اذا سقط لا ينطرح

(مُرقس27:14-31)

عندما دعا الرب أولاده، فإنهُ دعاهُم الى حياة النصرة والغلبة. وكل إنسان مؤمن فإنَّهُ مولود الولادة الجديدة، وبحسب الطبيعة الجديدة هو لا يُخطئ والشرير لا يَمسّه (1يوحنا 5: 18). لكن لا يغيب عن بالنا بقاء الطبيعة القديمة فينا، حتى وإن قبلنا الخلاص. وهذه الطبيعة في حرب مستمرة مع الطبيعة الجديدة: فالأفكار ليست كاملة، العواطف متقلبة، فاليوم نرى شخصًا بثبات الصخر، وفي اليوم التالي يسقط وقد يكون سقوطه عظيمًا.

في قرائتنا من مرقس 14، نرى أن يسوع يُعِد ويجهز تلاميذه لمواجهة العالم بعدَ صعوده إلى السماء، وأنهم سيواجهون ضيقات. لكن عند مشهد الصليب هَربوا كلهم ولم يبقَ الا يوحنا! لقَد هربوا كلهم عند مواجهة أول صعوبة. وكم يُشبه حالنا حال هؤلاء التلاميذ، إذ نبتدأ مسيرتنا مع الرب بحماس ونيران، وسرعان ما تخبو ويبقى الدخان! لكن شكرًا للرب من أجل نعمته ورأفته وحنانه المُتجدد، فتعاملاته تفوق كل وصف وعقل بشري. فرغم سقوطنا وخذلاننا له، إلا أنه يتعامل معنا:

1) بالحُب الكامل: ما أعظَم حُبُّه  وما أرَق وأعذب قلبه، فهو رئيس كهنتنا الذي يرثي لضعفاتنا، وقَد جُرِّبَ في كل شيئ مثلنا لكي يقدر أن يعيننا (عبرانيين 2: 18). عندما نسقط نستطيع أن نتوجه إليه، فنجده فاتحًا ذراعيه، يَضمّنا إلى صدره ويُعيد لنا الأمان.

الجميع لديهم ضعفات، فهذا القاسم المشترك لكل إنسان مهما كان. وعند وقوعنا في ضعف، يهمس صوتين حولنا: صوت الرب وصوت الشيطان. لكن الإختيار يبقى لنا، لمن سنُصغي؟ الرب يريد أن يرفعنا والشيطان يريد باستمرار أن يوقعنا ويخذلنا ويشعرنا بالذنب، ويبث فينا الشك: "لو عرف المؤمنين حقيقتك... أنتَ لا تنفع أبدًا". لكن صوت الرب يقول :"لا تشمتي بي يا عدوتي، إذا سقطتُ أقوم"(ميخا 7: 8). نعم، هو يعطينا الفرصة تلو الأخرى ولا ييأس منا، بل مراحمه وإحساناته والأمل معهُ متجددين في كل يوم. ولنا في الكتاب المقدس أمثلة كثيرة على محبته ورحمته وقلبه المُتَسّع:

عندما أتوا إليه بالمرأة الزانية وأرادوا أن يرجموها، قال لهم: "من كانَ منكم بلا خطية ليرمها أولاً بحجر" (يوحنا 8: 7). لقد كان هو الوحيد الكامل بينهم، وله كل الحق والسلطان بأن يرجمها، لكنه يفاجئنا بموقفه الرائع والمليء بالمحبة، فقد قال لها: "إذهبي بسلام".عندما نسقط، فإن محبة يسوع الشديدة والفائقة تجتذبنا لنرجع إليه، وتصير لنا الثقة بالدخول الى عرش النعمة من جديد.

2) التشجيع بالرجوع إليه: لقد كان يسوع مُتيقنًا بأن تلاميذه سيَشُكّون فيه، لكن بالرغم من ذالك قالَ لهم بأنه سيسبقهم إلى الجليل، أي يريدهم أن يأتوا وراءه.

أحبائي، يسوع يريدنا أن نرجع اليه، لأنه هو مصدر حياتنا مثلما القلب هو نبضها، يريدنا أن نرجع بتوبة واعتراف، وهو أمين وعادل وسيغفر لنا (1 يوحنا 1: 9). إنه لا يريدنا ان نهرب ونختبأ مثلما فعل آدم وحوّاء، بل أن نواجه أنفسنا ونرجع إليه.

3) مواجهة خطأنا وفشلنا: يسوع هو المعلم الرائع الوديع القلب، الذي يريدنا أن نتعلم من سقطاتنا وضعفاتنا حتى لا نرجع إليها. وهذا هو مفتاح النضج الروحي.

عندما نتعثر ونسقط، فإننا تلقائيًا نوجّه اللوم إلى الظروف، أو الناس، أو حتى الشيطان!

فلَقد كان بطرس متحَمّسًا جدًا عندما قال: "وإن شَكَّ الجميع فأنا لا أشُك ". لكنه سقَطَ وأنكرهُ بدل المرة ثلاث! وقد استخدم الرب صياح الديك كإنذار إلهي ليوقظه، فواجهَ خطأهُ وخرج وبكا بكاءً مُرًا.

الإعتراف يجب أن يكون مصحوبًا بتوبة حقيقية والإصرار على عدم الرجوع إلى الخطأ.
لقَد نظر الرب إلى بطرس نظرة الحنان والتبكيت، فهل نتجاوب مع حنان الرب وتبكيته؟ هل نهرب منه أم نهرب إليه؟

4)إكتشاف حقيقة طبيعتنا البشرية: عندما قالَت الجارية للجميع: "وهذا كانَ معه"، إبتدأ يلعن ويحلف!

لَقَد ظَنَّ بطرس بأنهُ قوي ولن ينكر المسيح، كانت لديه ثقة شديدة بنفسه، كما أنهُ رفضَ فكرة الصليب: "حاشاك يا رب أن تُصلب". الصليب هو رفض الطبيعة القديمة وإنكار الذات. فقد قال يسوع: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني" (لوقا 23: 9). لكن بطرس لم يصلب طبيعته القديمة، بل كان مُتهورًا، مُتَسَرعًا، يتصرف بالجسد.

ونحن كم نأتي للرب بوعود وقرارات ونقول: "أنا يا رب". لكن ما إن نواجه حقيقة أنفسنا نهرب ولا نتمم شيئًا، إذ الحقيقة تكون أننا نتكل على الجسد.

لكن شُكرًا للرب، إذ أصبحنا خليقة جديدة، والقيامة والنصرة من مميزات هذه الخليقة. لقد حصلنا على طبيعة إلهية، وهذه الطبيعة تغلب كل جسد وكل خطية. والذي فينا أقوى من الذي علينا، فلَقد صُلبَ ومات، لكنه قام وانتصر ودحرَجَ الحجر. وهو حيٌّ فينا، يقودنا في الإنتصار بعد كل سقوط وانكسار. لهُ المجد إلى دهر الأدهار!