لوقا 5:1-25 "كَانَ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ مَلِكِ الْيَهُودِيَّةِ كَاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ وَاسْمُهَا أليصابات. وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرّب وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ إِذْ كَانَتْ أليصابات عَاقِراً. وَكَانَا كِلاَهُمَا مُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَيَّامِهِمَا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَكْهَنُ فِي نَوْبَةِ فِرْقَتِهِ أَمَامَ اللهِ حَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرّب وَيُبَخِّرَ. وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجاً وَقْتَ الْبَخُورِ. فَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرّب وَاقِفاً عَنْ يَمِينِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ. فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ. فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ وَامْرَأَتُكَ أليصابات سَتَلِدُ لَكَ ابْناً وَتُسَمِّيهِ يوحنّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيماً أَمَامَ الرّب وَخَمْراً وَمُسْكِراً لاَ يَشْرَبُ وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرّب إِلَهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْباً مُسْتَعِدّاً. فَقَالَ زَكَرِيَّا لِلْمَلاَكِ: كَيْفَ أَعْلَمُ هَذَا لأَنِّي أَنَا شَيْخٌ وَامْرَأَتِي مُتَقَدِّمَةٌ فِي أَيَّامِهَا؟ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتاً وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ. وَكَانَ الشَّعْبُ مُنْتَظِرِينَ زَكَرِيَّا وَمُتَعّجِّبِينَ مِنْ إِبْطَائِهِ فِي الْهَيْكَلِ. فَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَفَهِمُوا أَنَّهُ قَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي الْهَيْكَلِ. فَكَانَ يُومِئُ إِلَيْهِمْ وَبَقِيَ صَامِتاً. وَلَمَّا كَمِلَتْ أَيَّامُ خِدْمَتِهِ مَضَى إِلَى بَيْتِهِ. وَبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ حَبِلَتْ أليصابات امْرَأَتُهُ وَأَخْفَتْ نَفْسَهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ قَائِلَةً: هَكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرّب فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ".

كل واحد منّا له اسم يُعرف به. فأنا اسمي "بسّام"، أي كثير الابتسام، وزوجتي تدعى هيام، أي محبّة فائقة، وأطلقت أنا وزوجتي على أبنائي وبناتي أسماء لها معاني روحية عميقة. والحقيقة أنه أمر ممتع أن نعرف معنى كل اسم، مع أن الناس في أيامنا يطلقون أسماء على أبنائهم ليس بسبب معانيها ولكن لأن هذه الأسماء تبدو جميلة أو رنانة، أو لأنها تعكس اسم الجد أو الأب أو أحد الأصدقاء. كما وأننا قد نرفض أسماء معينة لأنها تطلق على أشخاص لا نحبهم أو كانوا معادين لنا، أو أنها تطلق على أشخاص لا يؤمنون مثلنا.

وفي العودة إلى الكتاب المقدس، فإننا نجد أن الصورة مختلفة تماماً. ففي العهد القديم نجد مثلاً أن للأسماء أهمية بارزة جداً، فالاسم لا يحدد هوية الشخص فقط، بل يخبرنا أيضاً ببعض الحقائق عن الشخص أو عن إله الشخص أو عن أسلوب حياة هذا الشخص. وأحياناً لم يكن الاسم يطلق على الطفل إلا بعد فترة طويلة من ولادته بحيث يتلاءم الاسم مع شخصية الطفل. كذلك نجد في الكتاب المقدس أن الله لجأ إلى تغيير أسماء أشخاص كثيرين حتى نعرفهم بشكل أفضل، ونعرف كيف كانوا وما الذي أصبحوا عليه. فمثلاً "أبرام" غيّره الله ليصبح "إبراهيم"، كذلك اسم "يعقوب" تغيّر ليصبح "إسرائيل"، و"سمعان" أصبح "بطرس" و"شاول" أصبح "بولس". لذلك فإننا نبقى في صلب الكتاب المقدس عندما نتحدّث عن الأسماء ومعانيها. ولو عدنا مثلاً إلى أسماء الأسباط، أي أبناء يعقوب الإثني عشر، سنجد أن كل أم دعت اسم كل ولد باسمه المعروف به إثر حادث معيّن أو أمل معيّن في الحياة.

قبلما نحتفل بذكرى ولادة ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح، دعونا أولاً نتأمل في القصة السابقة لقصة بشارة مريم وولادة الطفل يسوع، أي قصة البشارة بولادة السابق للرب يسوع، أي يوحنّا المعمدان، إبن زكريا وأليصابات من نسل هارون رئيس الكهنة، والقصة وردت كما نعرف في لوقا 5:1-25.

كما نقرأ هنا، نجد أن ملاك الرّب جبرائيل ظهر للكاهن العجوز زكريا في أوروشليم في هيكل الله، وأعطاه وعداً من الرّب بأن زوجته أليصابات ستحبل وستلد إبناً وتسمّيه يوحنّا. وَتَأَمُّلنا في القصة سيكون من خلال التأمل في أسماء الشخصيات الأربعة الرئيسية في القصة: زكريا وجبرائيل وأليصابات ويوحنّا، وكيف أن أسماء شخصيات القصة تبيّن بقوة مدى أمانة الله للنبوات التي سبق وأعلنها من خلال أنبيائه في العهد القديم، وكذلك أمانته في وعوده للجنس البشري، بالرغم من كل الصعوبات والعقبات.

أولاً: زكريا: الرّب (يهوه) سوف يتذكّر: في صباح أحد أيام الخريف، وداخل أبواب ساحات هيكل الله في أوروشليم، كان الكهنة يهيئون لتقدمة ذبيحة الصباح للرب القدوس، وذلك من أجل العبادة في الهيكل. وكان بين الكهنة رجلٌ متقدماً في العمر، رجل متواضع وبسيط ومختلف عن بقية الكهنة. فهو لم يكن من سكان أوروشليم، بل من سكان مدينة يهوذا (أنظر لوقا 39:1) أي "عين كارم" اليوم، بعيداً عن أورشليم القديمة. وكان زكريا الكاهن العجوز من فرقة أبيّا ، ولا بد أنه كان أكبر الكهنة سنّاً، ومع ذلك كان لا يزال يخدم الله في هيكله. 

في ذلك الصباح، وقع الاختيار على زكريا أن يقوم بشرف تقديم ذبيحة البخور للرب إلهه. والواقع أن هذه الخدمة كانت بسيطة في حد ذاتها، حيث كان على الكاهن أن يدخل لوحده إلى القسم الأوّل من الهيكل، أي القدس، وأن يضع حبيبات البخور فوق الفحم، ومن ثم يبخر القدس، حيث توجد المنارة، ومائدة خبز الوجوه ومذبح البخور. والبخور كان وما يزال يرمز لصلوات الشعب المرفوعة لله.

أثناء وجود زكريا داخل القدس، اجتمع جمهور الشعب للصلاة وقت تقديم البخور في ساحات الهيكل، وكان الجميع يتوقعون أن ينهي الكاهن زكريا خدمته ويخرج من الهيكل في أسرع وقت ممكن. أثناء دخول زكريا إلى الهيكل، لا بد وأنه ردد في نفسه بركة هارون وبنيه من الكهنة "يُبَارِكُكَ الرّب وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرّب بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرّب وَجْهَهُ عَليْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاماً". (سفر العدد 24:6-26). كذلك قد يكون قد فكّر بالقصص الكثيرة عن كهنة دخلوا الهيكل وهناك ضربهم الرّب وماتوا لأنهم كانوا خطاة ولا يستحقون دخول الهيكل. والأهم من كل هذا لا بد وأنّ زكريا كان يفكر بعظمة الله ووعوده لشعبه.

دعونا نتذكر مرة أخرى أن اسم زكريا يعني "الرّب سيتذكر". ولا بد أن رجالاً كثيرين كانوا يُسَمَّوْنَ بهذا الاسم أيامها، فهل كان هؤلاء الرجال يتأملون بهذا الاسم، ويتوقعون أن يتذكر الله وعوده بخلاص شعبه، خاصة وأنهم كانوا يعيشون في أيام صعبة وحالكة تحت حكم الرومان والملك الجبار هيرودس. هل صلّى زكريا وهو في الهيكل قائلاً: "يا رب تذكر شعبك. يا رب تذكّر وعودك. يا رب قد مضى علينا 400 سنة دون استلام رسالة من عندك. أذكر يا رب شعبك. وتعال لخلاصنا".
في هذه اللحظات المهيبة. ظهر ملاك الرّب جبرائيل للكاهن زكريا، ولا بد أن زكريا عرف بالحال أن هذا كان ملاك الرّب وليس إنسان، حيث لم يكن مسموحاً أن يدخل القدس إلا الكاهن الذي وقعت عليه القرعة ليقدم ذبيحة البخور لله. أجل ظهر ملاك الرّب، وتذكر الله شعبه، وتجسد معنى اسم زكريا بكل وضوح.

ثانياً: جبرائيل: الله عظيم أو الله جبّار: أعلن الله عن ذاته بكونه إله جبار وعظيم وقادر على كل شيء: قبل أن يظهر جبرائيل أمام الكاهن الشيخ زكريا، كان آخر ظهور له أمام دانيال في السبي في بابل، أي قبل حوالي 600 سنة، وفي ذلك الظهور أعلن جبرائيل للنبي دانيال عن توقيت الله لمجيء المسيح المخلّص إلى العالم. نقرأ في سفر دانيال 20:9-27 قول الملاك جبرائيل لدانيال: "سَبْعُونَ أُسْبُوعاً قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ وَلِيُؤْتَى بِـالْبِرِّ الأَبَدِيِّ وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ. فَاعْلَمْ وَافْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ الأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبَنَائِهَا إِلَى الْمَسِيحِ الرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَاثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعاً...". (الآيات 24، 25). وبالتأكيد حسب الشعب هذه الفترة الزمنية بكل بساطة، وبالتالي لا بد وأن كثيرين في أيام الكاهن زكريا كانوا يعرفون تماماً أن زمن وقت المسيح الموعود قد هَلَّ عليهم. فمنذ أن سمح الملك كورش بإعادة بناء أوروشليم إلى مجيء المسيح توجد فترة 69 أسبوع سنين، أي 69×7 وتعادل 483 عاماً بالضبط، وبالتالي من كان يعرف النبوة، كان يتوقع أن المسيح سيولد في ذلك الجيل من أجل إتمام النبوة.

عندما ظهر جبرائيل لدانيال في العهد القديم، خاف النبي (أنظر دانيال 17:8)، ولكن الملاك طمأنه، ونفس الشيء حصل مع زكريا، وفيما بعد حصل نفس الأمر مع القديسة مريم العذراء لوقا 30:1 "فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ". ففي معرفتنا لمعنى اسم جبرائيل، نعرف كم كان الوقوف في محضره وجهاً لوجه مثيراً للخوف، فهو ملاك يهوه العظيم والجبار.

كان ظهور جبرائيل لزكريا غريباً وغير مألوف. فلقد صمت الوحي مدة 400 سنة منذ أيام ملاخي النبي، واعتاد الناس على عدم سماع أي شيء من الله، ومع ذلك، فها هو الله يعود ويفتقد شعبه بإرسال جبرائيل الذي يعني اسمه الله جبار، وها هو جبرائيل يعلن لزكريا الكاهن العجوز أن سبب ظهوره هو أن طلبته قد سمعت من الله، وأن زوجته أليصابات ستحمل ثم تلد إبناً، وسيطلق عليه اسم يوحنّا.

في قول الملاك لزكريا أن " طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ" لا نستطيع الجزم أن طلبته كانت محصورة في إنجاب ولد أو الحصول على نسل، لأن كلام جبرائيل عن يوحنّا ارتبط بافتقاد الله لشعبه ومجيء الرّب إلى العالم، وأن يوحنّا سيتقدم أمام الرّب لكي "يهيّئ للرب شعباً مستعداً". أي أن زكريا لم يطلب من الرّب أن يعطيه إبناً فقط، بل طلب أن يكون إبنه خادماً للرب. واستجاب الرّب لطلبه، وأرسل جبرائيل، هذا الملاك الذي يظهر اسمه جبروت الله، ليعلم زكريا أن الله استجاب لصلواته، وأنه سيرزق بيوحنّا الذي سيكون السابق لمجيء الرّب لكي يهيّئ له شعباً مستعداً.

بعدما سمع زكريا لكلام الملاك، طلب برهاناً عملياً على أن ما قاله جبرائيل سوف يتم، فهو شيخ وإمرأته متقدمة في العمر. وهنا جاءه جواب الملاك في ألآيتين 19-20 "أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا. وَهَا أَنْتَ تَكُونُ صَامِتاً وَلاَ تَقْدِرُ أَنْ تَتَكَلَّمَ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ هَذَا لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ". يكشف لنا جواب الملاك جبرائيل مرة أخرى أهمية الرسالة التي جاء بها، فهو لم يكن مجرد رسول بسيط، بل هو الملاك الواقف قدام الله، أي في محضر الله الجبار، والعلامة التي أعطاها لزكريا كانت في نفس الوقت عقاباً له على عدم تصديق كلامه، بحيث أنه ضربه بالخرس، أي عدم القدرة على الكلام والنطق إلى يوم ولادة الطفل يوحنّا.

بعد هذه الكلمات الحازمة والقوية، اختفى الملاك وعاد زكريا إلى وحدته، وفقد القدرة على الكلام. ثم خرج إلى الشعب المنتظر خارج الهيكل بوجه شاحب، ولم يستطع أن يكلمهم أو يعطي البركة الختامية في الصلاة. ففهموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل.

في كثير من الحالات، إن لم يكن دائماً، نحن مثل زكريا:
*نسمع كلمة الله ووعوده ولا نصدق.
*نطلب الدليل على صدق الله، وكأن الله يقول ولا يصدق القول.
*نحتاج إلى إيمان قوي.
*قد نصلي مثل زكريا، ولكننا لا نؤمن حقاً بأن الله قادر أن يستجيب وبقوة، فهو الله الجبار والعظيم.

ثالثاً: أليصابات: هو الصيغة اليونانية للاسم العبري أليشابع والذي معناه أن الله قد أقسم أو أقسم الله، وهي إشارة إلى صدق الله وبأنه الإله الذي يوثق به. لا بد وأن أليصابات قد صدمت أكثر من زوجها زكريا من وعد الرّب له. فهي كإمرأة عجوز لا بد وأنها كانت قد وصلت مرحلة اليأس ولم تعد تتوقع أن يباركها الرّب بالبنين.

كثير من صبايا شعب الله القديم كانت تبدأ حياتها الزوجية على أمل عظيم بالإنجاب. وكانت أليصابات إمرأة من بنات رئيس الكهنة هارون أخ النّبي موسى، وزوجها كان أيضاً من نسل الكهنة، فلذلك لا بد وأنّها قد توقعت بركة مضاعفة من الرّب، ولكن ما حصلت عليه كانت لعنة مضاعفة: فهي قد حرمت من البنين، ولحقها بالتالي الإحساس بالخزي والعار لكونها عاقر، كذلك حرمت من بركة توقع أن يأتي المسيا المنتظر من نسلها. وبالتالي أن تتم وعود الله في نسلها. ولكن اسمها كان على جسمها، فهي أليصابات، أي أن الله الذي أقسم بنفسه هو إله صادق وجدير بالثقة، وبأنه سينزع عارها وسيهبها إبناً عظيماً خادماً للرب القدوس.

كان زكريا وزوجته أليصابات "بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرّب وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ". (لوقا 6:1). لقد عملا على إرضاء الله، ولم يهتما بأحاديث الناس عن عقمها وعدم إنجابهما للأولاد. كان إرضاء الله هدفهما الرئيسي في الحياة. وقد بارك الله هذا الإيمان وهذا السلوك بتعامله معهما مباشرة.

بعد عودة زكريا من خدمته في الهيكل، حبلت أليصابات وانعزلت عن العالم مدة خمسة أشهر. ولا بد أنها في تلك الفترة من حياتها أعادت تأملها وثقتها في عظمة الله وقدرته، وأنها أدركت أخيراً أن الاسم الذي تحمله لم يكن بلا معنى. فالله حقاً جدير بالثقة. الله يوفي بوعوده. لذلك نطق لسانها بعبارة الشكر للرب قائلة: "هَكَذَا قَدْ فَعَلَ بِيَ الرّب فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا نَظَرَ إِلَيَّ لِيَنْزِعَ عَارِي بَيْنَ النَّاسِ".

رابعاً: يوحنّا: وهو الصيغة اليونانية من اسم يوحنّان أو يهوحانان في العبري، ويعني يهوه حنون أو الرّب حنّان. نقرأ في لوقا 57:1-66 عن ولادة يوحنّا، وكيف أن الجيران والأقارب والأهل أطلقوا عليه اسم زكريا مثل اسم أبيه، متوقعين أن يصبح كاهناً كأبيه ويسير في نفس طريق أبناء هارون في خدمة الهيكل. ولكن أليصابات فاجأت الجميع معترضة على الاسم وقالت بحزمٍ وقوة: "لاَ بَلْ يُسَمَّى يوحنّا". (لوقا 60:1). لقد كانت عبارتها صدمة للجميع. فلا بد وأنهم قد فكروا ولو لوهلة بسيطة بأنها لا تكنّ احتراماً وتقديراً لزوجها زكريا، ولذلك رفضت أن يطلق اسمه على إبنها المولود. ولكن الحيرة والخوف ورعب الله وقع على الجميع عندما كتب زكريا على اللوح اسم "يوحنّا" لكي يسمّى به اسم الطفل المولود. أي أن ما قالته أليصابات اتفق مع الإسم الذي أعلنه الملاك جبرائيل للكاهن زكريا في الهيكل. وهكذا نستنتج بكل وضوح أن الله قد أعلن لأليصابات بالروح القدس أن تسمي الطفل المولود باسم يوحنّا كما سبق وأن أعلن ذلك لأبيه زكريا في الهيكل.

في نفس اللحظة التي كتب فيها زكريا اسم إبنه يوحنّا على اللوح، "انْفَتَحَ فَمُهُ وَلِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ وَبَارَكَ اللهَ". (لوقا 64:1). وهذا يبين ويبرهن أن اسم يوحنّا لم يكن مجرد اسم، بل اسم فيه رسالة لجميع الشعب، فالاسم يعني أن الله حنون، وحنانه هذا تجسد في عطية الطفل لرجل وزوجته متقدمين في العمر. وليس ذلك فقط، بل كما قال الملاك جبرائيل لزكريا بأن في ولادة الطفل "يَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ". (لوقا 14:1).

يجسّد اسم يوحنّا حنان وبركة الله على شعبه، فهو سيردّ كثيرين إلى الرّب، وسيهيأ الشعب لمجيء الرّب يسوع مخلّص العالم. فهو بذلك جاء ليتمم آخر نبوة في العهد القديم في ملاخي 5:4-6 "هَئَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرّب الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ". وفعلاً كان يوحنّا تجسيداً لشخصية إيليا. فكما وقف النّبي إيليا أمام الملك الشرير آخاب وزوجته الشّرّيرة إيزابل ووبّخهما على شرورهما. وقف أيضاً يوحنّا المعمدان أمام الملك الشّرّير هيرودس وزوجة أخيه هيروديا ووبّخهما على شرورهما.

كان يوحنّا آخر أنبياء العهد القديم، وقد جاء داعياً الناس إلى التّوبة والعودة إلى الله والاستعداد لمجيء الرّب يسوع مخلّص العالم. وقد رفض الكثيرون نعمة الله وحنانه أيام يوحنّا، وما يزالون يرفضون الله ونعمته وخلاصه حتى يومنا هذا. أعلن يوحنّا أن الرّب يسوع هو "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" وكثيرون اليوم ما زالوا يرفضون حمل الله ويعملون بجهودهم وقواهم الشخصية على أمل النجاة، غير عالمين أن الرّب حنّان ويريد لهم الخلاص.

*نحن نعبد الله الذي يتذكر وعوده باستمرار، لذلك تعامل مع زكريا.
*نحن نسبّح الله الجبّار والقدير... وجبرائيل حتى الآن يقف في محضر الله، ويعمل في خدمة شعب الله بقوة الله العظيم...
*نحن أبناء الله الصادق في وعوده، الله الذي أقسم بنفسه أن يتمم وعوده ويبارك شعبه... كما بارك أليصابات وجعلها تلد إبناً عظيماً خادماً للرب...
*نحن نسبّح ونعبد الله الرّب الحنّان، الذي أرسل يوحنّا داعياً الناس إلى التوبة والإيمان بحمل الله الذي يرفع خطية العالم.

هل تعود إلى الله من كل القلب؟
جاء يوحنّا المعمدان وأعد طريق الرّب، ثمّ مات، ولكن الرسالة التي جاء بها ما تزال حية: "أَعِدُّوا طَرِيقَ الرّب اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً". (لوقا 4:3).
*هل نعدّ طريق الرّب، وهل نحن مستعدون لمجيئه في المجد؟
*هل تُبْنا حقاً عن خطايانا، وأخذنا بالإيمان خلاص الرّب المجاني.
*هل ابتعدنا عن الخطية، وسلكنا أمام الله بالبر كما كان زكريا وأليصابات
*ملكنا آتٍ عن قريب، فدعونا نهيّئ أنفسنا لذلك اليوم المجيد. آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا