العبادة مرتبطة بالسجود وإعطاء المجد والكرامة للمعبود، وقد تختلط الأمور على كثيرين فتصير عبادتهم خليطًا من الايمان والضلال، فيقدمون السجود لله وفي نفس الوقت يعبدون ويشاركون معه صناعة أيديهم من مال أو أمور أدمنوا عليها أو منحوتات وتماثيل وصور تستهوي وتمتلك حياتهم وكيانهم.

فيما يلي مشاركة تأملية مختصرة في بعض نواحي السجود:

1. السجود للرّبّ وحده.
لا تسجد لمصنوعات ومخلوقات (الوصية الأولى والثانية).

تحذرنا الوصية الثانية من العشر وصايا، من صناعة تماثيل وصور بغرض السجود لها وعبادتها واعتبار أنّ لها قوة في ذاتها للتأثير علينا أو على الآخرين، فالرّبّ وحده يستحق السجود فهو الخالق، وهو الذي يملأ السماء والأرض في كل مكان وزمان، وهو الذي بيده سلطان الحياة والموت، فله وحده حق السجود والعبادة.

«أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ..." (خروج 20: 2-5).

2. سجود القلب.
سجود المجوس.

لقد سجد المجوس للطفل المولود إذ رأوا فيه الرّبّ المتجسد، الذي استحق منهم عناء الطريق الطويل، لكي يقدموا له قلوبهم بعبادة صادقة قبل تقديم هداياهم الثمينة الممسوحة بروح النبوة (اشعياء 60: 6)، والمعبرة عن شخص مميز (فالذهب يرمز للملك السرمدي ولألوهية ومجد الرّبّ وكمالاته، واللبان عطر ودُهن يرمز لكهنوت المسيح الأبدي ويوحي بعبير حياة الكمال التي عاشها الرّبّ، والمُر يرمز للآلام التي تحملها الرّبّ بصُنعه خلاصًا وفداء لكل من يطلب وجهه "وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا" (متى 2: 11).

3. السجود للرّبّ موقف وقرار.
بلا مساومة نهزم ابليس ونُفشِل خُططه. على جبل التجربة.

الشيطان يضع كل المغريات أمامنا بحيله المتنوعة ليسيطر على حياتنا، فهدفه إبعاد الناس عن العبادة الحقيقية لله، وقد يقوم بذلك بشكل مباشر بطلب السجود له، كما يتعبد له من يُدعون "عبدة الشيطان"، فيقدمون عبادة تتلاءم مع معبودهم، كلها شرّ وخطية، كذب وقتل وسرقة، زنى وعهارة وغيرها... وقد يغريهم بخليط من عبادات، فيوهم الناس أنهم يستطيعون عبادة الله والمال معًا، او عبادة الله وعبادة ملائكة، أو تأليه بشر من ومهما كانوا، كالفراعنة والأباطرة ورجال دين وملوك، كما فعل الصوريين والصيدويين مع هيرودس إذ أرادوا استعطافه، فَصَرَخَ الشَّعْبُ: «هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ!» (أعمال 12: 22)، وغيرها من أساليبه الخبيثة التي لا تخفى على اتقياء الرّبّ. فقد حاول ابليس إغراء الرّبّ في البرية وعلى جبل التجربة، ولكن كلمة الحق وموقف الحق كان ردًا قاطعًا ضد خطة ابليس الجهنمية. "ثمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (متى 4: 8-10 ولوقا 4: 8).

4. نسجد لصاحب السلطان على الكُلّ في كلّ زمان ومكان.
سجدوا له في الجليل بعد القيامة إذ لاشى أيّ شكّ أو ضُعف إيمان.

بعد القيامة التقى التلاميذ مع الرّبّ وسجدوا له مقرّين أنه الرّبّ المُقام من الأموات والمنتصر على القبر الذي لم يستطع امساكه، ومع أنّ البعض شكوا أنه هو، ولكنه بغنى نعمته ولطفه أكدّ حقيقته المجيدة بكلامه لهم الذي فيه كل سلطان، له المجد.

"وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ. (متى 28: 16-20).

5. السجود بفرح وتسبيحات الانتصار.
سجدوا له خلال صعوده للسماء.

سجد التلاميذ وجمهور المؤمنين للرّبّ يسوع فيما كانوا يشهدون صعوده المجيد الى السماء، معترفين بلاهوته وناسوته، بملكوته وخلاصه، مسبحين مجيئه الأول وراجين ومنتظرين مجيئه الثاني "وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ. آمِينَ." (لوقا 24: 51-53).

6. السجود بالروح والحق.
سجود الكيان للكائن الأعظم، خالقنا وفادينا.

الله يطلب عبادة روحية لا علاقة لها بالأمور المادية والطقسية والتقاليد والعادات، فالطبيعة الجديدة التي حصلنا عليها من الرّبّ بالإيمان ترفعنا لنرتقي فوق العالميات، ونرجع من كل القلب لذاك الذي أحبنا وبذل نفسه عنا، فالسجود الحقيقي هو عبادة الروح، أي الدخول لعمق هو حب الخالق بل حب للفادي، لأنه هو أحبنا أولًا...

"وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا» (يوحنا 4: 23 -24).

نُقدم للناس احترامنا واكرامنا وتقديرنا، أما للرّبّ خالقنا وفادينا فنقدم كلّ العبادة والسجود من كلّ القلب، بقلب مُحب وصادق، لأنّ الهنا يستحق كلّ المجد، وله ينبغي التسبيح والسجود. "لَكَ يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ يَا اَللهُ فِي صِهْيَوْنَ، وَلَكَ يُوفَى النَّذْرُ" (مزمور 65: 1).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا