ، هذا هو الفصل الأول من القصة ، ربما آخاب أحس الكثير من الخجل وهو في طريقه إلى الكرم لرؤياه .. لقد اكتشف فيه نفسه ، واكتشف في هذه النفس أشياء كثيرة تنكس الرأس . لقد اكتشف طمعه ، وكذبه ، وظلمه ، .. كان آخاب ملكاً يملك أعظم القصور والبساتين ، وكانت لديه بساتين وكروم متعددة ، ولكن هذه لا تساوي شيئاً طالما هو غير مستطيع أن يحصل على كرم نابوت !! يا للنفس البشرية التي لا تشبع ، والتى تريد أن تأخذ لنفسها كل شيء!! . يا له من طمع مخجل ! .. بل يا له من ميراث قبيح ! ذاك الذي لا أستطيع الحصول عليه إلا بالكذب والخداع والغش .. نادوا بصوم ، والمناداة بالصوم لا تحدث إلا إذا حدث أمر رهيب ، والأمر الرهيب أن نابوت جدف على اللّه والملك ، فيا له من مجرم ، ويا لها من خطية شنيعة ، وها اثنان يشهدان أمام الشيوخ ، وها المحاكمة كلها تتم في جو من الكذب ، وآخاب يعلم ويطأطئ رأسه خجلا ، بل هو يعلم أنه حصل على هذا الميراث بغير حق أو عدل ، بل حصل عليه بظلم صارخ ، .. ما أكثر الذين يأخذون من الناس مواريث متعددة ، ولكنهم يدفعون فى سبيلها أثمان باهظة ، إذ يدفعون المبادئ الروحية والأدبية : يدفعون الحق والشرف والكرامة والنبل والإباء والعدالة !! ، وهل تستحق كروم الدنيا كلها - لا كرم نابوت فحسب - هل تستحق أن يدفع فيها مثل هذا الثمن ؟!! ... فإذا أضفنا إلى هذا كله ، أن الميراث كان ميراثاً مقلقاً !! .. ذهب آخاب ليستمتع بالكرم الذي ورثه ، ولعل الكرم كان جميلاً ظليلا ، وكانت عناقيده حلوة ولذيذة ، وكان موقعه بديعاً ، وآخاب يستطيع أن يملأ نظره منه ، ويفيء إليه سعة الحر والهجير ، بل يستطيع أن يأكل منه ما يشاء دون أن يمنعه أحد ، فهل استراح الملك وأكل ؟ ، لقد أضحت الظلال ظلاماً ، والعناقيد علقماً ، والكرم سجناً رهيباً ، إذ سمع صوت اللّه العادل هناك : !! هل قتلت وورثت أيضاً " !! لقد ظهر نبي اللّه في لحظة السرور والبهجة والتمتع ، .. يقولون إنه قبل أن يذهب إلى الكرم ثار عليه ضميره ، وحاول إسكاته بالقول : لم أصنع شيئاً !! ؟ فأنا لم أحاول اغتصاب الكرم .. لقد عرضت عليه ثمناً سخياً فأبى !! .. لقد عرضت عليه كرماً آخر أحسن منه مقابله فرفض .. ولم أفعل أنا شيئاً ضده ، فلم أتدخل فى الأمر ، بل تدخل غيري ، كما أنه يستحق الموت لأنه عصي أمر مليكه ، ولكن صوت اللّه جاءه لينسب إليه القتل كيفما كان ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة !! .. فالرضا على الظلم ، هو بعينه الظلم ، والقتل بأمر آخاب أو بأمر إيزابل أو بأمر الشيوخ ، هو الدم الذي يتحمله آخاب أولا وأخيراً !! ..
لم يتمتع الرجل بالكرم كما كان يشتهي ، لأنه في قلب الكرم سمع عن مصيره المفجع ، ومصير بيته ، ولولا أنه اتضع ومزق ثيابه وصام ، لجلب اللّه عليه العقاب سريعاً ، ولكن بقية من رحمة اللّه آتية فلم يحدث كل الشر فى حياته ، ولو أنه تاب مع إيزابل لنجيا ، ولكنها لم تتب ، فدمرت بيتها بيديها وأضحت قصتها مثلا تذكره الأجيال بالخوف والفزع والرهبة !!

إيليا والمركبة السماوية

من المعتقد أن خدمة إيليا استمرت حوالي عشرين عاماً ، كانت الخمسة عشر أو الستة عشر عاماً الأولى منها عاصفة ، ممتلئة بالثورة والصراع ، وهو أشبه بالخادم الميثودستى ، الذي اشتكوا من صوته الصارخ في المنبر ، وإذ به يجيبهم : " أنا لا أغنى لتنويم الأطفال ، بل أنا أحطم الصخور " . وكانت رسالة إيليا تحطيم صخور الوثنية والشر التي ملأت كل مكان . .. ومع أننا نعلم أنه أصيب بصدمة قاسية غداة قتل أنبياء البعل ، وهي رد الفعل للنجاح العظيم فوق جبل الكرمل ، إذ أن إيزابل هددته بالقتل ، .. ولم يجد من الشعب الذي آزره في ذبح الأنبياء الكذبة ، ما يشجعه على مواجهة الشريرة الطاغية ، التى ما زالت تمسك بزمام الأمور في الأمة كلها ، كان إيليا تحت الرتمة شيئاً يختلف تماماً عن إيليا فوق جبل الكرمل ، وهى النفس البشرية المتلونة والتي لا تثبت على حال ، فهى تارة في أعلى جبال الشركة مع اللّه ثم لا تلبث أن تهوى تارة أخرى إلى بالوعة اليأس ، .. ولكن شكراً للّه ، الذي أرسل ملاكه إليه تحت الرتمة ، دون أن يناقشه في شيء ، فقد كانت نفسه ممتلئة بالمرارة والأسى واليأس والقنوط ، والتوتر يملأ عواطفه ، والانفعال لا يعطيه أية فرصة للمناقشة الهادئة الساكنة ، وكان علاج اللّه لنفسه أن يطعمه ويريحه ، حتى يهدأ ويسكن ، قبل أن يتكلم إليه أو يحاجه أو يسأله . .. وهي الحكمة الإلهية التى ينبغي أن نتعلم منها ، كيف نعالج الثورات النفسية عند الآخرين " فالأفضل أن ننتظر ، حتى تستريح أجسادهم ونفوسهم ، قبل أي حديث أو مناقشة ، .. كان عمل اللّه الوحيد أن يطعم إيليا ويريحه ، وينتظر أربعين يوماً قبل إن ينقاشه على جبل اللّه حوريب قائلا : " ما لك ههنا يا إيليا ؟ . "" 1مل 19 : 9 ".
ومن الغريب أنه فوق جبل اللّه حوريب في سيناء أدرك إيليا الحقيقة التي غابت عنه طويلا ، إن الصوت المنخفض الخفيف ، وليس صوت الريح أو الزلزلة أو النار ، هو الأكثر تأثيراً وقوة وفاعلية ، إن الثلاثة الأصوات الأولى ليست في حقيقتها ، سوى المهد للصوت الأقوى والأعمق والأبعد أثراً ، صوت الحب والحنان والرحمة والإحسان والجود والغفران ، أو في لغة أخرى هو صوت الصليب ، الصوت الذي تحدث به موسى وإيليا مع المسيح فوق جبل التجلي : " وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا ، اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم " " لو 19 : 30 و 31 " لقد أهلك اللّه العالم بالطوفان أيام نوح ، وأباد اللّه سدوم وعمورة بالنيران ، وذبح إيليا أنبياء البعل ، ومع ذلك فالخطية لا تزال تفتك بالبشر ، وهي في حاجة إلى أصوات أخرى أفعل من العواصف والزوابع والنيران والزلازل ، إنه صوت اللّه المنخفض فى الصليب ، ... وعاد إيليا إنساناً من حوريب يختلف ، إلى حد بعيد ، عما كان عليه أولا ، يمسح حزائيل ملكاً على آرام ، وياهو بن نمشى ملكاً على إسرائيل ، وأليشع بن شافاط نبياً عوضاً عنه ودخلت إلى حياته حلاوة أعمق وأجل ، ... وأضحى أشبه بشجرة عنب في إنجلترا ربما هي أكبر شجرة من نوعها ، وهى قديمة ، وقد لاحظ أحدهم أن عنبها أصغر من المعتاد ، وسأل لماذا يبدو حجم الحبة من العنب أصغر وأجابه البستاني : إنه أصغر لأن الشجرة قديمة عجوز ، ولكن لا يوجد ما هو أحلى من هذا العنب على الاطلاق ، " .
عاش إيليا سنواته الأخيرة أهدأ وأجمل وأقوى ، وأخذ يشرف على مدارس الأنبياء،... وجاء اليوم الذي وصفه جوزيف باركر كدرس من أعظم دروس العناية ، وهو : " لا متى يذهب إيليا ، بل متى يأخذه اللّه الذى يعلم متى تنتهى خدمتنا ورسالتنا " أو في لغة أخرى : إن اللّه يعلم متى يأخذنا إلى حقل آخر أعظم وأجمل ، وإلى فرصة أوسع : " من عشرة أمناء إلى عشر مدن " ... وها نحن نرى الرحلة الأخيرة لإيليا فى الأرض ، التى تنقل فيها من الجلجال إلى بيت إيل إلى أريحا ، أو قرابة ثلاثين ميلا " وأغلب الظن أنه كان يريد زيارة ثلاث مدارس للأنبياء هناك ، ويتزود بالنظرات الأخيرة للارض التى أحبها وخدم فيها ، قبل أن يصعد إلى السماء ، وقد لازمه ورافقه في الرحلة أليشع ، وأبى أن يتخلى عنه البتة ، رغم أن إيليا ألح عليه أن يبقى حيث هو،... ونحن نسأل لماذا أراد إيليا أن يمكث أليشع في المكان الذى كان فيه !! ؟ هل لأنه كان لا يريده أن يتخلى عن عمل كان يقوم به عند بدء الرحلة !! ... أم لأنه أراده أن يكون بين بني الأنبياء في واحدة من المدارس الثلاث !! ؟ ... أم لأنه كما هو الأرجح أراد أن يختبر معدنه وصلابته ، قبل أن يرحل عنه ، وفى الوقت عينه أن يختلى باللّه الذي سيذهب إليه بعد قليل !! ... على أية حال لقد أصر أليشع على مرافقته، كما ينبغى للخادم الأمين أو الصديق الوفي ، أو الجندى الذي أوشك أن يحمل العلم ليؤدي الرسالة الموضوعة عليه ، ... وها نحن نراهما الآن يصلان إلى الأردن ، ويلف إيليا الرداء ويشق الأردن به ، ويعبر كلاهما ، ويسأل المعلم تلميذه ماذا يريد قبل أن يؤخذ منه !! ؟ ويصر التلميذ على أن يقف من المعلم موقف الابن البكر الذى يأخذ نصيب اثنين حسب الشريعة الإسرائيلية ، ولما لم يكن لايليا شيء من متاع الأرض ، ولما كانت الطلبة روحية ، قــال له إيليــــــــا : " صعبت السؤال " !! ... " 2 مل 2 : 10 " وذلك لأن الطلبات الروحية ، عطية من اللّه ، وليس هبة من إنسان !! ... وهى تؤخذ بالعين الروحية المفتوحة ، فإن رآه يؤخذ منه ، كان هذا دليلا على أن اللّه سيعطيه هذا النصيب ، نعود فنشير إلى أن أليشع لا يقصد أن يكون له ضعف ما كان إيليا ، بل أن يأخذ نصيب البكر من الأولاد ، ... وفتح اللّه عيني إليشع ، وسقط رداء إيليا عنه ، فأخذه وأخذ نصيب إثنين من روحه ، بعد أن مزق ثيابه ، " وهو يصرخ يا أبي يا أبي مركبة إسرائيل وفرسانها " ، " 2مل 2 : 12 " وهو كما أشرنا أولا لم يره فرداً واحداً ، بل جيشاً عرمرما ، والقائد المسيحي الغيور الشجاع سيبقى دائماً هكذا ، سواء في الدفاع أو الهجوم لمجد اللّه ، ... ومع أن إبراهيم ، وداود ، وايليا ، وبولس ، وأثناسيوس ، ولوثر وويسلى ، وأمثالهم - لا يظهرون إلا نادراً في موكب العصور ، لكننا نصلي لعل واحداً منهم يظهر في أيامنا هذه في عظمة الأبطال الخالدين ، ويمكن أن نقول قبل أن يؤخذ منا في مركبة السماء : " يا أبي يا أبي مركبة إسرائيل وفرسانها" ..

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا