​إنّ الآية من مصطلحات الكتاب المقدَّس إذ استوفى أهمّ معانيها، ما أقرّ به قاموس اللاهوت الكتابي: 1 معجزة 2 علامة. وللآية في القواميس العربيّة معان أخرى ومنها؛ عِبرة، عِبَارة، نَمُوذَج، مِثَال. وجَمْعُ الآية في العربيّة: آيٌ وآيات. فبحسب العقيدة المسيحية؛ أنّ الكتاب المقدَّس موحًى به من الله (2 تيموثاوس 3: 16) وعلاماته الدالّة على فكر الله وعلى خطّته مع الخليقة وعلى الطريق الوحيد للوصول إليه اتّخذ كلّ منها شكل جملة، أو فقرة. ومعلوم أنّ في بعض الطُّرق علامات يُهْتَدَى بها. ومنها طريق الكتاب المقدَّس الزّاخر بالعلامات؛ علامة تلتها علامة. وعلامة مَهّدَت طريقًا ما لأخرى. وفي العهد القديم علامة ما بصيغة نبوّة قابَلَها ما تحقّق في العهد الجديد. والعلامات كلّها تدور حول محور واحد، وهو المسيح المخلِّص. وتسير باتّجاه واحد نحو هدف واحد، وهو الخلاص الذي أعدّه الله للناس بشخص يسوع المسيح، في نظام إلهي دقيق، لا عبث فيه ولا تأخير ولا نقص ولا عيب، بل منسَّق بإتقان. لذا فالكتاب المقدَّس موسوعة ضخمة من الآيات بما فيه من أخبار عن معجزات تمّ صنعها أمام شهود عيان. وبما فيه مِن علامات هادية وحِكَم سماويّة وعِبَر وشِعر وأناشيد. أمّا إطلاق كلمة "جملة" أو "عدد" على آية الكتاب المقدَّس فيَبخَس آيتَه حقَّها. ويبخس تاليًا حقَّ الكتاب المقدَّس كلِّه، بما تميَّز به عن غيره مِن المخطوطات، نظرًا لقيمته الروحيّة ولقوّة تأثيره على المتلقِّي وعلى المتلقِّية لتغيير فِكْرِ كلٍّ منهما وقلبِه إيجابيًّا. 

وقد وردت الآية بمعنى المعجزة كما هو معلوم عن معجزات المسيح. فمثالًا: بداية الآيَاتِ التي فَعَلَهَا يَسُوعُ في قانا الجَلِيل، وأَظهَرَ مَجْدَهُ، فآمَنَ بِهِ تَلامِيذُه (يوحنّا\2) وفي طلبات الرومان، مثالًا: رجاء هيرودس أنتيباس أَنْ يَرَى آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ (لوقا 23: 8) عِلمًا أنّ قول المسيح كَلِمَةً فقطْ كان كافيًا لصنع الآية-المعجزة (متّى 8: 8 و16) كما وردت الآية بهذا المعنى في العهد القديم: {اُطْلُبْ لِنفسِكَ آيَةً من الرَّبِّ إِلهِك... ولكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نفسُهُ آيَة: هَا العَذراءُ تَحْبَلُ وتَلِدُ ابْنًا وتَدعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيل}+ إشعياء\7

أمّا ورود الآية بمعنى العلامة فهو ذو بُعدَين؛ الأوّل: كلّ آية مِن صُنع يسوعُ هي في ذاتها علامة دلّتْ على قوَّة كلمة الله المتجسِّد وعلى سلطانه الإلهي. والثاني: امتداد علامات العهد القديم إلى العهد الجديد الذي أيَّدها أو أنجز المُراد بها أو نمّاها وأنضجها، فلم ينقضها لكنْ كَمَّلَها (متّى 5: 17) وإليك مثالًا؛ طلب اليهود بمَكر إلى المسيح أنْ يُرِيَهُمْ آية من السماء، أي علامة ظاهرة في الطبيعة (متّى\12 ومرقس\8 ولوقا\11) وقد سبق له أنْ قدَّم لهُمْ قبل ذلك آياتٍ فاتّهموه بأنه يُخرِج شياطين بِبَعْلَزَبُولَ رئيس الشَّيَاطين. أمّا ردُّهُ عليهم فكان: {جِيلٌ شِرِّيرٌ فاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، ولا تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلّا آيَةَ يُونانَ النَّبيّ. فكَمَا كانَ يُونانُ في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وثَلاَثَ لَيَال، هكَذا يَكُونُ ابْنُ الإِنسَانِ في قَلْب الأرضِ ثلاثةَ أَيّامٍ وثَلاثَ لَيَال}+ متّى\12 حتّى قال القدّيس باسيليوس الكبير: (أعطاهم علامة لكنْ ليست من السماء، لأنهم لم يكونوا مستحقّين رؤيتها، إنّما من أعماق الجحيم، أي علامة تجسّده ولاهوته وآلامه وتمجيده بقيامته بعد دخوله إلى الجحيم ليحرّر الذين ماتوا على رجاء) فلا أزيد على ما تفضّل به آباء الكنيسة من تأمّل وتفسير.

وأمّا العدد فهو ضروري لتمييز الأصحاحات وترقيم الآيات وضبط تسلسلها، لكنّه لغويًّا لا يعني "الآية" وإن قَصَدَها الواعظ-ة. فمِثالًا: في قول الواعظ "نقرأ في مرقس 5 والعدد 4" إشارة إلى اسم السِّفر (مرقس) ورقم الأصحاح (5) ورقم الآية (4) فالعدد يَدُلُّ عَلَى مِقدارِ الأشياء المَعدُودة فيُقال: عدد الآيات كذا وعدد السكّان كذا وهَلُمَّ جَرّا. والعَدَدُ يَدُلُّ أيضًا على ترتيب الأشياء: أَوَّل، ثان، ثالث... والعدد الذَّرِّيّ يَدُلُّ على عدد البروتونات في نواة الذرّة. وللعدد استخدامات عدّة، سواء المذكورة منها في معجم المعاني الجامع وفي غيره. ومعلوم أنّ السِّفر الرابع في التوراة مدوَّن تحت عنوان "العدد" والذي نقرأ في بدايته؛ أنّ الله كلَّف موسى النبيّ وأخاه هارون بإحصاء بني إسرائيل. وذلك في أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ.

والآن؛ نجد شعراء النَّصرانيّة من العرب، ما قبل ظهور الإسلام، قد تأثّروا بآيات الكتاب المقدَّس فذكروها باٌسمها على أنها آيات. فالآيات معروفة في اللغة العربيّة من خلال الكتاب المقدَّس. وواضح أنّ ألفاظًا مسيحية كثيرة (*) قد دخلت في شِعرهم؛ منها الآية، سواء بصيغة المفرد وبصيغة الجمع. وإليك عددًا من الأمثلة عليها:-
قال امرؤ القيس بن حجر الكندي (520 م - 565 م) على وزن بحر الطويل: 

قِفا نَبكِ مِن ذكرى حبيبٍ وعِرفانِ – ورَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنذُ أزمانِ
أتتْ حُجَجٌ بعدي عليها فأصبحتْ – كخَطّ زَبُورٍ في مصاحف رُهبانِ

عِلمًا أنّ الزَّبُور (سِفر المزامير) هو الكتابُ المَزبُورُ أي المُتقَنَة كتابتُه، والجمع: زُبُر. ومعنى السِّفر: الكتاب، وقيل: هو الكتاب الكبير، والجمع: أَسْفار (لسان العرب وغيره) أمّا "مصاحف" فهي في العربيّة جمع مَصحَف (بتثليث الميم، أي جاز فتحها والضّمّ والكسر وقيل الفتح أفصح) أي كتاب أيضًا. ومعنى صَحَّفَ: كتَبَ. و"المصاحف" أطلقها شعراء النصرانيّة ما قبل الإسلام على أسفار الكتاب المقدَّس. لكنّ كلمة "مَصحَف" حَبَشيّة الأصل.

واقتطفتُ من قصيدة لأُمَيَّة بن أبي الصَّلت التالي، على بحر الطويل، وقد نَقَلَ الشاعر عن سِفر لم تعتَرف الكنيسة بانتمائه إلى طائفة الأسفار المسيحيّة القانونيّة:

وفي دِينِكُمْ مِن رَبّ مَريمَ آيةٌ – مُنَبِّئَةٌ بالعَبدِ عِيسى بنِ مَريمِ
فقال لها: إنّي من الله آيةٌ – فعَلَّمَني واللهُ خيرُ مُعَلِّمِ
وأُرسِلتُ لمْ أُرسَلْ غَوِيًّا ولمْ أكُنْ – شَقِيًّا ولمْ أُبعَثْ بفُحْشٍ ومَأثمِ

وقد أطلق أميّة صفة العبد على المسيح من جهة الناسوت لا اللاهوت. والمسيح نفسه آية {كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنسان أَيضًا لِهذا الجِيل- لوقا 11: 30} لكنّ المسيح أعظم: {وهُوَذا أَعْظَمُ مِنْ يُونانَ ههُنا!- لوقا 11: 32} فنجد أنّ بعض آراء نصارى العرب شاذّة عن القياس الذي في الكنيسة الأصلية. وأنّ النصارى طائفة انشقّت عن الكنيسة ثمّ اندثرت. فبِئسَ المفكِّر الذي اتَّخذ من الشُّذوذ قياسًا. 
وقال أميّة أيضًا ممّا قال- على بحر الخفيف:

إنّ آياتِ ربِّنا باقياتٌ – لا يُماري فيهِنّ إلّا الكَفُورُ
خَلَقَ الليلَ والنَّهارَ فكُلٌّ – مستبينٌ حِسابُهُ مقدورُ

والتالي من قصيدة لزيد بن عمرو بن نفيل، وهي أيضًا ممّا رُوِيَ لأميّة- على بحر الطويل: 

رضيتُ بكَ اٌللهُمَّ رَبًّا فلا أرى – أدين إلهًا غيرَكَ اللهُ ثانيا
وأنت الذي مِن فضل مَنٍّ ورحمةٍ – بعثتَ إلى موسى رسولًا مناديا
فقلتَ له فاٌذهبْ وهارون فاٌدعُوَا – إلى الله فرعونَ الذي كان طاغيا
وقُولا لهُ مَن يُنبتُ الحَبَّ في الثَّرى – فيصبح منه البَقلُ يهتزّ رابيا
فأصبح منه حَبُّه في رؤوسِهِ – وفي ذاك آياتٌ لِمَنْ كان واعيا.

واقتطفت من أبيات للشاعر عَديّ بن زيد، إذ كان نصرانيًّا وترجمانًا وصاحب كتاب، ذكر فيها بدء الخليقة كما وردت في سفر التكوين- على بحر البسيط:

اِسمَعْ حديثًا لكي يومًا تجاوبَهُ – عَن ظَهْر غيبٍ إذا ما سائلٌ سَألا
أنْ كيف أبدى إلهُ الخَلق نِعمتَهُ – فينا وعَرَّفَنا آياتِهِ الأُوَلا
قضى لسِتّة أيّامٍ خلائقَهُ – وكان آخِرُها أنْ صوَّرَ الرَّجُلا

خلاصة: إنّ الكتاب المقدَّس كتاب الآيات؛ آياتُهُ موحًى به من الله. وآياته تليق بمجد الله. وتليق بجوهر الله وبطبيعته الظاهرة بشخص المسيح. وتليق بمحبته وسلامه وغفرانه ورحمته. وآياته دلّت على معجزات الله التي حصلت في الضوء، فنقلها إلى العالم كلِّه شهود عيان كما حصلت، بدون مبالغة أو مصلحة شخصية أو خوف أو إكراه. وآياته دلّت على علامات الأزمنة الأخيرة. وقد ثبت أنّ آياته علامات فارقة بين الحقّ وبين سواه، لأنّ الأمين الصادق قال: {أنا هو الطَّرِيقُ والحَقّ والحياة. ليس أَحَدٌ يأتي إلى الآب إلّا بي+ يوحنّا 14: 6} وقد شهد له يهود زمانه بما اتّصفوا به من ذكاء ودهاء وشهد له الرومان وغيرهم. وثبت أيضًا أنّ آياته مدوَّنة بأقلام الأنبياء والرسل وسائر كتبة الوحي الإلهي بإرشاد الروح القدس. وثبت أنّ لآياته قوّة تأثير سِلميّة على الفكر والقلب لتغييرهما نحو الأحسن وتاليًا نحو الخلاص الأبدي. لذا فهي جديرة بتمييزها عن غيرها، أي عن الجُمَل المدوَّنة خارج نظام الوحي الإلهي المذكور أعلى. فلا يحاولنّ أحد أن يسألني عن كتاب آخر منسوب إلى الله، لأنّ جوابي باختصار شديد هو: ادرس-ي الكتاب المقدَّس ابتداء بالعهد الجديد، فالكتاب أصبح متيسّرًا على الانترنت بلغتك، ثم قارن-ي بينه وبين كتابك، والخيار لك في النهاية والقرار أيضًا. وتاليًا؛ حين توصَف زهرة بأنها آية في الجمال فالمُراد بالوصف أنّها تميّزت عن غيرها، أي انفصلت. وأخيرًا فإنّ الإجماع على تسمية جُمَل الكتاب المقدَّس وفقراته آياتٍ بدل الأعداد أفضل في رأيي وأدقّ. أمّا العدد فلا يعني الآية، إنّما يُشار به إليها.

* * *

• راجع-ي "النصرانية وآدابها بين عرب الجاهليّة" ج2 للأب لويس شيخو اليسوعي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا