مقدمة: ما الذي يدفع أي إنسان أن يترك بيته، حيث الأسرة والراحة والاستقرار والأمان، ويسافر في طريق مليئة ‏بالمخاطر؟

هل السبب قصة حب؟ أم روح المغامرة والبحث عن المجهول؟ أو في سبيل المال والبحث عن الثروة؟ أم بدافع حب ‏الشهرة أو حب المعرفة؟ كل هذه الأشياء تشكل دوافع حقيقية وصحيحة، ولكن يبقى الإيمان أو العقيدة أكبر دافع ‏للإنسان لكي يترك الكثير من أمور الدنيا في سبيل قناعاته أو عقيدته.‏

ونحن نحتفل بذكرى عيد الميلاد، وفي أماكن مختلفة من العالم، نحتاج أن نسأل أنفسنا: ما الذي نحتفل من أجله؟ ما هو ‏الدافع القلبي والصادق للإحتفال؟ هل لنفرح بصاحب العيد ونرفع له ترانيمنا وتسابيحنا وصلواتنا، أم لأهدافٍ أخرى لا ‏تمجد الله. للأسف الشديد نجد أن الكثيرين في العالم، وقد يكون بعضنا منهم، يبحثون عن أمور كثيرة في عيد الميلاد، بما في ‏ذلك أمور يرفضها الله ولكنهم لا يبحثون عن صاحب الميلاد.‏

في الاحتفال بإضاءة شجرة الميلاد في بيت لحم، أي في مدينة الميلاد، وفي بيت ساحور، أي بلد الرعاة، جاء الناس بحثاً عن ‏الأضواء ورؤية الناس والملابس وسماع خطب سياسية ووطنية، ولم ينطق أحد باسم صاحب العيد، أي الرب يسوع المسيح ‏له كل المجد. وفي ما يسمى بسهرات عيد الميلاد، يغني المطربون أغانٍ أقل ما يمكن وصفها بأنها رخيصة وتافهة وساقطة وبلا ‏أي مضمون. ولا يكون لصاحب العيد أي مكان في سهرات المجون والسكر والموسيقى الهابطة والملابس غير اللائقة ‏والكلمات الماجنة.‏

على العكس من ذلك تماماً، فإن الله يريد منا أمرين أساسيين: أن نبحث عن الحق وأن نقدم الأفضل. وهذا بالضبط ما ‏حدث عندما ولد الرب يسوع المسيح قبل أكثر من ألفي سنة. يومها وجد رجال أبرار جاؤوا باحثين عن الحق، وقدموا ‏أفضل ما عندهم.‏

نتعلم من الإنجيل المقدس، وتحديداً في متى 1:2-15، عن رجال تركوا بيوتهم حيث المركز والغنى والراحة، وجاؤوا إلى بيت ‏لحم في رحلة بحث واستكشاف. ولمعرفة من هم هؤلاء الرّجال وما الذي جاؤوا يبحثون عنه، دعونا نقرأ قصتهم: "وَلَمَّا وُلِدَ ‏يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ ‏مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ ‏كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْبِ وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ ‏يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ ‏الْمَجُوسَ سِرّاً وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: ﭐذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ ‏وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ ‏يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ وَرَأَوُا الصَّبِيَّ مَعَ ‏مَرْيَمَ أُمِّهِ فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً. ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا ‏إِلَى هِيرُودُسَ انْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ. وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ ‏الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ. فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ ‏وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي". ‏

القصّة في الإنجيل المقدّس تتحدث عن مجموعة من الرجال يسمّون بـالمجوس، والقراءة تثير جملة من الأسئلة أساسية عن ‏هؤلاءالمجوس. وبصراحة أقول بأننا لا نعرف إجابات شافية لهذه الأسئلة حتى اليوم، ولكنني واثق بالرب بأننا سنعرف ‏الإجابات لها عندما نلتقي بهم في السماء مع الرب يسوع.‏

المجوس

من كان هؤلاء المجوس: الكلمة المستخدمة لوصف هؤلاء الرجال هي كلمة مجوس، وهي مأخوذة من كلمة "ماجو" ‏الفارسية والتي تعني الكاهن والعالم بالفلك. ورد ذكر المجوس في العهد القديم في إرميا 3:39و13 وفي مواقع عديدة من ‏سفر دانيال، بل أن الملك نبوخذ نصر ملك بابل أعطى النبي دانيال لقب ومكانة (كبير المجوس) أي كبير مستشاري ‏الملك.‏
في متى 1:2 الكلمة اليونانية المستخدمة هي ‏‎ μαγοι‏(ماجوي) وترجمتها العربية مجوس، وفي الترجمات الإنجليزية ترجمت ‏بعبارة ‏wise men‏ أي الحكماء. فالحديث هنا هو عن رجال حكماء وعلماء يعملون في بلاط الملوك والأباطرة ‏كمستشارين عظماء. أي أننا أمام رجال لهم مكانتهم العلمية والاعتبارية والاجتماعية، ومع ذلك أطاعوا الرسالة التي ‏عرفوها من رؤية النجم وضحّوا وخاطروا بالسّفر الطويل ليكونوا في محضر الطفل المولود، الملك العظيم.‏

كم كان عدد المجوس: من سياق القصة نستطيع أن نستنتج أن عددهم كان كبيراً نوعاً ما، ودليل ذلك هو أن ‏‏"هيرودس الملك اضطرب وجميع أوروشليم معه". فلا يعقل أن يضطرب الملك وكل سكان أوروشليم من سؤال صادر عن ‏عدد قليل من الرجال.‏

من أين جاء المجوس: على الأغلب أنهم جاءوا من بلاد فارس، أي إيران اليوم، وهي إلى الشرق من فلسطين. ‏وبالتالي فوصولهم إلى القدس كان يعني السفر في طرق صعبة، بما فيها الصحراء.‏

أسئلتنا عن المجوس مهمة، لأن الأجوبة تكشف لنا حقيقة حاجة البشرية للرب يسوع. فهؤلاء الرجال كانوا أغنياء ولهم ‏مراكزهم المرموقة والمتقدمة في مجتمعاتهم، ومع ذلك تركوا كل شيء وراءهم وجاءوا يبحثون عن يسوع. فليس صحيحاً ما ‏يقال بأن الفقراء فقط يبحثون عن الله من أجل الحصول على عزاءٍ لأوضاعهم الصعبة، بل كل إنسان بحاجة إلى الله، الرعاة ‏الفقراء والمجوس الأغنياء جاءوا إلى الرب يسوع. وكل واحد منا اليوم بحاجة أن يأتي إلى الرب يسوع، لأن عنده الشبع ‏الحقيقي والغفران والحياة الأبدية.‏

سؤال المجوس: عندما وصل المجوس الى أوروشليم، كان سؤالهم: "أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا ‏رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له". يا له من سؤال مثير وملفت وآسر للعقول والقلوب
‏1. أين هو المولود: رأى المجوس نجم المولود في بلادهم البعيدة، وتبعوا النجم إلى أن وصلوا إلى أوروشليم، اللتي ‏كانت العاصمة السياسية والروحية لشعب الله القديم، لإنه من البديهي أن يتم البحث عن الملك في العاصمة، مدينة ‏الهيكل العظيم والقصور والأسواق. فالمجوس لم يعلموا أن الملك المولود جاء متواضعاً ووديعاً، واختار مكاناً بسيطاً جداً وفي ‏بلدة صغيرة لكي يولد فيها وهي بيت لحم.‏

كان عند المجوس إيماناً راسخاً بأن ولادة ملك اليهود قد تمت، فسؤالهم كان بلغة الواثق وليس المتشكك. وما يريدونه كان ‏مشاهدته بالعيان. لقد آمنوا وصدقوا ولادته بعقولهم وقلوبهم، وكان إيمانهم حياً، وأرادوا الآن مشاهدته بعيونهم. لقد تركوا ‏بلادهم بالإيمان على رجاء أن يكللوا رحلتهم بالعيان. وعلى مدى التاريخ، نجد أن رجال ونساء الإيمان كانوا مستعدين ‏للتضحيات من أجل عقائدهم. وكثيرون قد بدأوا رحلتهم مع الله بالإيمان، ومشتاقين إلى رؤيته بالعيان، ورؤيته تحتاج إلى نقاء ‏القلب، لأن الرب قد وعد بأن أنقياء القلب سينظرون إلى الرب وسيشاهدونه بعيونهم.‏
الإيمان هو مفتاح العلاقة مع الله، لأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله كما نقرأ في عبرانيين 6:11 "وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ ‏يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ". ‏

‏2. ملك اليهود: سؤالهم يدل على ثقة بأنه يوجد طفل قد ولد، وأن هذا الطفل ليس مثل بقية الناس، بل هو ملك. ‏نعم ملك. أجل يسوع هو ملك، وليس أي ملك، بل هو ملك الملوك ورب الأرباب. هو ملك الحياة. ملك الوجود.هو ‏ملك ورب كل من يطلبه في أي مكان وزمان.‏

‏3. رأينا نجمه: النجم بالنسبة للمجوس كان الدليل الواقعي والعملي على ولادة الرب يسوع. فالنجم لم يكن أي نجم، ‏بل نجمة، والضمير المتصل هنا، أي حرف الهاء، تعود إلى الطفل يسوع، أي الملك المولود. ان الله القدير خصص نجماً ‏وحرّكه ليكون هادياّ في الطريق الى الباحثين عن رب المجد يسوع.‏

‏4. وأتينا لنسجد له: عرف المجوس هدفهم حتى قبل بداية رحلتهم، أرادوا أن يجدوا الملك المولود ليقدموا له حقه ‏من العبادة والسجود. لاحظوا معي أن الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي بروسكونيساي ‏προσκυνησαι‏ وتعني ‏سجود العبادة والصلاة.‏
يشتمل السجود دائماً على التضحية، وكان المجوس مستعدين لمثل هذه التضحية. فقد ضحوا براحتهم واستقرارهم ‏وسافروا مسافات طويلة في الصحاري والوهاد والهضاب من أجل أن يلتقوا بالملك المولود يسوع المسيح له كل المجد.‏

العبادة المجانية لا قيمة لها، فالمجوس أولاً ضحوا براحتهم في بلادهم، ثم ضحوا في تحملهم لمشاق السفر الطويل وتكاليفه ‏وخطورته.  وهذا يتفق مع كلمة الله في صموئيل الثاني 24:24 حيث يقول الملك والنبي داود بوحي من الله "... لاَ أُصْعِدُ ‏لِلرَّبِّ إِلَهِي مُحْرَقَاتٍ مَجَّانِيَّةً...". ونقرأ في رسالة رومية 1:12 "فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ‏ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ". أي أن أعظم هدية وأعظم تقدمة يمكن لأي واحد منا أن يقدمها لله ‏هي الأنا، هي الذات. هي أن تقول لله: أملك على حياتي وعلى نفسي. أنا لست لذاتي بل لمن خلقني وصورني ودفع ثمن ‏خطاياي بدمه الطاهر على الصليب.‏
إسأل نفسك: ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته؟ الله يريدك أنت. الله يريد قلبك، فهو القائل: أعطني قلبك. الله يريدك ‏أن تسير معه، وأن تبتعد عن الشر وطرقه الكثيرة، وأن تسير مع الله في طرقه الصالحة والمقدسة.‏

معاني هدايا المجوس: توجد رموز جوهرية في الهدايا التي قدمها المجوس
الذهب يرمز إلى مجد وملكوت المسيح. وهو عطية أو هدية تقدم للملوك، ويرمز للغنى والثروة. أي أن هدية الذهب تليق ‏تماماً برب المجد. فالله يستحق أن نقدم له أغلى ما عندنا.‏

اللبان يرمز إلى لاهوت المسيح، فهو الله المتجسد. واللبان عادة يقدم كعطية للكاهن كي يرفعه لله.أي أن هذه الهدية تشير ‏إلى كهنوت الرب يسوع ولاهوته. فالرب يسوع هو الله الذي نقدم له البخور الذي يرمز لعبادة الناس لربهم وخالقهم ‏وإلههم. اللبان عبارة عن عصير شجرة يجفف ويصبح قاسياً حتى يستخدم بخوراً في عبادة الله. وعصارة قلوبنا هي محبة الله ‏والصلاة لشخصه القدوس، فهو يستحق أفضل ما يمكن أن يخرج من قلوبنا وعقولنا، أي أن نعبده بالروح والحق.‏

المر يرمز إلى ناسوت المسيح، فالرب يسوع جاء بصورة إنسان ليموت على الصليب من أجل خطايانا. المر عطية تقدم ‏للموتى، وقد ذكرت الكلمة 22 مرة في الكتاب المقدس وتشير إلى طيب أو عطر له رائحة زكية كان يستخدم في دهن ‏وتكفين الموتى. وهذه إشارة إلى حقيقة تمت لاحقاً عندما مات الرب يسوع المسيح على الصليب لفداء البشرية جمعاء ‏والتكفير عن خطايا العالم.‏

حكمة المجوس: عرفنا أن أحد معاني كلمة المجوس هي الحكماء، والسؤال هنا: أين نجد الحكمة في قصة المجوس؟
في تأملنا لقصة المجوس في الإنجيل المقدس، نجد أن حكمة المجوس قد تجسدت أولاً في قرارهم السفر بحثاً عن يسوع. فلقد ‏أدركوا أن الله يعمل حتى من خلال حركة النجوم في الفضاء. وبدأوا رحلتهم في البحث عن الملك المولود دون معرفة ‏الكثير من التفاصيل. وتجسدت حكمتهم ثانياً في سجودهم وعبادتهم وصلاتهم للطفل المولود، أي أنهم أدركوا أنهم كانوا في ‏محضر الله المتجسد، الله الذي خلق الإنسان والقادر أن يأخذ أيضاً صورة إنسان بدافع من محبته لهذا الإنسان. كذلك ‏ظهرت حكمة المجوس في عطائهم وتقدماتهم الثمينة للملك: فقد فتحوا كنوزهم وقدموا له الذهب واللبان أي البخور والمر ‏أي الطيب أو العطور. وأخيراً ظهرت حكمة المجوس في طاعتهم لوحي الله وعدم رجوعهم إلى الملك هيرودس الذي كان ‏يخطط لقتل الطفل المولود. كانت طاعة الله بالنسبة لهم أعظم وأهم من طاعة ملكٍ أرضي، وكأن لسان حالهم يقول: "ينبغي ‏أي يطاع الله أكثر من الناس".‏

واليوم ينظر الله إلينا متوقعاً منا أن نقتدي بحكمة المجوس: ما نعرفه اليوم عن الرّب يسوع يفوق جداً ما عرفه المجوس، ورغم ‏معرفتهم المتواضعة جاؤوا باحثين عنه. وبحثهم يتحدانا بقوّة: هل نبحث عن يسوع المخلص، أم نقتنع بما نحن عليه. إن ‏أموال العالم وديانات العالم وكل مباهج العالم لا قيمة لها مقابل معرفة الله الحقيقي الذي تجسد في شخص الطفل المولود، ‏يسوع المسيح. الله يريدنا أن نأتي إلى يسوع، فهو ملك الحياة، وأن نسجد له بخشوع مقدمين له قلوبنا وحياتنا، ومن ثم ‏نكمل طريق حياتنا في السير حسب إرشاده ووصاياه وليس حسب وصايا الناس.‏

ما هي بعض الدروس التي نتعلمها من المجوس:‏

‏1. يعمل الله في التاريخ والعالم حتى تصل بشارة الإنجيل إلى كل إنسان مهما كان بعيداً عنه: استخدم الله نجماً سماوياً لإرشاد ‏المجوس في بلاد فارس إلى الملك والمخلص الوحيد الرب يسوع المسيح. فالله يحب كل إنسان مهما كانت الأمة أو العرق أو ‏الشعب الذي ينتمي إليه. فالله يريد أن يعرفه الجميع حتى يخرجوا من ظلمة الخطية وظلمة ديانات العالم إلى نور الإنجيل.‏

كان المجوس علماء فلك، فكلمهم الله باللغة التي يفهمونها، وهي لغة النجوم. فالله يعرف كل إنسان، وهو يتوقع من ‏الكنيسة اليوم أن تخاطب العالم بلغة يفهمها العالم لكي يعرف الناس عن حق الله ومحبته لهم. في الواقع إن الله تجسد وجاء ‏إلى العالم بصورة إنسان حتى يستطيع العالم أن يفهم إرادة الله. تكلم الله بلغة الناس، وعاش حياة الناس، وكل ذلك من أجل ‏خير الناس.‏

‏2. يريد الله منا أن نطلبه باجتهاد: قطع المجوس مئات الأميال بحثاً عن الطفل المولود، وكلفتهم الرحلة المال والوقت ‏واحتمال مخاطر ومشاق السفر. وهذا درس لنا في أن نطلب الله وحقه باجتهاد ومثابرة. في حين أن علماء الشريعة في ‏القدس الذي كانوا منخرطين في ممارسة الطقوس الدينية، لم يكلفوا أنفسهم السفر عدة أميال لرؤية الطفل المولود. لقد ‏عمتهم الطقوس وحجبت عنهم رؤية الطفل يسوع، أي الله المتجسد من أجلهم. طلب الله يعني أن يكون لكل واحد منا ‏علاقة يومية مع الله، وهذه العلاقة أساسها الصلاة كل يوم وقراءة الإنجيل المقدس، والعيش بحسب وصايا الله.‏

‏3. كل واحد منا يحتاج إلى السجود للرب يسوع: عبادة الله ليست أمراً إجبارياً، بل هي امتياز واختيار نابع من إرادة حرة. ‏جاء المجوس بإرادتهم طالبين الرب يسوع ليسجدوا له ويقدموا هداياهم. الله لا يفرض علينا الصلاة والصوم، بل الله يخبرنا ‏أنه شيء رائع وامتياز عظيم أن نأتي إليه مصلين له ومقدمين له أثمن ما عندنا. نحن نعبد الله عندما نعطي عشورنا وتقدماتنا. ‏نحن نعبد الله عندما نصرف كل يوم وقتاً في الصلاة وقراءة الإنجيل. نحن نعبد الله عندما نطيع وصاياه ونحبه من كل كياننا.‏

‏4. نتعلم من المجوس الحاجة الملحة لكلمة الله حتى لا نضل الطريق: لاحظوا معي في القصة أن المجوس عرفوا عن الطفل ‏المولود من خلال نجمة في السماء، ولكنهم لم يجدوه بالضبط إلا بعد أن استمعوا لكلمة الله كما وردت في نبوة ميخا 2:5 ‏‏"أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ ‏وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ". عندما يضيع الواحد منا في مشواره في الحياة، فإنه بالتأكيد يحتاج إلى إعلان الله الجلي ‏والواضح في الكتاب المقدس. فلا تسير في حلقة مفرغة، ولا تحاول أن تجد الحلول بنفسك. اقرأ  كلمة الله وستجد الجواب ‏الشافي لسؤالك.‏

‏5. نتعلم من المجوس أن كل إنسان يستطيع أن يجد ويعرف الله الحقيقي، كما وجده المجوس الغرباء. تخيلوا معي العقبات ‏والحواجز الكثيرة التي كان على المجوس تجاوزها ليصلوا إلى يسوع: كانت أمامهم حواجز حضارية، فالمجوس جاؤوا من حضارة ‏فارسية تختلف كلياً عن حضارة شعب الله القديم. وحواجز لغوية، فقد تكلموا اللغة الفارسية في حين ان لغة شعب فلسطين ‏كانت الآرامية في الحديث والعبرانية في الصلاة وفي الكتابة. والحواجز الدينية، فقد كان المجوس من أتباع ديانة زرادشت، ‏وشعب الأرض يعرفون الله الحقيقي، والحواجز الجغرافية فقد كان على المجوس قطع مئات الأميال ليصلوا الى مرادهم. ‏بالإضافة إلى الملك الشرير هيرودس ورجال الدين غير المبالين. لم يكن الأمر سهلاً عليهم حتى يصلوا إلى يسوع، ومع ذلك ‏تخطوا كل العوائق ووجدوه. لذلك مهما كانت خلفيتك اللغوية والحضارية والدينية، اعلم ان الله يريد لك الأفضل، يريد ‏لك الحياة. أنت تستطيع أن تتحدى الصعاب وتتخطى العوائق، فخلاصك الأبدي وغفران خطاياك وحياتك الأبدية هي ‏أثمن ما في الوجود.‏

خاتمة: ماذا نستطيع اليوم أن نقدم للطفل المولود يسوع؟ عندما يولد طفل، نأخذ هدايا ونذهب للتهنئة بالمولود. فما ‏هي الهدية التي أحضرتها اليوم لمولود بيت لحم؛ هل يمكنك أن تقدم له حياتك قائلاً: تعال يا رب وطهّر قلبي من كل نجاسة ‏وشر وإثم واعطني غفران الخطايا والحياة الأبدية؟ وبعد أن تعطي حياتك لله أعطِ حياتك للآخرين: أعط الحب العملي ‏لأسرتك ولأصدقاءك ولإخوتك وأخواتك في الكنيسة، ولكل إنسان قد يضعه الله في طريقك. اخرج من قلبك كل حقد ‏وكراهية ورفض للناس، واقبل الجميع كما يقبلهم الله. فمن أنت حتى ترفض الناس الذين قبلهم الله؟! اغفر لمن أساء إليك ‏لكي يغفر لك الله. فالذي تزرعه تحصده. ازرع محبة لتحصد محبة، وازرع غفران ومسالمة لتنال غفران الله ورحمته في حياتك ‏كل يوم.‏

في الميلاد: فرح المجوس فرحاً عظيماً جداً وقدموا كنوزهم لله. لذلك إسأل نفسك اليوم: هل أريد أن أفرح اليوم بفرح ‏السّماء الدّئم أم فرح العالم الوقتي والزائل؟ تعال وقدم نفسك لله  واطلب منه أن يطهرك بدم المسيح وأن يمنحك الحياة ‏الأبدية. اطلب منه بصدق أن يدخل إلى حياتك وأن يخلق منك إنساناً جديداً.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا