الاول من ايار عيد العمال

تسالونيكي الثانية 6:3-16 "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا. إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا، لأَنَّنَا لَمْ نَسْلُكْ بِلاَ تَرْتِيبٍ بَيْنَكُمْ، وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلًا وَنَهَارًا، لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا. فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ أَوْصَيْنَاكُمْ بِهَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا. لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّونَ. فَمِثْلُ هَؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هَذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ، وَلَكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ. وَرَبُّ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُعْطِيكُمُ السَّلاَمَ دَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. الرَّبُّ مَعَ جَمِيعِكُمْ".

تخبرنا كتب التاريخ أن ثلث مواطني الإمبراطورية الرومانية كانوا من العبيد. فعندما كان عدد سكان الإمبراطورية 60 مليون نسمة، كان منهم 20 مليون عبدًا. وهؤلاء العبيد كانوا أدوات الإنتاج الحيّة لسادتهم من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة ومن النخبة والملاكين.

كان العمل في الفكر اليوناني القديم نشاطًا مذلًّا ومهينًا، ولذلك لم يمارس المثقفون والأغنياء والقادة والسياسيون أي عمل يدوي، وكان العبيد يقومون بكل أشكال العمل ليوفروا لسادتهم كل احتياجاتهم من طعام وشراب ولباس ومسكن وترفيه. وهذه الحقيقة تساعدنا لكي نفهم لماذا تم سحق ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس في نهاية القرن الميلادي الأوّل، وإعدام القادة بالصّلب.

أما النظرة إلى العمل في الكتاب المقدس فإنّها مختلفة تمامًا عن الفلسفة والفكر اليوناني، ولذلك اهتم شعب الله بالعمل، لأنه كان ولا يزال مصدر شرف وكرامة لمن يعمل، بل ويعتبر جزءًا أساسيًا من الإيمان والحياة الروحية. نقرأ في سفر الخروج 9:20 "سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ". أي أن الله أمر بالعمل ستة أيام من أيام الأسبوع السبعة وهذا يعادل 7,85% من كل الأسبوع. ونقرأ في سفر التكوين 19:3 قول الله لآدم: "بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ". أي أن الله أوصى الإنسان بالعمل طوال حياته، وهكذا فالعمل هو الجزء الأساسي من الحياة اليومية، فهو شكل من أشكال طاعة الله، ومصدر الدخل الكريم والنّظيف والشّريف، ووسيلة توفير الخبز وأساسيات الحياة للإنسان وللأسرة.

تمتلئ صفحات العهد القديم من الكتاب المقدّس بالوصايا والتعاليم التي يحثنا فيها الله على حياة الاجتهاد والعمل والإنتاج. ونجد في سفر الأمثال كمًّا هائلًا من الآياتِ التي تمدح الإنسان العامل والمجتهد، وتوبّخ الإنسان الكسلان. ومن الأمثلة على ذلك:

أمثال 6:6-11 "اِذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا. الَّتِي لَيْسَ لَهَا قَائِدٌ أَوْ عَرِيفٌ أَوْ مُتَسَلِّطٌ وَتُعِدُّ فِي الصَّيْفِ طَعَامَهَا وَتَجْمَعُ فِي الْحَصَادِ أَكْلَهَا. إِلَى مَتَى تَنَامُ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ؟ مَتَى تَنْهَضُ مِنْ نَوْمِكَ؟ قَلِيلُ نَوْمٍ بَعْدُ قَلِيلُ نُعَاسٍ وَطَيُّ الْيَدَيْنِ قَلِيلًا لِلرُّقُودِ فَيَأْتِي فَقْرُكَ كَسَاعٍ وَعَوَزُكَ كَغَازٍ!".
4:10-5 "اَلْعَامِلُ بِيَدٍ رَخْوَةٍ يَفْتَقِرُ أَمَّا يَدُ الْمُجْتَهِدِينَ فَتُغْنِي. مَنْ يَجْمَعُ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ ابْنٌ عَاقِلٌ وَمَنْ يَنَامُ فِي الْحَصَادِ فَهُوَ ابْنٌ مُخْزٍ".
11:12 "مَنْ يَشْتَغِلُ بِحَقْلِهِ يَشْبَعُ خُبْزًا أَمَّا تَابِعُ الْبَطَّالِينَ فَهُوَ عَدِيمُ الْفَهْمِ".
27:12 "الرَّخَاوَةُ لاَ تَمْسِكُ صَيْدًا أَمَّا ثَرْوَةُ الإِنْسَانِ الْكَرِيمَةُ فَهِيَ الاِجْتِهَادُ".
4:13 "نَفْسُ الْكَسْلاَنِ تَشْتَهِي وَلاَ شَيْءَ لَهَا وَنَفْسُ الْمُجْتَهِدِينَ تَسْمَنُ".
15:19 "اَلْكَسَلُ يُلْقِي فِي السُّبَاتِ وَالنَّفْسُ الْمُتَرَاخِيَةُ تَجُوعُ".
4:20 "اَلْكَسْلاَنُ لاَ يَحْرُثُ بِسَبَبِ الشِّتَاءِ فَيَسْتَعْطِي فِي الْحَصَادِ وَلاَ يُعْطَى".
13:20 "لاَ تُحِبَّ النَّوْمَ لِئَلاَّ تَفْتَقِرَ. افْتَحْ عَيْنَيْكَ تَشْبَعْ خُبْزًا".
25:21 "شَهْوَةُ الْكَسْلاَنِ تَقْتُلُهُ لأَنَّ يَدَيْهِ تَأْبَيَانِ الشُّغْلَ".
19:28 "اَلْمُشْتَغِلُ بِأَرْضِهِ يَشْبَعُ خُبْزًا وَتَابِعُ الْبَطَّالِينَ يَشْبَعُ فَقْرًا".
13:31 صفات المرأة الفاضلة "تَطْلُبُ صُوفًا وَكَتَّانًا وَتَشْتَغِلُ بِيَدَيْنِ رَاضِيَتَيْنِ".
17:31 "تُنَطِّقُ حَقَوَيْهَا بِالْقُوَّةِ وَتُشَدِّدُ ذِرَاعَيْهَا".
27:31 "لاَ تَأْكُلُ خُبْزَ الْكَسَلِ".
وفي سفر الجامعة 18:10 "بِالْكَسَلِ الْكَثِيرِ يَهْبِطُ السَّقْفُ وَبِتَدَلِّي الْيَدَيْنِ يَكِفُ الْبَيْتُ".
6:11 "فِي الصَّبَاحِ ازْرَعْ زَرْعَكَ وَفِي الْمَسَاءِ لاَ تَرْخِ يَدَكَ".

كيف يستجيب الله لنا عندما نصلي قائلين: "خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ"؟ (متّى 11:6). علماً بأنّ الرّب يسوع هو الّذي طلب منّا أن نصلّي بحسب هذه الكلمات. أجل: عندما نصلّي ونطلب خبزنا وطعامنا من الله، كيف نحصل عليه؟ هل بجلوسنا في البيت بدون عمل؟ أم بواسطة صكٍّ يأتي في البريد؟ أو بتحويلة ماليّة عن طريق أحد البنوك؟ أو بواسطة عطايا وصدقات وإحساناتٍ من الناس؟ أجل كيف يستجيب الله هذه الصلاة؟ وللرد أقول بكل بساطة بأن الله يستجيب طلبنا للخبز اليومي عندما يعطينا الصحة في الجسد والحكمة والفرص للعمل لتحصيل ما نحتاجه من المال لشراء الخبز وكل أنواع الطعام. يستجيب الله لصلواتنا من خلال عملنا وتعبنا، وليس من عرق وتعب الآخرين. أي أنّ الله في الإنجيل المقدس يعلمنا أن استغلال النّاس واضطهادهم وأكل تعبهم هو عمل ضد مشيئة الله.

في الفقرة التي نتأمل بها في رسالة تسالونيكي الثانية 6:3-16 يتحدث بولس الرسول، وبوحي من الله، عن موضوع العمل باجتهاد من أجل القدرة على الحياة. ويكتب في الآية رقم 6 قائلًا "ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا". في قوله "أَخَذَهُ مِنَّا". يشير بولس الرسول إلى تعليمه لهم عندما كان عندهم في تسالونيكي.

عندما نقرأ عن سَفَرات بولس الرسول في سفر أعمال الرسل، نجد أنه خلال رحلته التبشيرية الثانية، ذهب ومعه سيلا إلى تسالونيكي وذلك بعد أن طلب منهما حكّام مدينة فيلبي مغادرتها. وأسس بولس وسيلا في تسالونيكي كنيسةً حيّة نتيجة لإيمان كثير من الناس (راجع أعمال الرسل 38:16-4:17). وهناك عَلَّمَ بولس المؤمنين الجدد العديد من عقائد الإيمان المسيحي، بما فيها عقيدة عودة المسيح ثانية إلى الأرض. وبناء على هذا التعليم، وخصوصًا المتعلّقة بالمجيء الثّاني وعودة الرّب يسوع، توقف بعض الناس عن العمل بحجة ألّا فائدة ترجى من العمل ما دام الرب يسوع سيرجع في وقت قريب. أي أن هؤلاء الناس توقفوا عن العمل وعن الزرع وعن الحصاد أو أي عمل آخر من أجل تأمين معيشتهم، وهنا نشأت المشكلة. فهؤلاء الناس سريعًا ما جاعوا وتحوّلوا إلى فقراء. وعندما حدث هذا، ابتدأ هؤلاء المؤمنين العاطلين عن العمل يعتمدون على غيرهم من المؤمنين الذين تابعوا حياتهم بشكل اعتيادي واجتهدوا وعملوا لتأمين مصدر رزقهم. وهكذا كتب بولس إلى الكنيسة في تسالونيكي في كل من رسالتيه الأولى والثانية محذرًا إياهم من عدم العمل والاتّكال على الآخرين.

إن الإنسان الذي لا يعمل هو في الواقع إنسانٌ كسولٌ ومتطفلٌ يعيش من تعب الآخرين. إنّه عبءٌ على الآخرين ويعيش بطريقة مناقضة ومخالفة بشكل فاضح للوصيّة الرابعة من الوصايا العشر التي يأمرنا الله فيها أن نعمل ونجتهد في الحياة.

حتى ربنا يسوع المسيح له كل المجد اجتهد وعمل خلال حياته على الأرض. فقد عمل في النجارة حتى أصبح ابن ثلاثين سنة. أي أن رب الأرباب وملك الملوك وخالق الكون أعطانا أعظم مثل في حياة العمل والإنتاج ما دمنا أحياء على الأرض.

وبولس الرسول كان مواطنًا رومانيًا من أسرة غنية ومقتدرة، وتعلم حتّى مراحل متقدمة، ومع ذلك احترف مهنة صناعة الخيام حتى يوفّر لنفسه دخلًا شريفًا للحياة دون أن يثقل على كاهل الآخرين.

نقرأ في رسالة بولس الأولى إلى كنيسة تسالونيكي 11:4-12 قوله: "وَأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ، لِكَيْ تَسْلُكُوا بِلِيَاقَةٍ عِنْدَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ، وَلاَ تَكُونَ لَكُمْ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ". يتضح لنا من هذه القراءة، أن المؤمنين في كنيسة تسالونيكي كانوا يتحركون ويتصرفون بالمشاعر والعواطف والانفعالات معتبرين ذلك دلالة على روحانياتهم العالية، لذلك يطلب إليهم بولس أن يهدأوا ويستقرّوا ويفكّروا بمنطق، ويجتهدوا في العمل كما سبق وأوصاهم عندما كان معهم، لأن ذلك سيؤدي حتمًا إلى كسب ثقة واحترام الناس لهم، كذلك سيؤدي إلى حصولهم على حاجاتهم المعيشية دون التطفل على الآخرين أو الاحتياج إلى الغير في تسديد مطالب الحياة المختلفة.

وبالرغم من هذا التحذير الواضح والحازم، رفض أهل تسالونيكي الاستماع إلى هذا التوجيه الرسولي من بولس، لذلك كتب إليهم بولس الرّسول مرة ثانية بعد عدة أشهر، محذرًا الذين لا يعملون بكلمات مباشرة وصريحة، وداعيًا إياهم إلى حياة الاجتهاد والعمل.

نقرأ في الآية 6 أن بولس الرّسول يوصيهم باسم ربنا يسوع المسيح، أي بسلطان رب الكون ورئيس الكنيسة. والفعل "نوصيكم" في الأصل اليوناني يستخدم في إصدار الوصايا من شخص يتمتّع بسلطة عليا إلى أشخاص تحت إمرته، أي أن بولس هنا يأمرهم بسلطان الرب يسوع المسيح. فالكلمة ليست مجرد نصيحة أو اقتراح أو مشورة، بل أمرًا إلهيًّا إلى الأخوة المجتهدين أن يتجنبّوا الكسالى الذين لا يطيعون تعليم الإنجيل. فالرب يريد نظامًا وترتيبًا في كنيسته. إنه يريد أن يكون الأخوة والأخوات عاملين باجتهاد ومنتجين.

يقدم بولس الرسول في الآيات 9-7 نفسه كمثالٍ على حياة العمل والاجتهاد. فقد سبق له وكتب في رسالته الأولى إليهم في 9:2 "فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا كَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ". وها هو الآن يذكر أنه بالرغم من خدمته للإنجيل، إلا أنه عمل نهارًا وليلًا حتى لا يكون عبئًا في احتياجاته على أي إنسان، بل أكل خبزه بعرق جبينه.

أي أن بولس الرسول المتعلم والمثقف واللاهوتي العظيم، والمواطن اليوناني الحر، والرّاباي اليهودي المعتبر، ورسول الرب يسوع إلى الأمم، هذا الإنسان لم يتأفف من العمل اليدوي، بل صنع خيامًا وباجتهاد ليلًا ونهارًا ليكون قدوة صالحة للمؤمنين، حتى يعملوا ويجتهدوا ويكونوا مثالًا وقدوة لغيرهم في الكنيسة وخارجها.

نقرأ في سفر أعمال الرسل 3:18، أنه عندما كان بولس في مدينة كورنثوس، سكن في بيت أكيلا وزوجته بريسكيلا "وَلِكَوْنِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِمَا أَقَامَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ يَعْمَلُ لأَنَّهُمَا كَانَا فِي صِنَاعَتِهِمَا خِيَامِيَّيْنِ". ونفس الشيء في مدينة أفسس كما نقرأ في أعمال 33:20-34 "فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ". أيضًا كورنثوس الثانية 27:11 "فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ. فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ. فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ".

كان من حق بولس الرّسول أن يحصل على كلِّ ما يحتاجه من أموال، فلقد كان خادمًا مكرّسًا للإنجيل، ومع ذلك لم يستخدم هذا الحق، بل اشتغل وكدّ لتأمين حاجاته اليومية، وقد أشار بولس إلى هذه الحقيقة في تسالونيكي الثانية 9:3 في قوله "لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا". 

إن كنا مسيحيين ونؤمن حقًا بالإنجيل، فإن علينا أن نكون مجتهدين في العمل، كما كان ربّنا يسوع في أيّام تجسده، وكما كان كلّ رجال ونساء الله. علينا أن نعمل وننتج ونسدد احتياجاتنا، وبدلًا من أن نكون من الذين يأخذون من الغير، علينا أن نكون من الذين يعطون الآخرين من المحتاجين.

يعود بولس الرسول في الآية رقم 10 إلى تذكير المؤمنين بما أوصاهم عندما كان معهم: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا". توضح هذه الكلمات، بكلِّ قوةٍ ووضوح، الأهمية القصوى التي يضعها الله على العمل. فالإنسان المحترم هو من يعمل ويأكل من عرق جبينه، أما الذي لا يريد أن يعمل، فلا يستحق أن يأكل، فهو إنسان كسول واستغلالي ويعيش من تعب الآخرين. من الجدير بالملاحظة هنا التّشديد على الإرادة والموقف من العمل. فالقضيّة لا تتعلق بوجود أو عدم وجود عمل، بل بإرادة الإنسان وموقفه من العمل. فهل يريد أن يعمل ويأكل من عرق جبينه، أم يريد أن يستغلّ غيره من النّاس ويعيش من تعبهم.

يتحدث بولس الرسول في الآيتين 11-12 عما سمعه عن قومٍ أي جماعةٍ أو عددٍ كبيرٍ من المؤمنين في كنيسة تسالونيكي. والسّؤال هو: ما الذي سمعه عنهم؟ والجواب كما جاء في الآيتين هو أنّه سمع عن ثلاثة أمور سلبية:

1. يسلكون بينكم بلا ترتيب.
2. لا يشتغلون شيئًا.
3. فضوليون.

المشكلة هنا أن هؤلاء القوم كانوا في الكنيسة، فهم يسلكون "بينكم" أي أن الكنيسة كانت متساهلة جدًا مع هؤلاء القوم الذين يعيشون بلا ترتيب. أي حياة فوضى وتشويش، حياة لا تمجد الله وتجلب سمعة ردية وعارًا على كنيسة الرب يسوع. هؤلاء الناس كانوا كسالى ولا يشتغلون شيئًا. وواضح من سياق الكلمات أن عدم شغلهم كان بسبب خطية في قلوبهم، وبسبب أنهم كانوا أشخاصًا بطّالين وليس بسبب انعدام فرص العمل. وقد أدى عدم اجتهادهم في العمل إلى فقرهم، فأصبحوا فضوليين ويعتمدون على بقية أعضاء الكنيسة في تأمين مصدر حياتهم اليومية.

لذلك قال بولس الرّسول في الآية رقم 12 أن مثل هؤلاء نوصيهم ونعظهم، أي يصدر إليهم الأوامر مع الوعظ والنصح والإرشاد والتشجيع، أن يشتغلوا بهدوء. فالذي يعمل لا يملأ الدنيا ضجيجًا وتبجحًا بأنه إنسان عامل ومجتهد ومنتج، لأنه يجب أن يكون العمل أمرًا طبيعيًا وعاديًا في حياة المؤمن. ونتيجة العمل سيكون هنالك دخلٌ كافٍ حتى يأكلوا خبز أنفسهم لا خبز وطعام غيرهم من الناس.

علينا الحذر في أوضاعنا وحياتنا وعلاقتنا المسيحية مع النّاس الذين لا يعملون. ففي كثير من الأحيان يكون عدم عملهم نابع من ضعف في الصحة أو عدم توفر مصادر وأماكن للعمل، ومثل هؤلاء يجب العناية بهم وخدمتهم من قبل الكنيسة. لذلك تابع بولس كلامه في الآية 13 "أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ". فعمل الخير هو واحد من أهم ثمار الإيمان بشخص الرب يسوع المسيح، وعلينا كمسيحيين أن نعمل الخير، فالمحتاجون كثيرون في كنائسنا وفي بلادنا، تمامًا كما نقرأ في غلاطية 9:6-10 "فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. فَإِذًا حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلاَ سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَانِ".

يعيد بولس الرسول في الآية رقم 14 نفس طلبه في الآية رقم 6 وهو عدم الشركة مع الكسالى الممتنعين عن العمل، بل وضع علامة "سِمَة" أنهم كسالى وبطّالون، ولكنه في الآية 15 يُذَكِّر الكنيسة أن هؤلاء الناس ليسوا أعداء للكنيسة، بل هم أخوة لديهم ضعفات وبحاجة إلى الإنذار والوعظ والتأديب، لذلك قال: "وَلَكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ". 

لنسأل أنفسنا في الكنيسة: كيف ننظر إلى العمل؟ كيف نربي أولادنا؟ وهل نشجعهم على العمل ونجتهد في تعليمهم مهنة محترمة يعيشون من ورائها؟ أم نغرقهم بالعطايا والمشتريات مثل أحدث الألعاب الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر والخلوي وندللهم لدرجة نجعل منهم أشخاصًا اتّكاليين وكسالى؟!

كان المؤمنون في مدينة تسالونيكي يمرون في حالة هوس روحي: المسيح على الأبواب، قد يأتي الآن أو أية لحظة، لن نعمل، لن ندرس، فقط سننتظر مجيئه. لقد فقدوا القدرة على التفكير المنطقي. لذلك علينا أن نحذر من مثل هذا التفكير، بل نعيش حياتنا بإيمان وسلام واجتهاد، لنكون حارّين في الروح وحارّين في العمل.

إن وصية الله بلسان بولس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا". هي أفضل علاج للإنسان البطّال. فإن لم يأكل لمدة يومين أو ثلاثة، سنراه يركض باحثًا عن عمل ليجد دخلًا يستخدمه في سد جوعه. كذلك عندما يراجع أفراد الكنيسة طبيعة شركتهم وعلاقاتهم مع الذي لا يعمل، فإنّ ذلك الإنسان سيبدأ في التساؤل عن وضعه وأسلوب حياته، وسيعمل بالتأكيد على التغيير بسبب العار الذي سيملأ شعوره وكيانه.

علينا جميعًا أن نجتهد في أعمالنا. علينا أن نأكل من عرق جبيننا وليس من تعب غيرنا. على الطالب أن يدرس بجد واجتهاد لِيُحَصِّل أفضل النتائج التي تقوده إلى النجاح ومن ثم إلى العمل الكريم. فالعمل يحتاج إلى مهارة، والوظيفة تحتاج إلى معرفة ودراسة. والله يريدنا أن نعمل لنحصل على هذه المهارة والمعرفة.

في الواقع إن كثيرًا من المؤمنين يجلبون العار على أنفسهم وعلى غيرهم في الكنيسة لأنهم لا يشتغلون، بل يعيشون على الهبات والعطايا وكتابة رسائل كاذبة يدّعون فيها أن وقتهم مكرّس لخدمة الله ويحتاجون إلى من يدعم خدمتهم. مثل هؤلاء الأشخاص ليسوا إلّا جماعة من المنافقين والكذّابين، وهم سبب عثرة لكثيرين في المجتمع.

العمل ببساطة هو مشيئة الله، فهل نكون طائعين أم عصاة؟
اعمل واجتهد وكل من تعبك، ولا تسرق جهد الآخرين بأكلك من تعبهم.
كن قدوة لغيرك، وسبب بركة للكثيرين من حولك. 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا