2017

معظمنا تعلّمنا أشياء كثيرة خلال عام 2016م، وما أكثر الأشياء التي يتعلمها الإنسان في سني حياته على الأرض. وفي عصرنا الذي ازدادت فيه منابع المعرفة بشكل مذهل، أصبح من المستحيل على الإنسان أن يتعلم كل شيء عن الشيء الواحد، فكم بالحري كل شيء عن كل شيء.

كذلك ما نتعلمه في حياتنا، وخصوصاً هذه الأيّام، هو خليط من الرائع والصالح والجيد من جهة، وكذلك الهابط والشرير والبشع من جهة أخرى. فالمعرفة حقل واسع، والذي يريد حقاً أن يتعلم، فانه يصرف حياته في العلم، وكلما تعلم الإنسان أكثر، كلما اكتشف أنه يجهل الكثير. 

ولكن، لو سألنا أنفسنا، ما هو الشيء الذي نحتاج  كأفراد وكنيسة مسيحية أن نتعلمه أكثر من أي شيء آخر؟

  • قد يقول البعض أريد أن أتعلم أكثر عن شخص الرّب يسوع.
  • أو أريد أن أتعلم أكثر عن العقائد المسيحية، مثل وحدانية الله والفداء وعن النبوّات المتعلّقة بالأيّام الاخيرة.
  • أو أريد أن أتعلم أكثر عن الكتاب المقدّس.
  • أو أريد أن أتعلم أكثر عن ديانات العالم المختلفة.
  • أو أريد أن أتعلم أكثر عما يقوله الإنجيل في أمور الحياة المختلفة مثل الولادة والخلق والزواج والمرأة والتربية والموت... الخ.

كل هذه الأشياء رائعة، ويجب أن نتعلمها. ولكننا نحتاج أن نتعلم عن شيء آخر. وما نحتاج أن نتعلمه كان جواباً من رب المجد يسوع على سؤال طرحه عليه تلاميذه في إنجيل المسيح حسب البشير لوقا 1:11-13: "وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ لَمَّا فَرَغَ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضاً تَلاَمِيذَهُ. فَقَالَ لَهُمْ: مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ وَﭐغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: مَنْ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ صَدِيقٌ وَيَمْضِي إِلَيْهِ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُولُ لَهُ: يَا صَدِيقُ أَقْرِضْنِي ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ لأَنَّ صَدِيقاً لِي جَاءَنِي مِنْ سَفَرٍ وَلَيْسَ لِي مَا أُقَدِّمُ لَهُ. فَيُجِيبَ ذَلِكَ مِنْ دَاخِلٍ وَيَقُولَ: لاَ تُزْعِجْنِي! اَلْبَابُ مُغْلَقٌ الآنَ وَأَوْلاَدِي مَعِي فِي الْفِرَاشِ. لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَقُومَ وَأُعْطِيَكَ. أَقُولُ لَكُمْ: وَإِنْ كَانَ لاَ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ لِكَوْنِهِ صَدِيقَهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِ لَجَاجَتِهِ يَقُومُ وَيُعْطِيهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اسْأَلُوا تُعْطَوْا. اطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. فَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ أَبٌ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزاً أَفَيُعْطِيهِ حَجَراً؟ أَوْ سَمَكَةً أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟ أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَباً؟ فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ".

في القصة التي بين أيدينا، أراد واحد من تلاميذ الرّب يسوع أن يتعلم شيئاً فريداً ورائعاً ومميزاً: أراد أن يتعلم أن يصلِّي. وفي الحقيقة، إن هذا الطلب المبارك من ذلك التلميذ يضرب في قلب أعظم خطية يرتكبها المسيحيون في أيامنا، وهي خطية قلة أو حتى عدم الصلاة. فالحياة المسيحية بدون الصلاة تصبح طقوساً وأعمالاً ميتةً وحياةً غير مثمرة. لذلك شعر هذا التلميذ إلى حاجته لتعلم الصلاة الشخصية والعملية والمثابِرة. أراد أن تصبح حياته حياة صلاة. وكانت حاجته لتعلم الصلاة صادرة من قلبٍ جائعٍ إلى علاقةٍ يوميّةٍ وثيقةٍ مع الله، وما طلبه كان ولا يزال يعتبر من أعظم حاجات الإنسان في الوجود.

لا أكشف سرّاً إن قلت أن كنائسنا المسيحية مصابة بأنواع كثيرة من الخطايا والشرور ضد الله وضد الناس. فهنالك خطايا الثرثرة باللسان، وخطايا الإهمال وعدم الأمانة، وخطية عدم قراءة الكتاب المقدّس كل يوم، وخطية عدم التبشير وعدم مشاركة الإنجيل مع الآخرين، وخطية الخمول الروحي، وخطية التدين المزيف وعدم العيش بقداسة كل يوم. ولكن أكبر خطية يرتكبها كثيرون من المؤمنين المسيحيين في أيامنا هي خطيّة قلة الصلاة، أو حتّى عدم الصلاة نهائياً.

لا بد أن التلميذ الذي طلب من الرّب يسوع أن يعلمه الصلاة قد تأثر من حياة الصلاة التي كان الرّب يسوع المسيح يعيشها. كذلك لا بد وأن هذا التلميذ قد لاحظ كيف أن الرّب يسوع في أيّام تجسّده كان يقضي الليل كله في الصَّلاة، واشتعل قلبه بغيرة مقدّسة إلى أن يتعلم الصلاة.

إذا قرأنا الآية في لوقا 1:11 بتمعّن: "وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ لَمَّا فَرَغَ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضاً تَلاَمِيذَهُ"، سنجد أن التلميذ قد طلب من الرّب يسوع أن يتعلم الصلاة بعد أن رأى الرّب يسوع يصلي، وكيف أنه بعد أن فرغ الرّب من صلاته، جاء هذا التلميذ يسأل الرّب أن يعلمه ويعلم بقية التلاميذ أن يصلون.

دعونا نلاحظ سؤال هذا التلميذ عن قرب، فهو لم يقل: "يا ربُّ علمنا كيف نصلِّي" ولكنه سأل قائلاً: "يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ"، والواقع أن الفرق كبيرٌ جداً بين السؤالين. فسؤاله ليس عن كيفية الصلاة بل عن ممارسة الصلاة عملياً في حياته اليومية. فما أكثر الذين يتحدثون عن الصلاة من حيث كيفية أداؤها: أي الصلاة جلوساً أو ركوعاً أو سجوداً أو وقوفاً. أو يسألون عن مواعيد الصلاة، أو مكان الصلاة، أو عن أهمية الصلاة. ولكن ما أقل الذين يعيشون فعلاً حياة الصلاة، كذلك ما أقل الذين لديهم رغبة قلبية صادقة واشتياق حقيقي لأن يلتقوا دائماً مع الرّب، وأن يدخلوا إلى قدس الأقداس، ويرفعوا صلاتهم إلى عرش النعمة.

والسؤال الذي الذي علينا أن نجيب عليه هو: لماذا نحتاج أن نتعلم الصلاة؟ ولماذا نصلي أصلاً؟ 

للإجابة على هذا السّؤال سأقدم هنا ثلاثة إجابات أساسية:

1. يا ربُّ علمنا أن نصلي، لأننا أذنبنا وأخطأنا إليك بعدم الصلاة، أو نمارس الصلاة فقط في مناسبات متباعدة: ما أكثر المحاضرات والعظات والدروس التي تُقدم عن الصلاة. فكثيرون من المسيحيين يتحدثون عن معنى الصلاة، وعن أهمية الصلاة، وعن أنواع الصلاة، ولكنهم لا يُصَلُّون. فلو أجرينا إحصائية في كنائس بلادنا، بما في ذلك الكنائس الإنجيلية، عن عدد الذين يصرفون يومياً ما معدله ربع ساعة في الصلاة من أجل الكنيسة والبلاد، أو من أجل نهضة روحية، أو من أجل خلاص النفوس، أو من أجل حاجات معينة بالضبط، فإننا سنجد أن عدد هؤلاء المصلّيين لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

إن قلة الصلاة، أو عدم الصلاة، هو لعنة على المسيحيين، ولعنة على الكنيسة، وسقوط فظيع لرعاة الكنائس، ومصدر حزن وألم للروح القدس. إن عدم الصلاة يعني ببساطة وقف بركات الله، وعدم اختبار أي نهضة روحية في حياة المؤمن، وبالتالي في حياة الكنيسة.

إن عدم الصلاة يعني ببساطة أيضاً عصيان أو رفض وصية الرّب يسوع له المجد الذي أمرنا قائلاً في لوقا 1:18 "أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ"، ففي كلمات الرّب هنا، نجد أن الصلاة ليست موضوع اختيار شخصي، بل هي أمر رباني مباشر، حيث قال بوضوح: "ينبغي"، أي يجب على الكنيسة، أي على جماعة المؤمنين، أن يُصلُّوا كل حين وبلا مَلَل. هذا الكلام يعني ببساطة أن على المؤمن الحقيقي أن يصلي دائماً، أي ليس فقط إذا طلَبَ مِنه راعي الكنيسة. وكذلك على المؤمن أن يصلي ليس فقط عندما يستطيع ذلك، أو عندما يشعر برغبة بالصلاة، أو عندما يحتاج إلى شيء معين، أي حاجة مؤقتة من الرّب، بل على المؤمن المسيحي الحقيقي أن يجعل الصلاة الجزء الرئيسي والأساسي في حياته اليوميَّة.

لنواجه الواقع

  • يمل المؤمن من الصلاة، ولكنه لا يمل من الثرثرة.
  • يمل المؤمن من الصلاة، ولكنه لا يمل من مشاهدة التلفزيون.
  • يمل المؤمن من الصلاة، ولكنه لا يمل من الحفلات، ومن الطعام، ومن السهر، ومن الملابس، وحتّى من حياة اللهو والعبث. 

إنه واقع مؤلم، نمل من الصلاة، ولا نمل أو نتأفف من أمور الحياة الأُخرى. وفي المرَّات التي قد يصلي بها النَّاس، يقومون بذلك بسرعة كواجب وضع عليهم، وسريعاً ما يعودون إلى أمور حياتهم اليومية وكأن حملاً ثقيلاً قد سقط عن أكتافهم.

نقرأ في تسالونيكي الأولى 17:5 "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ"، وأيضاً في كولوسي 2:4 "وَاظِبُوا عَلَى الصَّلاَةِ سَاهِرِينَ فِيهَا بِالشُّكْرِ". أي أن الأمر هنا في غاية الدقة والوضوح. علينا أن نصلي بلا انقطاع. علينا أن نصلي دائماً. وأمام هذا الأمر القاطع والحازم، يظهر موقفاً نقديّاً أو حتّى ساخراً من غير المؤمنين أو من أتباع ديانات العالم أو من المؤمن الضعيف أو المؤمن الذي لا يعرف كيف يصلي بلا انقطاع، ولسان حالههم يقول: وكيف أصلي بلا انقطاع؟ هل أركع وأصلي 24ساعة يومياً، وهل أتوقف عن الذهاب إلى العمل أو المدرسة؟ وهل أمضي حياتي في غرفتي أو في الكنيسة أصلي!؟ 

ما هو قصد الله عندما أمرنا قائلاً: "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ"؟ الصلاة بلا انقطاع تعني ببساطة أن يكون قلب وعقل وروح ووجدان المؤمن كل حين مع الرّب. فعندما أكون في الطريق إلى العمل أو المدرسة أو السوق، يلهج قلبي بمجد الرّب، وأصلي لمن أراهم في الطريق كي يلمس الرّب حياتهم ويقودهم إلى الخلاص. وفي مكان العمل، أعمل من كل قلبي وبأمانة كاملة، وروحي مشتاقة إلى الرّب وإلى حضوره في حياتي وحياة زملائي في العمل. وفي مدرستي أو جامعتي، أدرس باجتهاد وعمق، وأقوم بواجباتي بدون غش ونقل من الغير، وأصلي طالباً من الرّب أن يقوّيني على الدّراسة بأمانة واجتهاد، واطلب النّجاح لنفسي ولغيري من النّاس.

الصلاة كل حين تعني أيضاً أن يكون لدي العطف والاهتمام والمحبة الحقيقية لكل من يضعهم الرّب في طريقي. هي أن أخرج عن التفكير بالذات، وأتشفع أمام الرّب من أجل كنيستي، وراعي كنيستي، وأعضاء كنيستي. الصلاة كل حين تعني أن أتحنن على النّاس المشتتين والضائعين كغنم بلا راعٍ، وأن اطلب من الله أن يقودهم إلى ينابيع التوبة والخلاص والحياة الأبدية.

نحتاج في كنائسنا أن نصلي هذه الصلاة للرب: "يا رب، علمنا أن نصلِّي"، لأن الرّب أمرنا أن نصلي، ولأن النفوس الهالكة، أي الذين يعيشون بدون أن يقبلوا الرّب يسوع مخلصاً لحياتهم، يحتاجون إلى صلواتنا، وحتى لم يدركوا بعد هذه الحاجة. صحيح أن هنالك الكثيرين من النّاس الّذين يدركون فاعلية الصلاة، ولكنّهم يطلبون من رجال ونساء الله أن يصلوا من أجلهم، مع أنهم أنفسهم لا يصلون. نحتاج أن نصلي كل حين حتّى نرى الله يعمل بقوّة في التّاريخ، لكي يتوقف العنف والقتل والظّلم وسفك الدّماء وسقوط أعداد هائلة من الأشخاص في مستنقع الرّذيلة والفساد والنّجاسة بأبشع وأقذر صورها. نحتاج أن نصلي لكي تسود المحبّة والسّلام والعدل بين النّاس. نحتاج أن نصلي لكي نعيش حياة مقدّسة ومرضيّة أمام الله والنّاس.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا