عندما غزا سرجون السامرة عام 722 ق.م. سبي من سكانها 27280 شخصًا. وترك بعض السكان الأصليين، وإذ وجد أنهم متمردون دبّر خطة يقتل بها وطنتيهم الثائرة، فنقل شعبًا من بابل وحماة والعربية إلى السامرة (2 ملوك 17: 24) وصار هؤلاء هم السامريين، وظلوا يمارسون عباداتهم التي اعتادوها قبل المجيء إلى السامرة.

وعندما كثرت الوحوش بالأرض بسبب قلة الناس نتيجة للحروب، أرسلوا يستغيثون بملك آشور، الذي أرسل إليهم أحد الكهنة ليعلمهم فرائض إله الأرض وجاء الكاهن وسكن في بيت إيل. على أن الكاهن لم يقدر أن يجعلهم يتركون عبادات أصنامهم، فظلوا يمارسون عبادة الله كما في أسفار موسى الخمسة، كما يمارسون عبادة الأصنام (2 ملوك 17: 25 - 33)، إلى أن ثار اليهود على عبادة الأصنام (2 أخبار 34: 6 و7) فتناقصت تلك العبادة. وتطور عداء بين السامريين واليهود، وذلك عندما نجَس أنطيوخس أبيفانيس هيكل أورشليم بتقديم خنزيرة على مذبحه، وقد أعلن السامريون أنهم لا ينتمون إلى الأصل اليهودي أبدًا، وكرسوا هيكلهم على جبل جرزيم هيكلًا للإله زفس حامي الغرباء. في عام 6 ق.م ألقى بعض السامريين عظامًا نجسة في هيكل أورشليم، فصار اليهودي يستنكف من أن ينجس شفتيه بنطق كلمة "سامري"، وكان يحسب طعام السامري نجسًا كلحم الخنزير. وهكذا كان العداء مستحكمًا بين اليهود والسامريين، ولم يكن اليهود يسمحون بأي علاقة اجتماعية أو دينية مع السامريين. وفي زمن المسيح لم تكن عقائدهم اللاهوتية تختلف عن عقائد اليهود وخصوصًا عقائد الصدوقيين منهم، وكانوا مثلهم ينتظرون "المسيا" على أنهم لم يقبلوا من العهد القديم إلا أسفار موسى. قد قبل السامريون رسالة المسيح بعد أن رأوا الآيات العظيمة على يد فيلبس، كما أن المسيحية اتسعت لقبولهم، بخلاف الديانة اليهودية الضيقة، لكن إقبالهم كان ضعيفًا. لا تزال هناك جماعة قليلة من السامريين تقيم في نابلس (شكيم القديمة) وحولها. وهم يصعدون إلى جبلهم جرزيم ثلاث مرات في السنة، في عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال، ويعيّدون الأعياد الموسويّة، ويذبحون ذبائح دمويّة في عيد الفصح (مُلخّص عن قاموس الكتاب المقدس).

في تأمل ودراسة مختصرة للآيات المذكورة عن السامريون في الكتاب بهدف المساهمة في فهم أفضل لاختيار الرّبّ يسوع لشخصية السامري كشخصية مركزية إيجابية في حدث أليم وبإطار مجتمع أنانيّ. يذكر العهد القديم اسم السامريين مرة واحدة حيث يذكر حضور كاهن من السبي بأمر ملك آشور ليعلم الشعب الذي سباه الملك واحضره إلى السامر بدل شعب الأرض الذي سُبِي إلى بابل "فَأَتَى وَاحِدٌ مِنَ الْكَهَنَةِ الَّذِينَ سَبَوْهُمْ مِنَ السَّامِرَةِ، وَسَكَنَ فِي بَيْتِ إِيلَ وَعَلَّمَهُمْ كَيْفَ يَتَّقُونَ الرَّبَّ. فَكَانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ تَعْمَلُ آلِهَتَهَا وَوَضَعُوهَا فِي بُيُوتِ الْمُرْتَفَعَاتِ الَّتِي عَمِلَهَا السَّامِرِيُّونَ، كُلُّ أُمَّةٍ فِي مُدُنِهَا الَّتِي سَكَنَتْ فِيهَا" (2ملوك 17: 28-29). ويذكر العهد الجديد كلمة سامري ومشتقاتها تسع مرات، فقد أرسل الرّبّ يسوع الاثني عشر أولًا لبيت اسرائيل وطلب منهم التركيز على المهمة وعدم دخول مدن الأمم والسامريين "هؤُلاَءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: «إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ" (متى 10: 5-6). ثمّ في المرحلة التالية افتقد السامريين ولكنهم رفضوه بسبب اتجاهه للصعود إلى أورشليم "وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: «يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟» فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: «لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ فالنَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ» (لوقا 9: 51-56).

ومباشرة مع رفض أهل قرية السامريين المذكور في لوقا 9 نجد الرّبّ يسوع يستخدم ويوضح فكرة القريب لمعلم يهودي من خلال عمل إنسان سامريّ "وَلكِنَّ سَامِرِيًّا مُسَافِرًا جَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ، فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا، وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُق وَاعْتَنَى بِهِ..." (لوقا 10: 33-35). ثم في لوقا 17 يمدح الرّبّ السامري الذي شُفِيَ من بَرَصه، فمع أن اليهود اعتبروه غريب الجنس، إلا أنه كان الوحيد من بين عشرة البُرص الذي رجع شاكرًا للرّبّ لأجل الشفاء وساجدًا معترفًا بفضل عمله عليه "فَوَاحِدٌ مِنْهُمْ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ شُفِيَ، رَجَعَ يُمَجِّدُ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ شَاكِرًا لَهُ، وَكَانَ سَامِرِيًّا" (لوقا 17: 15-16). ثم يخصص الرّبّ يسوع لقاء مع المرأة السامرية التي أتعبتها خطاياها، فيقول الكتاب "وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ" (يوحنا 4: 4)، فليست الطريق هي التي اضطرته إذ كان بإمكانه اتباع طريق أخرى، إنما هذه النفس هي التي استوقفته إذ رآها بروح لاهوته فطلب خيرها وخلاصنا بالبحث عنها ومقابلتها بناسوته ״فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ״. (يوحنا 4: 9)، وبعد حوارها مع يسوع عرفت أنه هو بذاته ماء الحياة وربّها، فصارت أول مُبشّرة سامرية، فحملت البشارة لك أهل القرية السامريين واتت بهم للمسيح "فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ: «قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ، فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدًّا بِسَبَبِ كَلاَمِهِ" (يوحنا 4: 39-41).

ونجد أن اليهود حين واجههم ووبخ سطحية بل عدم إيمانهم، وتحداهم بنقاوته وطهره وبرّه، قاموا بشتمه واهانته، وقد لقبوه سامريًا كوصف يعبّر عن كبريائهم واحتقارهم للسامريين "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ. لِذلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ اللهِ». فَأَجَاب الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا: إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ، لكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي. أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ» (يوحنا 8: 42-51). لقد نقض الرّبّ شتمهم واتهامهم له بـ "شيطان" لعجز موقفهم، وفي المُقابل لم يعلّق على شتمهم له بـ "سامري"، وذلك لأن الجميع يعرفون أصله اليهوديّ كما أنه لم يعتبر كلمة سامريّ بالنسبة له "شتيمة" وإن اعتاد اليهود استخدامها لتحقير الأخرين، إذ أحبّ الجميع. وبعد صعود الرّبّ تابع الرسل والتلاميذ تبشير السامريين، فنجد الشماس فيليبس يبشر أهل السامرة "فَانْحَدَرَ فِيلُبُّسُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ وَكَانَ يَكْرِزُ لَهُمْ بِالْمَسِيح" (أعمال 8: 5)، ثم يهتم الرسّل بإرسال بطرس ويوحنا للسامرة ليبشرا قرى كثيرة للسامريين "ثُمَّ إِنَّهُمَا بَعْدَ مَا شَهِدَا وَتَكَلَّمَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَبَشَّرَا قُرىً كَثِيرَةً لِلسَّامِرِيِّينَ" (أعمال 8: 25).

تؤكد هذه الآيات الكتابية محبة الرّبّ يسوع المسيح للجميع، وأن البشارة السارة ليست حصرًا على مجموعة ما، وأن الرّبّ لا يُميز بين الشعوب والنفوس، أنما جاء لخلاص كل من يؤمن به "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، والى معرفة الحق يقبلون. لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الانسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع..." (1 تيموثاوس 2: 3- 7).

يتبع تأمل في شخصية السامري الصالح

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا