نقرأ في رسالة العبرانيين الاصحاح الحادي عشر عن ايمان رجال الله، وفي نفس الاصحاح يذكر لنا الوحي الالهي ايمان نساء الله وهن سارة وراحاب، وفي هذه المقالة سوف نتأمل بنعمة الرب بايمان راحاب.

انا افتخر بربي والهي يسوع المسيح الذي ليس عنده محاباة! لا بين رجل وامرأة، لا بين يهودي واممي، بين غني وفقير او قوي وضعيف، فهو الذي اعلن لنا محبة الله الآب القدوس، وقرَّبنا الى عرش نعمة الله بدمه الكريم.

ممكن لنا ان نتكلم عن ايمان نوح، ابراهيم، موسى وغيرهم من رجال ونساء الله في الكتاب المقدس، ونتعلم الكثير من سيرة ايمانهم، ولكن ان يذكر لنا الوحي المقدس عن ايمان امرأة اممية وزانية، فهذا امر من الممكن ان يكون غريب للبعض، وهناك حتى من يهاجم وينتقد ايماننا المسيحي، كيف ان هذا الايمان يشهد بسيرة حياة امرأة زانية!

يعلمنا الكتاب المقدس انه في المسيح لا فرق بين رجل وامرأة، وبمحبة الله لنا جميعًا بشكل متساوي، وهذا ما ذكره بطرس في رسالته الاولى 7:3 مخاطبًا الرجال بان يكونوا ساكنين بحسب الفطنة مع الاناء النسائي كالاضعف، معطين اياهن كرامةً، كالوارثات ايضًا معكم نعمة الحياة، لكي لا تعاق صلواتكم.

نرى كيف ان الله اكرم هذه الامرأة عظيمة الايمان، وذُكِرَ اسمها باصحاح مع ابراهيم ويشوع وموسى وداود وغيرهم من ابطال الايمان، فنقرأ في العبرانيين 31:11 كيف انه بالايمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة، اذ قبلت الجاسوسين بسلام.

كذلك الرسول يعقوب يمدح ايمان راحاب الزانية في رسالته 25:2، بقوله انها تبررت بالاعمال، اذ قبلت الرسل واخرجتهم في طريق آخر.

ممكن لنا ان "نفهم ونقبل" ان الله اراد ان يُمجد اسمه بحياة راحاب، بكونها امرأة اممية، ولكن من الممكن لنا ان نتساءل لماذا ذكر الكتاب المقدس عدة مرات كلمة زانية عن راحاب؟ 

ممكن لنا القول انه علينا جميعًا ان لا ننسى ماضينا المظلم (وليس فقط ماضي راحاب)، وهذا الامر يحفظ قلوبنا وافكارنا في تواضع المسيح، وان لا نفتخر الا باسمه القدوس وحده، ونذكر قول يوحنا ان نذكر من اين سقطنا ونتوب الى الله (رؤيا يوحنا 5:2)، ان لا ننسى ماضينا وسقطاتنا وزلاتنا، لكي لا نتكبر على اخوتنا اننا الافضل والاقدس! بل نذكر انه هناك امور كثيرة نعثر بها جميعنا، وان لا نكون معلمين كثيرين ( يعقوب 1:3 ).

حاشا لنا ان نعتقد ان الله يريد التشهير باحد منا او اظهار ضعفاته وزلاته امام الجميع، لان المحبة تستر كثرة من الخطايا، وهو الذي وعد ان يطرح خطايانا في بحر النسيان، والله لا يريد لنا ان نعيش في حياة تأنيب الضمير على زلاتنا وخطايا الماضي، بل يريد ان نتعلم من اخطائنا ونعود اليه من كل قلوبنا، كما فعلت اختنا راحاب والامرأة السامرية، وكيف اظهرت حياتهن توبة حقيقية ورجوع الى الله من كل القلب.

فنرى هكذا مع ان الكتاب يذكر اسم راحاب الزانية، ولكن من ناحية اخرى نرى عمل ومجد الله في حياتها، وهذا هو الايمان الحقيقي، الذي يُعطي حياة جديدة بقوة وعمل روح الرب، ويجعل من امرأة اممية وزانية، بطلت ايمان ونذكرها الى يومنا هذا. 

كذلك معنى اسم راحاب في العبرية هو واسع ( רחב )، فنرى انه مع كون خطية راحاب كبيرة وصعبة "وواسعة"، فقد قابلتها رحابة قلب الله المحب، الذي جاء لكي يخلص الخطاة، لانه حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا، فيا لها من نعمة ومحبة عظيمة التي جعلت الزانية بطلت ايمان، وعلمتنا جميعًا ان نتحذر ليس فقط من الزنى الجسدي، بل الروحي ايضًا لان محبة العالم عداوة لله ( يعقوب 4:4 ).

نقرأ في كتاب يشوع عن قصة راحاب مع الجاسوسين، وكيف خبأتهما ونجت هي واهل بيتها بعمل ايمانها، لان راحاب كانت قد سمعت عن الايمان بالله، بقولها "اني علمت ان الرب اعطاكم الارض، وان رعبكم قد وقع علينا، وان جميع سكان الارض ذابوا من اجلكم".

صلاتي اخوتي لنا جميعًا ولكنائسنا، ان نكون بالفعل صوت صارخ في برية هذا العالم، وان يسمع كثيرون عن رسالة الانجيل، رسالة الخلاص المحبة والسلام كما سمعت راحاب وكل شعب الارض آنذاك!

عندما اقرأ شهادة ايمان راحاب، بقولها " ان الرب الهكم هو الله في السماء من فوق وعلى الارض من تحت" ابارك الرب على هذا الايمان القوي والصادق، واتسائل كيف لامرأة اممية وزانية ان تشهد بقوة الايمان هذه، ما عجز عنه ملوك اسرائيل في العهد القديم امثال عمري وآخاب! بالفعل انه ليس عند الهنا محاباة ولا يقبل بالوجوه!

يذكر لنا كتاب يشوع ان راحاب انزلت الجاسوسين بحبل من الكُوَّة، ومن الممكن لنا ان نتساءل كيف ان هذا المرأة ساعدت رجال غريبين عن شعبها وامتها؟ واليست هذه نوع من الخيانة لشعبها وبلدها وملكها؟!

اخوتي، لمن هو انتمائنا الاول والاخير؟ لملكوت الله ام لملكوت البشر والناس؟ وهل نحن امناء حتى الموت للدعوة الالهية لحياتنا، ام اننا احيانًا نساوم بذلك على حساب مصالح شخصية ومآرب ذاتية، تعمي عيوننا وتفقدنا البصيرة الروحية؟ او حتى احيانًا باسم "الوطنية" نضع الانجيل والحق الالهي جانبًا، ونتمسك بتعاليم ووصايا بشر، ينكرون الله باعمالهم قبل كلامهم؟ الا ينبغي ان يطاع الله اكثر من الناس؟

ليتنا نكون امناء مع ربنا الحبيب ودعوته لنا لمحبته وخدمة ملكوته، وان نتمسك بوطننا السماوي الابدي، وان نحب باسم الهنا جميع الاوطان الارضية ونسعى بالفعل كسفراء عن المسيح في هذا العالم المظلم.

راحاب انزلت الجاسوسين بحبل من الكوة، فيا ليتنا نحن ايضًا نقول مع المرنم في المزمور 6:16 - "حبالٌ وقعت لي في النعماء، فالميراث حسنٌ عندي"

ليساعدنا الرب الهنا برمي جميع الحبال التي تشدنا الى الارضيات، ونمسك من كل قلوبنا "حبل النجاة الوحيد" يسوع المسيح الذي يقود حياتنا الى الابدية، لانه هو وحده الطريق والحق والحياة.

نقرأ كذلك في سفر يشوع 18:2، ان الرجلان اوصيا راحاب ان تربط الحبل من خيوط القرمز في الكوة التي انزلتهما منها، وان تجمع في البيت اباها وامها واخوتها وسائر بيت ابيها.

اليست هذه شهادة اخرى وعلامة عن صليب المسيح ودم حمل الله الذي رفع خطية العالم؟ الحبل ربط من خيوط القرمز، وهذا يذكرنا بما قاله الرب على فم اشعياء النبي 18:1، هلم نتحاجج يقول الرب، ان كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج، لان دم يسوع المسيح حمل الله يطهرنا من كل خطية، وان كان حبل من خيوط القرمز، قد انقذ راحاب الزانية وعائلتها بالكامل، فكم بالحري دم ابن الله يسوع يخلصنا نحن وعائلاتنا واحبائنا، من شر هذا العالم ومن الخطية المحيطة بنا بسهولة، لان الذي وعد هو امين وصادق، لكي يخلص كل من يؤمن وجميع اهل بيته.

اخيرًا اخوتي، تأملنا كيف تمجد الله في حياة اختنا راحاب، وخلصها واهل بيتها وضمها الى شعبه ولكن ليس فقط! فنقرأ في انجيل متى 5:1، كيف اكرم الله ايمان راحاب الزانية، وكيف انها تزوجت من سلمون، ومحى الله عار صباها، ووهبها ثمرة البطن، واي ثمرة بطن!!!

فمن نسل هذه "الزانية" وُلِد بوعز، وبوعز هذا هو الذي نقرأ عنه في كتاب راعوث 21:4 انه انجب عوبيد، وعوبيد ولد يسى، ويسى ولد داود الملك. ونعلم جميعنا ان ربنا ومخلصنا يسوع المسيح جاء من نسل الملك داود، حفيد راحاب الامرأة الاممية، فما اعظم الهنا الحبيب الذي يخلص الى التمام ويكرم الذين يكرمونه، ويجعل من زانية قديسة وبطلة ايمان، ويقدس نسلها كما يقدسنا نحن الى يومنا هذا، شعب قد افتداه بدمه الكريم، له الكرامة والمجد الى الابد، آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا