يقولون المعرفة قوة، وفي اعتقادي أن القول صحيح 100%.

المعرفة قوة

كل قوة لها مقدار ولها اتجاه، إذ تُعرّف الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) القوة الفيزيائية على أنها كمية متجهة (أي لها مقدار واتجاه)، وهي مؤثر يؤثر على الأجسام فيسبب تغييرًا في حالة الجسم أو اتجاهه أو موضعه أو حركته. 

عامة كلما اكتسب شخص معرفة أكثر كلما ازدادت قوته، أي أنّه مع ارتفاع كمية المعرفة تزداد قوة الشخص، أو المجموعة أو المؤسسة. ولكن السؤال الأهم مرتبط بالاتجاه، أي: ما هو اتجاه قوة المعرفة هذه؟ هل تتجه قوة المعرفة هذه للبناء أم للهدم، للخير أم للشر.

عند ارتفاع كمية المعرفة الموجّهة قوتها في اتجاه الخير، نحصل على ربح جزيل للإنسانية جمعاء، ولكن كلما توجهت قوة المعرفة المتزايدة في اتجاه الشر ففي هذا الطامة الكبرى.

في القرون الماضية كانت المعرفة تزداد بشكل بطيء، بل بطيء جدًا، ولكن في عصرنا الحالي تزداد المعرفة بشكل لم يسبق له مثيل، فهي في تسارع مذهل. وبما أنّ حقيقة تسارع ازدياد المعرفة مذهل جدًا، فبالتالي قوتها تزداد بشكل عظيم، مما يوجب علينا ضبط اتجاهها كيلا تهدم كل ما بنيناه.

لا يمكن ضبط اتجاه المعرفة، وتوجيهها في سبيل خير البشرية، إلا بمعرفتنا الحقيقية لله، خالقنا بل خالق وضابط كل شيء، غير المحدود بزمان أو مكان، كلي القدرة والمعرفة. ليس الحديث عن زيادة معلوماتنا عن الله، بل معرفة الله معرفة شخصية، وبناء علاقة شخصية معه، أي أن تجمعنا مع الله العظيم محبة شخصية، فنتمثل بالعيش وفقًا لدعوته السامية بالمحبة للجميع، أي تقبّل كل إنسان في البشرية لأنه خلق كل إنسان على صورته، وعَمَل الرحمة والخير مع الجميع، والاعتراف الحسن بحرية كل إنسان في عبادته وعقيدته، فقد ميّز الله الانسان عن كافة الخليقة بالإرادة الحرّة الواعية.  

لقد أصاب العازف جمي هنتركس جوهر الهدف في قوله المشهور "عندما تتغلب قوة الحب على حبّ القوة سيشهد العالم السلام". وبالتالي علينا أن نوجه المعرفة في اتجاه المحبة الحقّة، فعندما تأتزر المعرفة المتزايدة في تسارعها بلباس المحبة عندها تكون البشرية بـ 1000 خير، أما إذا اكتست المعرفة الهائلة برداء محبة القوة والتسلط والعنهجية فـ "على العالم السلام". 

كل مادة يمكن استخدامها للخير أو تحويلها للشر، فالقلم على سبيل المثال لا الحصر (حاول أن تلعب هذه اللعبة الفكرية، فتختار أية مادة بشكل عشوائي، وتفحص إمكانيات استخداماتها المتنوعة، لتتأكد أنها سيف ذو حدين، وأنها قد تستخدم للخير أو للشر وفقَا لإرادة وقصد المستخدم)، يمكنك أن تستخدم القلم في الكتابة لما فيه خيرك وخير البشرية، ويمكنك استخدامه للتحريض على الشر والتشهير بالآخرين والاستهتار بهم وبحياتهم.

لقد اخترع ألفرد نوبل العالمي السويدي الديناميت (باليونانية القوة الشديدة) لاستخدامه كمادة متفجرة في ميادين المناجم وحفر الأنفاق وبناء الطرقات وهي أمور إيجابية عمومًا وتخدم المجتمع، ولكن سرعان ما تمّ توجيه هذه المادة والمواد المتفجرة التي اخترعها لاحقا لاستخدام جهات عسكرية، ليتعامل البشر بوحشية لا مثيل لها في إيذاء بعضهم البعض. وقد شعر نوبل بالندم من اختراعه للديناميت واستخدامه في مجازر عديدة، فحاول أن يعوّض البشرية من خلال تقديم جوائز نوبل لاختراعات وأبحاث في خدمة ومنفعة البشرية.

إن كانت المعرفة قوة ولها اتجاهات، فالجهل المدقع له قوة مخيفة، ولكنه للأسف الشديد يصب في اتجاه واحد، وهو الدمار والخراب، الفقر والتعاسة، العنف والحرب، الثقة العمياء بالنفس واحتقار الآخرين، الايمان الأعمى والانغلاق التام على الآخرين.

كما أنّ معرفة الإنسان لا تقاس فقط بالشهادات والتحصيل والنتائج، هكذا أيضًا الجهل، فالجهل هنا ليس عدم معرفة القراءة أو الكتابة وليس ما يسمى بالأمية، بل قد يكون الجهل ويترعرع داخل شخص لديه معرفة كبيرة، أو يتفاقم في أجواء مجموعة يدعي أفرادها المعرفة، ولكنهم يعيشون في بيئة مظلمة الفكر، لا تسمح بنور التسامح والمحبة والحوار أن يتسلسل إلى زواياها المنتنة، لئلا تتزعزع طمأنينتها الكاذبة، ووحدتها الشرسة الشريرة التي تفني بحقدها المميت أبرياء كثيرين، إذ تؤمن بأنها موكلة على الحق المطلق أو العقيدة الأصح، وبالتالي تكفّر أو تلغي الآخر، وتضع ذاتها مكان الله لتأخذ حقّه من الآخرين، أو تؤله ذاتها وعقيدتها لتسحق الآخرين بما يتوافق مع ضيق نظرها وفهمها ومحدودية أفقها.  

كلمة الله تحذرنا من الجهل والجهال "فأقول هذا وأشهد في الرّب: أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الامم أيضا ببطل ذهنهم، إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم. الذين اذ هم قد فقدوا الحس أسلموا نفوسهم للدعارة ليعملوا كل نجاسة في الطمع. وأما أنتم فلم تتعلموا المسيح هكذا، إن كنتم قد سمعتموه وعلمتم فيه كما هو حق في يسوع، أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الانسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجددوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الانسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. لذلك اطرحوا عنكم الكذب، وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه، لأننا بعضنا اعضاء البعض" (أفسس4: 17 -25).

كلمة الرّب تصف الجهل الحقيقي والجهال أصدق وأوفى وصف، فهم يسلكون ببطل ذهنهم، وفكرهم مظلم، متجنبون عن حياة الله، قلوبهم غليظة، وقد فقدوا الحس.

كل شيء تقريبًا، إن لم يكن مطلقًا، يمكن توجيه قوته للخير أو للشر، حتى الدين. فإن لم تكن محبة الله ومحبة الإنسانية هي الدافع الحقيقي للدين، فعندها يكون الدين وتكون العبادة، مجموعة معتقدات يُؤَلِهُها البشر. كما قد يستخدم البعض (وأحيانًا قد يطغى عددهم فيكونوا الأغلبية) الدين أو العبادة كمصدر قوة أو تجارة لربح المال والنفوذ والتسلط والهيمنة والاستهتار بحياة الآخرين في سبيل تمجيد أنفسهم. فلننتبه إذًا، فقد علمنا الوحي المقدس "واما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة" (1 تيموثاوس 6: 6)، كما أن كلمة الرّب تُلَخِص التقوى والعبادة الحقّة بالوصية العظيمة في عمق بساطتها، وفقَا لقول الرّب يسوع "فأجابه يسوع: ان أول كل الوصايا هي: اسمع يا اسرائيل. الرب الهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الاولى. وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصية اخرى أعظم من هاتين" (مرقس 12: 29-31). فلا يمكن أن ندّعي أننا نحب الله أن لم نحب الإنسان، أيَا كان "إن قال أحد: «أني أحب الله» وأبغض اخاه، فهو كاذب. لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره، كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟ ولنا هذه الوصية منه: أن من يحب الله يحب أخاه أيضا" (1 يوحنا 4: 20 و21).

إن كنت تريد أن تختبر قوة الله العظيمة المؤثرة والفاعلة في حياتك لحياة جديدة أفضل، حياة أبدية، ولادة جديدة، ولادة من فوق من السماء، حياة فيّاضة بالمحبة والخير، اقبل بشارة الله السارة لك، وترتيب الخلاص والفداء الحقيقي، من خلال عمل الرّب يسوع المسيح على الصليب "لأني لست استحي بإنجيل المسيح، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن: لليهودي أولا ثم لليوناني" (رومية 1: 16).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا