الحرية في المسيحية

بدايةً، مهم جدا ان نميز بين تعبيرين: المسيحية الاسمية (او: التقليدية) بمختلف تيّاراتها، وبين المسيحية الكتابية. الطوائف التقليدية وضعت لنفسها قوانين، طقوس وممارسات ملزمة. هذا النهج لا يعطي اتباعها حرية مسيحية حقيقية. بينما، التعليم الكتابي في الانجيل يَهب المؤمن حريةً حقيقيةً مع انها قد تبدو للإنسان العادي "عبودية"!

لذلك، هذا البحث سيحاول تسليط الضوء على المعنى الحقيقي للحرية المسيحية بناء على الإنجيل. في لُبّ الموضوع سنتطرق للسؤال: هل المسيحية تعطي حرية لاتباعها؟ ام انها تسلبهم حريتهم!

لا بد ان نسأل: ما معنى الحرية؟ ما معنى ان يكون الانسان حرا؟ هل الانسان الذي يفعل ما يشاء وقتما يشاء هو انسان حر؟
هناك من يعرف الحرية على انها إمكانية الفرد على إتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة، دون أي الزام أو ضغط خارجي. وللحرية اوجه كثيرة: الحرية السالبة او الحرية الشخصية (وهي إمكانية إتخاذ القرار دون قيود)، الحرية الموجبة (إمكانية الإنسان ان يمارس الحرية الشخصية)، الحرية الخارجية (هي أمر اجتماعي عام وهام وله علاقة كبيرة بالظروف الاجتماعية والسياسية)، الحرية الداخلية (هي حالة فردية خاصة مرتبطة بإمكانيات الفرد الداخلية)، الحرية الفردية (هي حرية قول وإبداء وجهات النظر الخاصة والرأي واختيار مكان العيش والعمل وما شابه)، الحرية الاجتماعية (حرية المجتمع كاملا)، وهكذا.

وهناك حرية الارادة، التي تعني: قدرة الإنسان على التقرير والاختيار وانتخاب الإمكانية من عدة إمكانيات موجودة وممكنة. وهذا يتضمن قدرة الإنسان على اختيار وتعيين حياته الخاصة ورسمها.
 
انا لست مشغول بابداء رأي شخصي عن التيارات الفلسفية للحرية الإنسانية، لكنني اقول ان جميعها لم تستطع ان تضمن للإنسان تحريراً حقيقياً من ضغوطات الحياة ومن مخاوف المستقبل. على خلاف ذلك فان المسيحية الكتابية تضمن للإنسان حريته الحقيقية فيعيش في فرح وراحة، وله مطلق الحرية ليصنع كل ما هو خير له. 
هيا نوضح الفكرة كتابيا.

تعليم الانجيل في هذا السياق يتعامل مع الانسان الطبيعي ليس بمنعزل عن ضعفاته واحتياجاته. لأنه ما المنفعة ان قلت لإنسان ما ان له مطلق الحرية ان يطير في الجو وهو عديم الجناحين؟ او ما المنفعة ان قلت لإنسان اعمى ان له الحرية في التنزه في مكان ما؟ وعلى نفس المقياس اقول: ما المنفعة ان اعطي حرية لإنسان له عيون ولكنه لا يميز بين ما يراه؟ في جميع هذه الحالات الحرية ليست هي في "الحقيقة" حرية!

الرب يسوع المسيح يقول في الانجيل مخاطبا اناس يظنون انهم احرار انهم في الحقيقة عبيد لانهم يفعلون ما تملي عليهم الطبيعة البشرية التي يولدون معها (يو 8 : 34). هذه الطبيعة تملي على الانسان ان يفعل الخطية، مثل: الكذب، السرقة، الكبرياء، الشتيمة، اهانة الآخرين، الضرب او القتل وما الى ذلك. كل انسان صادق مع نفسه لا بد ان يعترف انه لا يستطيع ان يسيطر على ميول الطبيعة البشرية فيه مع انه يحاول ان يتحرر منها!

بولس الرسول يكتب في رسالة رومية 7 : 18 "لان الارادة حاضرة عندي، واما ان افعل الحسنى فلست أجد"! بمعنى، يوجد في داخل الانسان قوة تشده لفعل الشر وهي المهيمنة عليه، لذلك حتى وان اراد ان يفعل ما هو حسن وصالح فانه لا يستطيع!

انا على علم ان كثيرين يعترضون على هذه الفكرة من نحو قدرة الانسان ان يصنع ما هو صالح لنفسه او للآخرين، ولجميعهم اقول: من لا يخطأ كل يوم مرارا كثيرة؟ من يستطيع ان يعيش يوما واحدا (فقط واحداً) دون ان يفعل خطئا واحدا (فقط واحداً)؟ والاجابة: لا أحد.

بناء على الفكرة السابقة نستطيع الآن ان نستنتج ان الانسان لا يستطيع ان يكون حرا (بالحقيقة) بقواه الذاتية! لكنه يحتاج الى من يهبه ليس فقط حريةً بل ايضا القوة لتفعيل واستخدام هذه الحرية بالشكل الصحيح! وحيث ان كل الناس عندهم هذا الاحتياج، فواضح انه لا يوجد انسان يستطيع ان يهب الآخرين الحرية والقوة الذاتية لاستخدامها. فاقد الشيء كيف يعطيه؟
ماذا إذاً؟
فقط المسيحية الكتابية تهب الانسان الحرية الحقيقية. كيف؟
لتوضيح الامر اقتبس من العهد القديم موقف يحير العقل والمنطق عن العبد الذي رفض ان ينطلق الى حريته الذاتية. في ذاك الزمان كان العبد العبراني يعتبر سلعة في يد مالكِه بكل ما في كلمة "عبد" من معنى. لكن القانون في التوراة يقول انه بعد ست سنين من العبودية له الحق ان ينطلق حراً. لكن،يا للعجب، هذا العبد يجيب قائلا: "أحب سيدي وامراتي واولادي، لا اذهب حرا"! لماذا؟ والاجابة، بكل بساطة، ان هذا العبد الذي نال حريته في السنة السابعة يعلم يقيناً ان البقاء في "العبودية" مع سيده أفضل بكثير من ان يذهب "حراً" في حال سبيله! اذا قراره مبني على أمرين: ان سيده صالح، وانه هو عاجز على ان يصل الى ذات مستوى الحياة لو ذهب حراً!

نعم هذا العبد اختار ان يبقى رسميا "عبدا" عالما انه في الحقيقية يعيش رفاهية الحياة أفضل بكثير من اكتسابه لقب "انسان حر"! ولننتبه: ليس صحيحاً ان نقول في مثل هذه الحالة ان هذا العبد بقي عبداً لأنه هو الذي صنع القرار بمطلق حريته ان يبقى عبداً!

نختم فنقول: في المسيحية الكتابية، الانسان المسيحي يعترف انه عاجز عن ان يعيش الحرية الطبيعية لخيره ومنفعته بسبب الطبيعة البشرية التي تقوده لفعل الشر، ولذلك يأتي الى المسيح طالبا منه ان يهبه الحرية الحقيقية التي يحياها بقوة المسيح. من هنا نفهم ان الانسان المسيحي يختار ارادياً ان يكون طائعا للمسيح فيختبر معه الحرية والحياة الفضلى. هذا ما قاله الرب يسوع المسيح في انجيل يوحنا 8 : 36 "فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون احرار"!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا