من العقائد التي يهمل ذكرها عند الحديث عن مبادئ الاصلاح الانجيلي، عقيدة "المجد لله وحده". فمع أن هذه العقيدة كانت من صلب لاهوت المصلحين وتعاليمهم وممارساتهم، الا أن أهمال ذكرها ربما يرجع، لأنه تم اضافتها على مبادئ الاصلاح فقط منذ نصف قرن، أي عام 1965 بواسطة اللاهوتي يوهان باتيست ماتز. والجدير بالذكر، ان المصلحين الانجيليين في القرن السادس عشر، لم يجلسوا ويتفقوا على تبويب وتصنيف المبادئ التي لخّصت تعاليمهم (الايمان وحده، النعمة وحدها، الكتاب المقدس وحده، يسوع وحده والمجد لله وحده)، لكن التبويب والتصنيف تحقق في القرن العشرين. 

ان عقيدة "المجد لله وحده"، هي حجر الزاوية لكل اللاهوت الانجيلي المصلح. انها الصمغ الذي يلصق ويمسك المبادئ الاصلاحية الاخرى، بترابط متبادل، وتضع كل عقيدة في مكانها المناسب. هذه العقيدة هي الشريان، الذي ينقل الدم الى باقي االعقائد. ان ما يميز عقيدة "المجد لله وحده" عن باقي العقائد الاصلاحية الاربعة، أن هذه العقيدة لم تكن موضوع جدال ونقاش مع الكنيسة الكاثوليكية، كباقي العقائد. لا في الماضي ولا اليوم. والكنيسة الرومانية لم تنتقد تعليم عقيدة "المجد لله وحده". كما فعلت مع باقي العقائد. والمجمع الفاتيكاني الثاني، أكد في اجتماعاته في منتصف القرن العشرين، أن الله وحده يستحق كل المجد. لكن اثارة المصلحين لهذه العقيدة، كان دافعها، رؤيتهم أن بعض الممارسات والعبادات، في القرون الوسطى، أنقصت الى حد بعيد من مجد الله. لهذا كان على المصلحين أن يؤكدوا، على أنه في كل ما نقوم به، يجب أن نقدم المجد لله وحده.

هناك ركيزتان، ارتكز عليهما المصلحون الانجيليون، شكّلتا ايمانهم وتعليمهم، بأن المجد لله وحده. 

الركيزة الأولى، تنحدر من قناعة المصلحين الانجيليين، وبعد قراءتهم للكتاب المقدس، بأن الطبيعة البشرية، سقطت وفسدت بسبب الخطية. وعليه، فالبشر غير قادرين أن يرضوا الله بأنفسهم، ويجمعوا استحقاقات لهم أمامه. فعمل روح الله، بالنعمة وحدها بواسطة الايمان وحده، هما وحدهما قادران، أن يخرجا الانسان من حالته الفاسدة، ويعيدا صورة الله فيه. لهذا، ووسط سيادة بعض فلسفات القرون الوسطى، التي أكدت على المجد البشري وقدرة الانسان من خلال ذكائه وقدراته على معرفة مجد الله. ووسط انتشار الممارسات والعبادات التي شدّدت على شفاعات القديسين والملائكة ومثيلها التي قلّلت من شأن مجد الله، وأرجعت بعض المجد لهم. نادى المصلحون الانجيليون، على أن الانسان الذي اختبر الايمان، وتبرّر وتغيّر بواسطة عمل نعمة الله وحدها، بواسطة الايمان وحده، عليه أن يرفع كل المجد لله وحده. 

الركيزة الثانية، شهادات الأنبياء والرسل القديسين عن الله في الكتاب المقدس. لقد قرأ المصلحون، ما قاله الله، في سفر اشعياء النبي، "أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات" (أشعياء 42: 8(. كما وجدوا أن الانبياء والرسل، شدّدوا على كون الله هو مصدر وجودهم وحياتهم. لهذا فان أي شيء يقومون به، يجب أن يكون من أجل مجد الله وحده. فالرسول بولس مثلا، دائما ابتدأ مع الله وانتهى مع الله. فهو قال لكنيسة رومية، "لأن منه وبه وله كل الاشياء، له المجد الى الابد. آمين." (رومية 11: 36). كما قال لأعضاء كنيسة كورنثوس، "فاذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئا، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1كورنثوس 10: 31) اما الرسول بطرس، فقد قال لأعضاء الكنيسة، "ان كان يتكلم أحد فكأقوال الله. وان كان يخدم أحد، فكأنه من قوة يمنحها الله، لكي يتمجد الله في كل شيء بيسوع المسيح، الذي له المجد والسطان الى أبد الابدين. آمين." (1بطرس 4: 11).

اعتقد المصلحون، أن البشر لا يستحقوا المجد الذي أعطاه الله لهم بنعمته. لهذا على الانسان الا يتبجّح في اعماله الحسنة، ولكن عليه أن يمجّد الله وحده، خالق ومقدس الناس ومصدر أعمالهم الصالحة. فالله ليس وسيلة من اجل غاية بل هو الوسيلة والغاية. قال كلفن لن نقدر أن نعطي المجد لله، قبل ان نتخلى عن مجدنا بشكل كامل. فالمختارون يبررهم الله بالنعمة والايمان. كيما يجدوا كل المجد فيه وليس باحد آخر. لهذا يجب أن نحافظ على مجد الله بشكل كامل وغير مجتزء. وأن نكون مدفوعين للعمل والخدمة بدافع مجد الله وحده، وليس مجدنا الشخصي. هذا المبدأ الانجيلي، "المجد لله وحده" طبّقه الموسيقي الانجيلي الشهير يوهان سيباستيان باخ، ليعلن للناس بأن كل انتاجاته وسمفونياته العظيمة، التي لا تزال تعزف حتى اليوم، لا يرجع الفضل فيها الى نفسه، ولكن لله وحده. لهذا فانه في نهاية كل سيمفونية، كان يكتب بالأحرف اللاتينية Soli Deo Gloria والتي تعني المجد الله وحده.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا