الذين يقرأون عادة كتب الأدب والشعر والفلسفة والفن والتاريخ يعرفون ما اصطلح على تسميته «باللمسة الخالقة» اللمسة التي اختص بها جمهرة الأدباء والشعراء والفلاسفة والفنانيين والمؤرخين وكل أرباب الذوق العالي والفن الرفيع، والتي تجعلهم قديرين على تحويل العادي والصغير والقديم والتافه من الحقائق والأشياء إلى صور رائعة فذة مذهلة بما يضفونه عليها من مسحة خلابة ونور عجيب،... هناك شاعر ضرير كان يجوب بلاد اليونان ويتنقل بين مدائنها يستمع إلى القصص القديمة تتناثر على أفواه العامة، غير أنه هو تسلمها وحول منها بعبقريته الفذة أناشيد رائعة تترنم بها الأجيال في قصيدته الالياذة والأوديسة، وأظننا جميعًا نعرف هذا الشاعر، إنه هوميروس!... في أرجاء المانيا كان هناك شاب عجيب يسرح في الطبيعة الواسعة يستمع إلى هدير الموج، وزقزقة العصافير، ونسائم الصباح، ولكن أذنه الموسيقية التقطتها وسجلتها ألحانًا حية عذبة خالدة في مسمع الدهر كان هذا الشاب بتهوفن!... هناك مثال إيطالي مر بكتلة حجرية صماء لم تستوقف أحدا ولكنها استرعته، فصنع منها تمثال «موسى» العظيم، التمثال الذي بلغ من الروعة والدقة والإجادة، إنه بعد إتمامه، ضربه بعصاه، وصاح من فرط ذهوله وإعجابه: «تكلم يا موسى» كلنا نعرف هذا المثال، إنه ميخائيل انجلو!!..

على أن هوميروس وبيتهوفن وانجلو ونظائرهم من العباقرة والأفذاذ تضعف لمساتهم إزاء ذاك الذي هو وحده صاحب اللمسة الحقة الحية الخالقة على الأرض، بل أن لمساتهم جميعًا ما هي إلا - كما وصفها أحدهم فأجاد وصفها - القوة الخارقة من هدب ثوبه إليهم والينبوع الذي ترقرق في الجدول الإنساني، إذ فاض منه عليهم، ولذا فيسوع وحده هو صاحب هذا اللقب والجدير به، فهو الخالق الحق الذي كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان، وهو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان، وهل لمس يسوع شيئًا إلا وأكسبه خلودًا، وأضفى عليه نورًا تنطفيء الشمس قبل أن يخمد أو يضعف أو ينتهي؟ تأمل خمسة أرغفة وسمكتين أو سبعة وقليلاً من صغار السمك، أو استارا، أو ديناراً، أو فلسين، أو قارورة طيب، أو حفنة من الصيادين، تأمل هذه جميعها! أليست هي أشياد وأحياء تافهة كان يمكن أن تذهب في سبيلها مع الزمان، كما ذهب غيرها وغيرها، لولا لمسته التي خلقتها، وبعثتها بعثا قويًا رائعة خلابا؟

على أني ما عنيت أن أتحدث إليكم عن كل هذا أو شيء من هذا بل آثرت أن أوجه أفكاركم إلى لمسة خاصة لمولانا! كان لها أكبر الأثر في الكيان الإنساني وتوجيهه، وأعني بها لمسته القوية للمرأة، ولم أجد من بين نساء الكتاب من يمكن أن تكون نموذجًا طيباً لمثل هذا الحديث كشخصية بريسكلا..

أيدهشكم أن تعلموا أن فريسكا، وهو الاسم الأصيل لبريسكلا يعني «القديمة».. كانت بريسكلا صورة ونموذجًا للمرأة القديمة، المرأة التي قيدتها الأجيال، وطوقتها بأسار من الظلم والجهل والاستبداد، المرأة التي كانت ترزح تحت أعباء ثقال من البؤس واليأس والشقاء، المرأة التي كانت أدنى إلى السائمة منها إلى الإنسان حتى جاءتها لمسة المسيح ففكت أسارها، وبعثت منها مخلوقًا حياً حرًا كريمًا، يدعونه اليوم، الجنس اللطيف والنصف الأفضل، في أرضنا.

دعونا إذن نتأمل بريسكلا في كلمتين: المرأة التي لمستها يد المسيح: بركات هذه اللمسة.

المرأة التي لمستها يد المسيح

لهذه المرأة، كما أسلفنا، اسمان، فريسكا وهو اسمها الأصيل، وقد ذكر في الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، ويعني القديمة ، وبريسكلا أي «القديمة قليلاً» وهو اسم التدليل الذي كانت تنادي به، والتدليل القوي، فيما نعرف، هو الذي يستطيع إثارة العاطفة واسترضاءها معًا، إذكاء الشعور وتهدئته في الحين نفسه، ومن أخص غرائز المرأة أنها لا ترضي الاعتراف بقدمها وعجزها، ولاشك أنه مما يعز على فريسكا كأنثى أن تدعي قديمة، ولذا كانوا يتندرون معها باسمها الثاني «بريسكلا» أو كأنما يريدون أن يقولوا لها في لغة من الألفة والود والتدليل، إنك يا بريسكلا لست قديمة تماماً، ولكنك قديمة إلى حد ما! «قديمة قليلاً» على أن هذا الاسم يشير أيضًا إلى أنها امرأة كانت على شيء كبير من قوة الأنوثة وجاذبيتها، فلا يمكن أن تدلل الا المرأة التي تترك في القلوب أثرا عظيمًا، لا يأتي إلا عن سحر الشخصية.. هذه المرأة نراها في سفر الأعمال زوجة لرجل يهودي اسمه أكيلاً بنطي الجنس، وأغلب الظن أنها ليست يهودية، بل كما يفهم من اسمها، كانت رومانية، ويرجح البعض أنها كانت تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية العالية في عاصمة الرومان، وذلك لأن هذه الطبقة أكثر من غيرها كانت تدعو رجالها ونساءها باسمين، كما أنها كانت على حظ كثير من الثقافة الغالية، الأمر الذي يظهر في قدرتها أن تبصر مواطن الضعف في خطيب عظيم كأبلوس، كما تشترك مع زوجها في توجيهه واقناعه...

هل عرفت بريسكلا المسيح قبل التقائها ببولس!؟ وهل أمنت بمخلصنا في مدينة روما في الكنيسة التي لم يكن لبولس يد في انشائها؟ أم أن لمسته القوية المخلصة لم تنلها سوى في مدينة كورنثوس، حيث التقت مع زوجها بالرسول العظيم هناك؟ أغلب الظن أن بولس كان هاديها إلى المسيح، وأغلب الظن أن يد العناية الرفيقة أعدت هذا اللقاء الذي خرجت منه بريسكلا امرأة مسيحية عظيمة ممتازة، ياليد العناية العجيبة تنسج في منسج الزمن نسيج لقائنا مع الله، فتبعث بهذا من هنا وذاك من هناك، حتى نلتقي في نقطة التماس الرابطة كما تلتقي الخيوط، أو قل في تعبير أدق، أنها تقذف بنا في الحوادث والأحداث كما يقذف الصانع الماهر بكرة الخيط وهو يعمل على المنوال، كانت بريسكلا وأكيلا زوجين آمنين هادئين في مدينة روما، ولكن رجلاً يهودياً اسمه كريستس أحدث في المدينة شعباً، الأمر الذي جعل كلوديوس قيصر يطرد اليهود جميعًا منها في عام 52 للميلاد. فخرج أكيلا من المدينة مطرودا تصحبه زوجته، واستقر قليلاً في مدينة كورنثوس ريثما يتأهب للانتقال منها إلى مدينة أخرى أو إلى مسقط رأسه، كما يظن البعض، هذا في الوقت الذي كانت فيه العناية تدفع بولس دفعًا إلى المدينة عينها، فالاضطهاد وحده هو الذي نقله من فيلبي إلى تسالونيكي إلى بيرية إلى أثينا، وفي عاصمة اليونان كان الرسول وحيدا محتد الروح مكروب النفس، فأثر أن ينتقل منها إلى كورنثوس، لعله يستطيع تخفيف ما يعاني من ضيق نفسه واضطرابها، ونحن نعلم أنه كان في كورنثوس شديد الاضطراب والخوف، وفي حاجة إلى مؤنس وصديق يشد أزره ويتقاسمه همومه، ذهب بولس كعادته إلى المجمع وأرباب الحرف الواحدة في الصلاة كانوا يجلسون معًا، هناك عرف أكيلا وبريسكلا لكونه من صناعتهما، ومن هناك دخل بيتهما، واشترك معها في العمل، ومن شركة الحرفة انتقلا على يديه إلى معرفة المخلص أي جوته ياشاعر الألمان! ليست الطبيعة وحدها هي نسيج الله في منسج الزمن كما تعودت أن تقول، بل إن خلاصنا أيضًا هو النسيج الرائع البديع الذي تنسجه يد الله، ولمسة الله.

بركات هذه اللمسة

وما أجلها من بركات لعل أظهرها أربع: البيت السعيد، والكنيسة الصغيرة، والتعليم الطيب، والتضحية القوية.

بركة البيت السعيد

كان أكيلا وبريسكلا نموذجًا طيبًا للبيت السعيد، فهما الزوجان المتحابان اللذان يواجهان الحياة في كل أوضاعها معًا، وهل ترى أحدهما في لحظة متباعداً عن الآخر، كلا!! ولكن الأمر البديع حقًا أنه في أغلب التحيات كانت بريسكلا أولا وقبل أكيلا، ألانها هي الجانب الأقوى في البيت والرفيق الأفضل؟ قد يكون! على أن هذا يعطينا أيضًا صورة أخرى لما فعلته المسيحية إزاء المرأة، إنها في التحية والإكرام والمودة تقدمها على الرجل، إذ هي شديدة الرفق بها، والحدب على ضعفها، وتجتهد ما أمكن أن تدثر هذا الضعف بيدها الرقيقة اللينة الدقيقة الحنون، ولأجل هذا أطلق العالم المسيحي على المرأة «الجنس اللطيف» و«النصف الأفضل» وما أشبه من الألقاب السمحة والنعوت الرقيقة، الأمور التي لم يكن يعرفها أبدًا العالم القديم على تناهي عظمته ورقته.. ففي بلاد اليونان كانت المرأة تعامل معاملة وضيعة، ألم يقرنها أرسطو بالعبد حين قال: «إن المرأة والعبد قد يكونان صالحين، لكنها في أغلب الأحايين، إذا كان أحدهما على شيء من الصلاح. فإن الآخر شرير تماماً»؟ وألم تقدر أثينا المرأة في ذلك الوقت تقديرًا بائسًا، فكان مقياس إعزازها يتكافأة مع مقياس تبذلها؟ وكانت روما تنظر إلى المرأة نظرة أقسى وأشر، وقد قيل إن كاتو الروماني أجبر مانليوس على الاستقالة من السناتو، لأنه قبل زوجته في النهار أمام ابنته وقال«إن النساء وباء ولوثة، وهن متغطرسات يلزم احتقارهن والحد من أنصبتهن». ولأجل ذلك لم يعط القانون الروماني على عظمته حقوقًا كثيرة للمرأة، فجردها من رعاية أطفالها الرضع، ومنعها من إعطاء صوتها في زواج ابنتها، وأعطى لزوجها السلطان المطلق عليها. السلطان الذي يمتد حتى إلى حياتها نفسها، وهل هناك قول أشر من قول سنيكا عنها: «إنها حيوان وقح، وما لم تتهذب بالمعرفة والحكمة ستظل قاسية وفاسدة وشريرة» وهذا كونفوشيوس الذي يدعونه نور آسيا وحكيمها قال: «إن مهمة المرأة لا ينبغي أن تزيد عن إعداد الطعام وتقديم الخمر، وخارج أعتاب بيتها لا ينبغي أن تعرف خيرًا أو شرًا». هذا هو الأسار المفزع الذي طوقت به المرأة في كل التاريخ حتى جاء مخلصنا وفك أسارها، وأطلقها حرة قوية طليقة تستمتع بالحياة في أنقى وأقوى وأجل ما تكون الحياة... لقد شربت قبله كؤوساً من الإثم والمذلة والهوان، ولكنه حينما جاء أخذ من يدها هذه الكؤوس وحطمها، وقدم لها كأس الفرح والبهجة والخلاص، وهل كانت معجزته الأولى الا في عرس قانا الجليل، حيث مد يده ليقدس العرس، ويبارك الزواج، ويفتح طريق التحرير للمرأة على مدى الأجيال.

بركة الكنيسة الصغيرة

لم يكن بيت بريسكلا وأكيلا بيتاً فقط، ولكنه كان كنيسة أيضًا، وحيثما تنقل هذان الزوجان كان يجعلان من بيتهما كنيسة، ففي كورنثوس أو أفسس أو روما نسمع تحية الرسول «وإلى الكنيسة التي بيتهما» وما أجل هذا الوصف وأبدعه! ما أجل أن يتحول البيت للعبادة وخدمة الله!! لست أدري أكان هذا البيت وسيعًا أو ضيقًا، كبيرًا أو صغيرًا، مفروشاً بالطنف والأرائك أم مجردًا من الزينة والأثاث؟ لم يحدثنا كتاب الله عن شيء من هذا، فهذه أشياء تبيد وتنتهي، ولكنه حدثنا عن شيء خالد مجيد، عن كنيسة في بيت!. والحق أن بولس يدهشنا هنا!! كنيسة في بيت!! ألا يشترط في الكنيسة أن تكون ذات قباب وأعمدة وأبهاء!؟ ألا يشترط أن تكون لها الأجراس الضخمة ذات الرنين البعيد؟ ألا يشترط أن تكون على هذا الوضع أو ذاك في شكلها ومقاعدها ومنبرها وخدامها؟ كلا أن بولس لم يعرف هذه! إنه يؤمن أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين المفديين الذي اشتركوا في رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة. ولاشك أن الكنيسة الصغيرة في بيت بريسكلا كانت تضم أفراد البيت والعاملين مع الزوجين في حرفتهما، والصحابة، والجيرة، وكل من يدعون باسم الرب يسوع.

يا عائلاتنا المسيحية!! ألا نتعلم من هذه العائلة القديمة التي كانت تحمل دينها معها أينما ذهبت، فكيف نعبد الله ونمجده،.. حين ذهب ريتشارد باكستر إلى مدينة كيدر نستر كانت هناك عائلة واحدة فقط تعبد الله وتدعو باسمه، ولكن هذه العائلة بمعونة الله والتكاتف مع هذا الخادم حولت شوارع بأكملها إلى بيوت تدعو جميعًا باسم الله، إن أقسى ما يتهدد العائلة المسيحية في هذه الأيام، هو أنها أخذت تفصل بين الكنيسة والبيت، فوقت عبادتنا معين بساعة أو بعض ساعة تقضيها يوم الأحد - وبعض أيام الأسبوع، هذا إذا اجتهدنا - في الكنائس، ولكن هذه العبادة لم يضح لها من القوة ما يحول بيوتنا ذاتها إلى أماكن مقدسة تمجد الله وتدعو باسم الرب يسوع.

بركة التعليم الطيب

لا نعرف كثيرًا عن المجهودات العظيمة التي قامت بها بريسكلا في خدمة الله، وكم خلصت نفوسًا، وقادت رازحين ومتعبين وثقيلي أحمال إلى معرفة الفادي والمخلص!! سنقرأ في السفر الأبدي يومًا ما كثيرًا مما عملت هذه المرأة، لكن كتاب الله شاء أن يبين لنا عملاً مجيدًا كان له أكبر الأثر في الكنيسة الأولى، قامت به هذه المرأة مع زوجها حين اقتادا أبلوس إلى معرفة المسيح، وأبلوس هذا، كما يحدثنا عنه الكتاب، رجل فصيح مقتدر في الكتب، حار في الروح، هبط يومًا ما إلى مدينة أفسس وذهب إلى المجمع، وكان يجاهر بقوة وطلاقة وذلاقة لسان، ولكن بريسكلا وأكيلا في الوقت الذي لاحظا فيه اقتدار الرجل لاحظا أيضًا قلة معرفته ودرايته بطريق الخلاص، ومن ثم أخذاه إلى بيتهما، وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق.. وأصبح أبلوس من تلك الساعة الخادم المسيحي الذي قدم خدمات هائلة لمجد الله الخادم الذي أتم خدمة بولس، ففي الوقت الذي كان فيه الرسول العظيم يغرس غرس الله، كان هذا الآخر يسقي الغرس ويرويه، وفي الوقت الذي كان فيه بولس يضع أساس البناء، كان أبلوس يسير وراءه وفي أعقابه ليبني عليه، ومجد بولس سيده كما مجده أبلوس، ولكننا إزاء عظمة الرجلين لا يجمل بنا أن نغفل الذين قادوهما إلى الله، فلا ننسى حنانيا مع الأول، وبريسكلا وأكيلا مع الثاني. وراء كل خادم عظيم من خدام الله هناك جنود مجهولون أو شبه مجهولين، ينبغي لنا أن نذكرهم، ونذكر فضلهم، كما نؤمن أن السماء والأبدية لن تنسيا أبدا أتعابهم ومجهوداتهم!.

بركة التضحية القوية

يقول الرسول في تحيته لبريسكلا وأكيلا «اللذين وضعا عنقيهما لأجلي، اللذين لست أنا وحدي أشكرهما بل جميع كنائس الأمم» فهذه العبارة تشير إلى خطر عظيم جابهه الرسول لا نعلم أين ومتى، أفي أفسس حيث حارب وحوشًا، وكانت حياته معلقة في ميزان!؟ أم في مكان آخر من الأماكن الكثيرة التي واجه فيها الموت!؟ لا نعلم!! ولكننا نعلم أن الزوجين الصديقين قدما نفسيهما من أجله في ذلك الوقت وكان الباعث عندهما لهذا البذل العميق، فيما نعتقد، أكثر من مجرد تلك المحبة القوية التي تشيع بين نفوس الناس، المحبة التي تنشأ استجابة للغرائز المضطرمة والأرواح المؤتلفة المتعانقة، فهذه المحبة على عظمتها وسموها شيء أرضي إنساني يبعثه تداني النفوس البشرية وتماسها، ولكن محبة بريسكلا وأكيلا كانت أروع من هذه وأنقى، إنها شيء سماوي قدسي إلهي، ألم يقدهما بولس إلى معرفة المسيح؟ ألم يفتح لهما طريق الخلاص الأبدي؟ وهل يستطيعان أن يحبا على الأرض شيئًا أو إنسانًا أكثر من الشخص الذي قادهما إلى السماء؟ أو ليس دينهما لبولس هو ذات دين فليمون الذي قال له الرسول: «أنك مديون لي بنفسك» فمهما بذلا وقدما لا يكونان قد قدما للرجل شيئًا أعظم من تقدمته إليهما؟ إن الشخص الذي عرفني المسيح هو الشخص الذي أدين له بعد مخلصي بأسمي ما في الوجود وما في نفسي، على أن حبهما مع ذلك كان أعلى وأجل، إنهما لم يحبا بولس لبولس ذاته بل أحباه أكثر، لأنهما أحبا فيه شخص المسيح ومجد المسيح، إن موت بولس على خطورته وهوله لا يعنيهما بقدر ما يعنيهما تأثر قضية المسيج ومجده بهذا الموت، لقد كان لبولس في الكنيسة مركز الإمامة والقيادة، وموت القائد أفجع كثيرًا من موت عشرات الجنود، لأجل ذلك رأى أكيلا وبريسكلا أن الخسارة التي تصيب الكنيسة بموتهما لا تقاس شيئًا بالخسارة التي تحدث لو مات بولس، ومن ثم تقدما في شجاعة وجرأة ومحبة ليفتدياه. «اللذين وضعا عنقيهما لأجلي» أهذا تعبير مجازي فاه به الرسول ليتحدث عن عظمة تضحيتهما كما يفكر البعض؟ أم هو - كما يذهب آخرون - تعبير حرفي لما فعله الزوجان إذ وضعا عنقيهما فعلاً على إلة الموت، وكان يمكن للفأس أو السيف أن يطيح برأسيهما بعيداً، لولا تدخل الله بكيفية خارقة في اللحظة الأخيرة.. الذي نعلمه أنهما، على أي حال، اجتازا وادي الموت المخيف من أجل الرسول، وكانت تضحيتهما ضربًا رفيعًا من أروع ضروب التضحية في تاريخ الكنيسة، بل في التاريخ الإنساني الجليل. أي بريسكلا وأكيلا! أي أيها الزوجان العزيزان ليست كنائس الأمم القديمة فقط هي التي تتوجه إليكما بالشكر العميق لما صنعتما من أجل الرسول، بل نحن أيضًا الذين نقف، وراء هذه الكنائس، خلف القرون المتباعدة، ما نزال نردد في إعجاب وتحية ما قمتما به من عمل باسل وتضحية كبرى، لقد حفظتما لله وللكنيسة ولنا حياة الرجل الثاني بعد ابن الإنسان، الرجل الذي حمل على أكتافه العالم الوثني القديم، ومد ملكوت يسوع المسيح في أحشاء الإمبراطورية الرومانية والتاريخ، لقد حفظتما لنا، وأنتما لا تدريان، أغلب رسائله الخالدة التي كتبها بعد ذلك، والتي سيظل العالم إلى الأبد يغترف منها مناهله العذبة، لقد حفظتما لنا رسائل رومية وكورنثوس وأفسس وفيلبي وكولوسي وتيموثاوس وتيطس وفليمون والعبرانيين. سارت الأيام بالرسول العظيم، حتى جاء إلى أخريات حياته، وهناك في روما، وفي اللحظة القاتمة ، مثلت أمام عينيه، وفي سجنه الأخير، المسرحية المحزنة: سخرية الاتهام، وضيعة العدالة، والخيانة البشعة، حين تولى عنه جميع الأصدقاء «الجميع تركوني» على أن في تلك الفترة الدقيقة، والسيف فوق رأسه، عاد بذكراه إلى الأيام الخوالي العزيزة، وذكر أصدقاءه الأوفياء الأعزاء، أصدقاء أفسس الذين ثبتوا معه في المحنة والألم والأحزان، بيت أنيسيفورس الذي أراحه ولم يخجل بسلسلته وبريسكلا وأكيلا اللذين وضعا عنقيهما لأجله، فتنسم رائحة الراحة والبهجة والذكرى العزيزة، وكتب إلى تلميذه قبل أن يضع قلمه الجبار، ويجود بأنفاسه الأخيرة: «سلم على فرسكا وأكيلا وبيت انيسيفورس». وهكذا شاءت نعمة الله للرجل العظيم، ألا يحرم في أرض الخيانة والموت، من ومضة بهية، تضيء ظلمات سجنه، وتقنعه وهو يودع العالم أن الأرض بخير، وأنها لا يمكن أن تخلو أبدًا من الأحباء الأوفياء الخالدين....

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا