التوبة

قرأت هذا العنوان في احد الكتب المترجمة الذي يشرح كيف انه في القرن الحادي والعشرين، لم يعد بالأمر المقبول اجتماعيًا الكرازة بإنجيل يطالب بالتوبة. فما هي التوبة في الكتاب المقدس أو بالحري ما هي التوبة الحقيقية؟ تعالوا ندرس معاً ونتعلم قليلا وقد تعمدت وضع العديد من الشواهد الكتابية لمن يرغب بالرجوع إليها وصلاتي ان يعطينا الرب الفهم والإستنارة الروحية.
 
 ففي العهد الجديد هنالك ثلاث كلمات يونانية للتعبير عن التوبة:

1. التوبة بمعنى الحزن والندم

وهي كلمة " ميتاميلوماي " (Metamelomai) وتعني الإحساس بالحزن والندم فهي تدل على جانب الانفعال العاطفي من التوبة، وقد يؤدي هذا الإحساس إما إلى توبة حقيقية أو إلى مجرد الشعور بالندم (راجع مت 21 : 29 و 32، 27 : 3)، فكلنا نعرف ان يهوذا ندم بمعنى حزن، لكنه لم يندم بمعنى الرجوع عن الخطية. فالذي فعله يهوذا هو انه حزن، لكنه لم يكن رجوعا عن الخطية. وهذا ما فعله أيضاً عيسو كما هو مكتوب في الرسالة الى العبرانيين. ( عب 12: 17 ). 

2. التوبة بمعنى تغيير الفكر

وهي كلمة " ميتانو " (Metanoeo) وهي تعبر تعبيرا قويا عن التغيير الروحي الذي يحدث برجوع الخاطئ إلى الله، فالكلمة تعني : الحصول على فكر جديد أي تغيير الفكر من نحو الخطية، وتضاف " المعمودية " أحيانا إلى " التوبة " على أساس أن المعمودية هي شهادة علنية صريحة على تغيير العلاقة مع الخطية ومع الله ( راجع مر 1 : 4، لو 3 : 3، أع 13 : 24، 19 : 4 ).

3. التوبة بمعنى الرجوع

والكلمة اليونانية المستخدمة هي " ابستريفو " ( Epistrepho ) وهي كثيرا ما تستخدم في سفر الأعمال لإبراز الجانب الإيجابى من التغيير الذي تتضمنه " التوبة " في العهد الجديد، أي للدلالة على الرجوع إلى الله، ذلك الرجوع الذي يعني في جانبه السلبي التحول عن الخطية. لكن الكلمة تستخدم للدلالة على الرجوع من الخطية إلى الله ( أع 9 : 35، 1 تس 1 : 9 )، ( أع 11 : 21 )، وتأكيد للتغير (راجع أع 26: 20). للأسف في الترجمة اللاتينية، ترجمت كلمة "التوبة " بكلمتي " بونيتنيتام اجير " (Poenitentiam Agere) وتعني الآسى والحزن "و "تعذيب الذات " اكثر مما تعني تغيير الفكر أو الهدف، وهذا مما أدى إلى المفهوم الخاطئ للتوبة في الكنيسة اللاتينية، باعتبارها الحزن على الخطية اكثر منه تغيير الفكر وترك الخطية كالمفهوم الأساسي لها. 

فبالإضافة للعهد القديم وكل تحريضات الأناجيل في العهد الجديد وكذلك أقوال الرب يسوع وأقوال الرسل، كلها تؤكد أن تغيير الفكر هو المفهوم الأساسي لجميع الكلمات الأصلية المستخدمة للدلالة على التوبة.  فالمطلوب ليس الحزن على الخطية والبقاء فيها لكن تغيير الفكر مما يؤدي الى تغيير المسار. 

 في جيلنا اليوم وفي الأوساط الانجيلية بالتحديد صرنا نميل الى عدم إزعاج المؤمنين بالكلام عن التوبة وحياة القداسة والكلام الكثير عن حالة قوة وانتصار عظيمين يعيشها المؤمن دون أي جهاد روحي من جانبه واختزال الحياة الروحية بكل أبعادها واتساعها الى مجرد العبادة والتسبيح، بالإضافة الى تقديم كل ما يُحسّن صورة الإنسان أمام نفسه فصارت  الـعظات من قبيل العلاج النفسي وتطبيب الخواطر وليس تقديم فكر الله وحقه.  

كتب الدكتور هنري أيرونسايد عن التوبة:
الوعظ السطحيّ الذي لا يتمسّك بالواقع المخيف لخطيّتنا ومذنوبيتنا نحن البشر، آمرًا "جميع الناس في كلّ مكان أن يتوبوا"، لا يُسفر إلاّ عن اهتداءات سطحية. لذا عندنا اليوم عشرات الآلاف من الذين يُتقنون ادّعاء الإيمان، وكلّ هذا في غياب وجود أيّ دليل على تجديدهم. وهم في ثرثرتهم وكلامهم المهذار عن الخلاص بالنعمة، لا يُظهرون أي أثر للنعمة في حياتهم. كما أنّهم من خلال إعلانهم بالصوت العالي أنّهم مُبررون بالإيمان فقط، يفوتهم تذكّر "أن الإيمان بدون أعمال ميت"، وأنه من الضروري عدم تجاهل التبرير بالأعمال أمام الناس وكأنه يتناقض مع التبرير بالإيمان أمام الله.

نشرت مرة على صفحتي على الفيس بوك عن اهمية التوبة وكتبت:

إذا لم ينكسر القلب بسبب الخطية، فلا يمكنني أن أثق بأن هذه القلب قد تاب حقاً. فالشخص الذي لم يبكِ قط بسبب خطاياه هو إنسان لم يغتسل بعد من خطاياه.

إن الإيمان بغير توبة هو أمر يقود إلى الهلاك، كم من أناس يحبون أن يسمعوا عن الإيمان البسيط بعمل المسيح لكنهم لا يريدون أن يسمعوا عن التوبة، فالتوبة هي نغمة عتيقة، والبكاء بسبب الخطية 

والرعب نتيجة الإحساس بغضب الله، والخوف من قصاص الناموس الذي سينفّذ في الخطاة، هي أمور لا يريدون أن يسمعوا عنها. وإذا بأولئك القوم بعد سماعهم عن هذا الإيمان البسيط يتصوّرون بأنهم قد حصلوا على الراحة دون أن يحسّوا بتقريع الضمير… وأنهم قد تمتعوا بالسلام مع أنهم لم يختبروا الميلاد الجديد… وأنهم قد وصلوا إلى أرض الرجاء مع أنهم لم يمروا أمام صليب الدموع.

إن الإنسان الذي يُشفى قبل أن يجرح، والذي يُكسى قبل أن تُخلع عنه ملابسه القذرة، والذي يمتلئ قبل أن يتفرّغ هو إنسان نشك في وصول النعمة الإلهية إليه.
فاحذر - يا عزيزي القارئ - لئلا يكون إيمانك من هذا الطراز. 

في غياب أي فارق ملحوظ في السلوك، لا يمكننا الوثوق بأنّ التوبة قد حصلت فعلاً  التوبة تنطوي على استعداد – وبأكثر دقة على عزم وطيد – لنبذ العصيان والخضوع لإرادة المسيح. وعلى هذا الأساس، فإنّ التوبة الصادقة ستؤدِّي، لا محالة، إلى حصول تبديل في السلوك.

والرب معك

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا