تحت حكم العرب تحولت الارض المقدسة الى ساحة حرب بين اطراف عديدة، واصبحت عرضة لغزوات البدو الذين سرقوا وقتلوا وهجّروا الفلاحين من قراهم، سرقوا القوافل التجارية وأفسدوا الاقتصاد. العرب حوّلوا الارض المثمرة والمزدهرة بالسكان الى ارض مدمرة.

احتلال العرب للارض المقدسة

حكم العرب البلاد كقوة احتلال لمدة 400 عام، من سنة 640 الى عام 1099. معظم سكان البلاد خلال فترة حكمهم كانوا مسيحيين، معظمهم من أصل سوري آرامي. تحت حكمهم اصبحت البلاد ساحة معارك بين مختلف الاطياف، لغزوات البدو الذين سرقوا وقتلوا وهجّروا الفلاحين من قراهم، سرقوا قوافل التُجّار ودمروا الاقتصاد. العرب حوّلوا الارض المزدهرة من حيث عدد السكان الى بلاد مدمرة من ناحية اقتصادية، فهرب سكانها.

قال البروفيسور موشي شارون في محاضرته انه تحت الحكم العربي – اسلامي كان ثلاثة انتشارات لقبائل بدوية من الصحراء العربية الى ارض اسرائيل. غزوات البدو الى داخل الاراضي جلب الدمار والخراب على السكان المحليين. تمكّن البدو من غزو البلاد بسبب الاهمال في حماية الحدود وسياسة الاهمال التي ميزت غالبية النظام العربي – اسلامي، وسمحت للبدو ان تفعل بالسكان ما تشاء. (الانتشارات الثلاثة كانت تحت الحكم العثماني).

غالبية الباحثين متفقين على انه خلال الحكم الاموي لم يكن هناك اختراق كبير للبلاد. سياسة الامويين فيما يتعلق بالبدو تشكلت من قِبل الخليفة معاوية (640 – 680) وفقا للبروفيسور اسحاق حسون. "دعت السياسات الى الاستمرار في الحياة اليومية في الاراضي المحتلة التي أُودِعَت بيده، من أجل زيادة مقدار الضرائب التي جمعها، وفعل خلفائه بذات الاسلوب". القبائل البدوية التي استُخدمت من أجل القتال واستقرت في المناطق الحدودية، حصلت على مدخول من الضرائب في المناطق التي حددت من أجلهم.

في المقابل، خلال العصر العباسي والفاطمي (750 – 1099) توقفت الدفعات من الضرائب وتغلغلت القبائل البدوية الى الاراضي المقدسة ازداد تدريجيا. تغلغلهم لا يعني بالضرورة استقرارهم في البلاد. البروفيسور حسون قال "ان عملية التحوّل حصلت فقط عند سقوط سلالة الأمويين ونقل مركز العالم الاسلامي من سوريا الى العراق".

يؤكد البروفيسور موشي شارون، ان كل المصادر العربية تقر انه لفترة طويلة بعد الاحتلال العربي لم يحدث تغييرات كبيرة بالنسبة للتركيبة السكانية، وبقيت في اساسها نفس التركيبة المعروفة منذ الفترة البيزنطية. كان عدد السكان العرب في الاراضي المقدسة هامشيًا. غالبية السكان كانوا مسيحيين، ليسوا عربا، وانما من سلالة السكان الذي كانوا في ايام الاحتلال الروماني والبيزنطي. غالبيتهم كانوا سوريين آراميين وعدد قليل من الهلنستية الذين اعتنقوا المسيحية او مهاجرين - حجاج مسيحيين من اوروبا.

صرح البروفيسور شارون ان القبائل البدوية لم تتوغل بأعداد كبيرة الى غرب الاراضي المقدسة قبل العصر الفاطمي. خلال القرن الـ 10 والـ 11. البروفيسور جيل يتفق مع البروفيسور شارون بعدم حدوث تغيير كبير في تركيبة السكان. ويعتمد في جزء منه على شهادة محمد بن عبدالله المعافري من اشبيلية، الذي زار البلاد عام 1095 ميلادي وبلغ عن غالبية مسيحية في الاراضي المقدسة. اذا كان المسيحيون في نهاية الحكم الفاطمي اغلبية السكان، هذا يعني ان الوضع بقي كما هو حتى القرن الـ 7.

قال عالم الآثاء ايتمار تيكسل في محاضرة له عام 2005 "خطوط لطبيعة القرى في ارض اسرائيل بداية الفترة الاسلامية المبكرة"، في تقرير له عن المسوحات الأثرية التي اجراها وخلصت الى نتيجة "من مسح انواع المواقع والمعلومات (القليلة وغير الدقيقة) المستمدة من المسوحات، يبدو انه خلال العقود الأولى من بعد الاحتلال الاسلامي، وربما حتى نهاية القرن الـ 7، لم يكن هناك اي تغيير ملموس في القرى الريفية في ارض اسرائيل. تغييرات مباشرة وغير مباشرة في اقتصاد المنطقة والضغوطات المتزايدة من السلطات الاسلامية اسفرت من جهة اخرى وبشكل متدرج، خاصة في الجزء الثاني من العصر الأموي، الى اضعاف عدد ليس بقليل من المجتمعات الريفية، وانخافض تدريجي في حجمهم وعددهم، انخفاض اكتسب الزخم من القرن الـ 8 وما بعده".

الموجة الأولى: احتلال البلاد من قٍبل الأمويين

حكم الأمويين البلاد من سنة 640 الى 750 ميلادي، نقلوا مركز حكومتهم من شبه الجزيرة العربية الى دمشق، وارض اسرائيل كانت جزء من الامبراطوية الأموية، ولكنها لم تكن على رأس أولوياتها. الحروب بين الدولة الاموية وبين اطراف مختلفة على طول الفترة، التي تعرضت لها البلاد، اثرت في الوضع الاقتصادي للسكان المحليين، ولكن السلطة فرضت عليها زيادة في الضرائب. على كُل الكفّار فرضت ضريبة واحدة في البداية، ولكن تدريجيا تم تقسيم الضريبة الى ضريبة الجزية وضريبة الأرض (الخراج) وضريبة الكفار اهل الذمة. كانت عائدات الضرائب من الكفار مصدرا هاما للدخل بالنسبة للحكام.

بدأت الموجة الأولى في القرن السابع مع ظهور الاسلام. الجيش الاسلامي الذي جاء من شبه الجزيرة العربية الى الارض المقدسة كان من المقاتلين البدو الذين جاءوا مع عائلاتهم ومواشيهم. البروفيسور شارون يرفض الاطروحة التي تقول ان الاحتلال العربي في القرن الـ 7 جذب معه استيطان للعرب في الاراضي المقدسة.

وتطرق شارون الى عدد من الاسباب لعدم تغلغل عربي ضخم للأراضي المقدسة قبل منتصف القرن الـ 10 ميلادي:

  • الخلافة الاموية (640-750) منعت تغلغل البدو الى الاراضي المقدسة لان حكامها كانوا معنيين في الحفاظ على النظام الاداري والاقتصادي القائم، وعلى السكان المزارعين، والحكام الاقليميين الذين عينوهم بنو أمية حاولوا منع دخول القبائل البدوية للأماكن المأهولة بالسكان. السائح المسيحي اركولفوس الذي زار الارض المقدسة عام 670 ميلادي، بعد مدة قصيرة من الاحتلال العربي، وصف البلاد بانها مكتظة بالسكان المسيحيين من القدس وحتى الجليل. وقّع الحكام الامويين على معاهدة سلام مع المسيحيين واليهود ووعدوهم بالأمان، لهم ولممتلكاتهم. وأبقى الحكام الامويين المسؤولين المسيحيين لادارة النظام الادراي، واستمرت اللغة الرئيسية من أصل يوناني حتى بداية القرن الـ 8 ميلادي، والى حد ما في القرن الـ 9 ميلادي.
  • واصل جيش الاحتلال في تقدمه – المحاربون البدو لم يستوطنوا ارض اسرائيل بعد احتلالهم لها ولمناطق اخرى، لانهم كانوا قوة الاحتلال المتقدمة نحو سوريا. الجيش العربي تقدم الى الشمال باتجاه جبال طوروس، والى الشرق باتجاه ايران والى الجنوب الغربي باتجاه مصر وشمال افريقيا ومن هناك الى اسبانيا. ايضا ميخائيل آساف شدد على ان الحروب التي خاضها العرب لم تسمح لابقاء قوات للاستيطان (تاريخ الحكم العربي في ارض اسرائيل). عمل العرب على اقامة مدن في المناطق المحتلة لاستخدامها كقواعد عسكرية لينتشروا منها الى مناطق اخرى. فقط في الاراضي المقدسة لم ينشأوا مدنا للجيش. الرملة كانت المدينة الوحيدة التي اقيمت على ايدي السلطة العربية عام 711 ميلادي، تقريبا بعد 100 سنة من الاحتلال. الرملة لم تكن مركزا عسكريا وانما مركزا اداريا التي استبدلت قيصرية عاصمة منطقة فلسطينا تحت الحكم البيزنطي. ويشدد البروفيسور شارون ان العرب كانوا أقلية ضئيلة من حيث عدد سكان الرملة. العالم الجغرافي العربي اليعقوبي كتب ان السكان في الرملة كانوا مختلطين، غالبيتهم من السامريين واليهود.
  • الافضلية للعيش على حدود البلاد المسكونة – لان المحاربين البدو كانوا في تلك الفترة من التاريخ بدو رُحّل، عندما وصلوا الى البلاد لم يهتموا في العيش في المدن او في القرى او الانتقال الى حياة الاستقرار، فضلوا الحياة على أطراف البلاد بدلا من الاستيطان فيها. وقد امتنعوا من التدخل بشؤون السكان المحليين وفضلوا الحياة المتنقلة على حدود الاراضي المستقلة وليس بداخلها. وعلاوة على ذلك، المناطق المأهولة حصلت على حماية من السلطات. حتى الخلفاء الامويين أنفسهم فضلوا بناء قصورهم على الحدود الصحراوية. على سبيل مثال، قصر هشام ليس بعيدا عن اريحا. كتب البروفيسور نحميا ليفتسيون (الاسلام، مقدمة في تاريخ الدين) ان العرب فضلوا عزل انفسهم والمحافظة على القيم القبلية وأسلوب الحياة القبلية على الاستقرار في المناطق المأهولة.

واضاف حسون اسبابًا اضافية لعدم دخول القبائل البدوية الى المناطق السكنية المأهولة:

  • الخوف من الأوبئة – خشي البدو الأوبة بسبب ظهور وبئ في البلاد سنة 639 ميلادي وأدى الى مقتل اعداد كبيرة من المقاتلين (بحسب احدى النسخ وصل عدد الضحايا الى 250,000 شخص)، بما في ذلك قادة عسكريين عرب وابن عم رسول الاسلام محمد.
  • عدم توفر مساحات متاحة – الخلافة الأموية لم تنفي السكان المحليين. النبلاء والجيش البيزنطي هم من فروا من البلاد. المؤرخون يضيفون ان النخبة اليونانية المسيحية العليا في مدن الشاطئ فروا هم ايضا.

وذكر حسون ان القبائل البدوية استقرت في طبريا وبيسان فقط، لكنه عرّفهم كـ "غير العادة". كتب البروفيسور ليفتسيون ان العرب استوطنوا المدن في البيوت التي تخلى عنها سكانها من النخبة اليونانية المسيحية الذين فروا من الاحتلال الاسلامي في طبريا والقدس وغيرهم... وكتب آساف انه باتفاق الاستسلام في مدينتي طبريا وبيسان تم نقل 50% من البيوت الى ايدي العرب.
بدأت سياسة الاسلمة في اواخر القرن الـ 7 او بداية القرن الـ 8 للميلاد، وبدأ الخليفة عبد الملك (685 – 705) اعفاء المسؤولين غير المسلمين المتحدثين لليونانية وبدلهم مع متحدثي اللغة العربية، وبدأ بادخال عملات نقدية عليها كتابات عربية بدلا من العملات البيزنطية والفارسية التي كانت تستعمل حتى تلك الفترة. وايضا، بدأ في ادخال الثقافة واللغة العربية بدلا من الثقافة اليونانية المسيحية. لكن، السياسة شيء والواقع شيء اخر. السطات كانت بحاجة الى المتعلمين المسيحيين لاغراض الادارة.

في نهاية القرن 7 او بداية القرن 8 تقرّر استيطان المسلمين في المدن الساحلية، اشكلون، قيسارية، عكا وصور، لحماية البلاد من هجمات البيزنطيين من جهة البحر. قال موشي شارون في مقالته "مدن ارض اسرائيل تحت الحكم الاسلامي"، ان المحاربين البدو خافوا المياه ورفضوا السكن في المدن الساحلية بالرغم من الوعود في الحصول على عقارات واراضي، ولهذا تم جلب مسلمين فارسيين للعيش في المدن الساحلية. البروفيسور ميخائيل اساف، قال العكس تماما، أن العرب استوطنوا المدن الساحلية في البيوت التي تخلى عنها المسيحيون اليونانيون بعد فرارهم، ولكنهم حافظوا على عزلتهم في احياء منفصلة. وفقا للأدلة من مصادر عربية من القرن الـ 9، التركيب السكاني للمدن الساحلية تضمن: يهود، سامريين، فارسيين، مسيحيين وايضا القليل من العرب.

في وقت لاحق، بدأ استيطان قدامى المحاربين من جيش الخليفة المسلم في القرى والمدن التي خلت من سكانها المسيحيين الفارين من الاحتلال العربي. لكن، لا توجد بيانات رقمية.
الملخص، الخلافة الأموية لم تشدد على استيطان العرب في الارض المقدسة وايضا لم تحوّل السكان الى الاسلام، لكنها ادخلت اللغة والثقافة العربية، مع حماية السكان من غزوات البدو التي اضرت بالزراعة. سياسة الأسلمة كانت تعريفية فقط، كانت بعض المحاولات القليلة من محاولات الاكراه، كالتي كانت في ايام الخليفة عمر بن الخطاب (717 – 720). الأسلمة بدأت متأخرة. لم يكن تغيير كبير في تركيبة السكان، معظمهم كانوا مسيحيين واقليات يهودية وسامرية.

الموجة الثانية – بدأت في منتصف القرن الـ 10 وحتى الاحتلال الصليبي في عام 1099

ذكر شارون، على انه اذا بدأت الاجتياحات البدوية في أواخر الحكم العباسي، الا انه في الفترة الفاطمية (942 – 1071 م) والسلاجقة (شعب من اصل تركي سيطر على البلاد بين 1071 حتى ابتداء الحروب الصليبية 1099م) زاد اجتياح البدو للبلاد، من الجنوب والشرق. "ابتداءً من اواسط القرن الـ 10 فصاعدًا، وخاصة في القرن الـ 11، كان هناك اجتياح مستمر للقبائل البدوية للمناطق في البلاد، من الجنوب ومن الشمال" (شارون، البدو وارض اسرائيل في ظل الاسلام) هذه وجهة نظر بين الباحثين.

في عام 750 ميلادي انتقل الحكم على الاراضي المقدسة الى ايدي سلاسة عباس، التي حكمت حتى 942 م. الدولة العباسية جعلت عاصمتها بغداد واهملت سياستها الاراضي المقدسة. سياسة الاهمال اصابت الاقتصاد باضرار شديدة، وكان الفلاحون هم أكثر المتضررين. أدى الاهمال الى تخلّي الكثير من المزارعين عن الزراعة. الجيش العباسي لم يكن مكونًا من العرب بل من الفارسيين المسلمين. ايضا الادارة كانت بأيدي الفارسيين. في القرن الـ 9 تم تركيب الجيش من الاتراك المسلمين. الاهمال تسبب في اجتياح القبائل البدوية التي سيطرت على اجزاء من البلاد وحكمتها.

الجيش العباسي استخدم الوحشية ضد السكان وتسبب بعدة ثورات من قِبلهم في عام 758 وعام 771 وعام 800م. على رأس المتمردين وقف يهودي باسم يِحيِه بن يرِمياهو ودعمه انصار بيت امية العرب. تم سحق التمرد بوحشية وقُتل يحيه. كانت ثورات اخرى عام 807، 809 – 810 وفي 842. الثورات كانت ضد العبء الضريبي ووحشية الجنود تحت الحكم العباسي.

الاهمال سمح للمفوضين من السلطة العباسية ان يعملوا لحسابهم الخاص في المناطق المتواجدين فيها. في عام 868 تولى المفوض أحمد بن طولون الحكم على مصر وفي عام 878 استولى على ارض اسرائيل وسوريا. طوّر طولون المدن الساحلية التي أهملت منذ الاحتلال العربي وقتل عام 884. احتلال الاراضي المقدسة على يد طولون زادها سوءًا واصبحت ساحة معارك بين مختلف الفصائل، ومن ضمنهم البدو. بعد موته تفاقم الوضع الأمني في البلاد وتحولت الى ساحة حروب بين فصائل مختلفة، ومن ضمنهم القبائل البدوية، وانتقل الحكم في البلاد من يد لأخرى لمدة 30 عاما، حتى سيطر الفاطميون على البلاد عام 942.

نقل الفاطميون مركز حكومتهم الى مصر. من الناحية النظرية كانت البلاد تحت حكم السلالة الفاطمية من عام 942 وحتى 1099، لكن في الحقيقة، كان البلاد على طول الفترة ساحة للمعارك بين الجيش الفاطمي وبين فصائل مختلفة على اجزاء من البلاد. عدم استقرار الحكومة سمحت بغزوات واحتلالات على ايدي اعداء الدولة الفاطمية (قرامطة، بيزنطيين)، البيزنطيين الذين لم يتقبلوا الاحتلال العربي داهموا باستمرار المنطقة الساحلية. السكان المحليين اشتركوا بالصراع وانقسموا بين مؤيدين ومعارضين للدولة الفاطمية، للصراعات كانت دوافع مختلطة سياسية ودينية.

الحروب غير المتناهية في القرن الـ 10 والـ 11 اصابوا الوضع الاقتصادي بأضرار جسيمة. العلاقات التجارية مع العالم الخارجي انقطعت، وكانت الطرق غير آمنة، ونتيجة لهذا تعرقلت سبل العيش للمزارعين، الحرفيين والتُجّار. المزارعون هجروا اراضيهم، المدن غرقت والسكان اصبحوا فقراء. وصف "حاييم زيئيف هيرشبيرغ" في مقالته "الاحتلال والحكم العربي، 634 – 1099" تدهور الوضع الاقتصادي: الصناعة قلّت، الاسواق بعد البحار فُقدت وعانت الزراعة من الضرائب الثقيلة ومن الوضع الأمني. نتيجة الوضع الصعب بدأت الهجرة من البلاد. لا توجد بيانات بعدد اليهود الذين هاجروا للاسباب الاقتصادية والأمنية.

بالاضافة الى ذلك، كانت هناك ثلاثة زلازل في عام 1016 و 1068 وفي عام 1033، ضربوا هم ايضا الوضع الاقتصادي. في عام 1056 شهدت البلاد موجة جفاف قاسية استمرت لمدة سبع سنوات، حتى عام 1063. في عام 1068 بدأت فترة أخرى من الجفاف واستمرت لست سنوات، حتى 1074. مدينة الرملة دُمّرت جراء الزلزال في عام 1068.

وأدّى عدم الاستقرار الحكومي واهمال حماية الحدود الى تفشي القبائل البدوية. بدءًا مع نهاية الحكم العباسي ازدادت الاجتياحات البدوية التي استمرت وحتى تفاقمت على طول القرن الـ 10 والـ 11.

قبيلة بني هلال وقبيلة بني سليم، اخترقوا البلاد قادمين من شبه الجزيرة العربية. انتقل بنو هلال وبنو سليم من منطقة نجد في شبه الجزيرة العربية نحو سيناء ودفعوا عشائر واجزاء منهم من أماكنهم وهؤلاء دخل قسم منهم الى البلاد. بنو هلال وبنو سليم دخلوا سيناء ومن هناك الى مصر، في القرن الـ 10 ميلادي، والى شمال افريقيا في القرن الـ 11.

احدى العشائر التي دفعتها قبائل بين سالم وهلال هي عشيرة تياها (طيا)، التي كانت اكبر عشيرة في وسط سيناء. هذه القبيلة تنقلت في النقب ووسط سيناء، انتقلت شمالا الى منطقة وادي كتسيعوت.

ان اصل قبيلة طيا في الواقع من جنوب شبه الجزيرة العربية، لكن قسم من القبيلة استقر غربي نهر الفرات. حوالي سنة 974 بدأ تغلغل القبيلة الى شمال البلاد، من الصحراء السورية. وانتشرت القبيلة في الأغوار، غور الأردن وبيسان، في حين قامت بتطهير السكان المحليين.

انشغل البدو في عمليات السطو طوال الفترة الفاطمية. رؤساء قبيلة طيا، بني جراح، سيطروا عمليا على البلاد. الفاطميون حاولوا من دون جدوى وقف انتشار البدو. جهودهم سببت في التمرد ضد السلطات. جعل بنو جراح من الرملة عاصمة لهم. في عام 1013 سيطر البدو على مصر وتوّجوا خليفتهم الخاص بهم في القاهرة، وفي عام 1024 احتلوا البلاد وحكموها لمدة 5 سنوات. البلاد انتقلت من يد لاخرى طوال هذه الفترة.

بنو جراج والقبلية البدوية طيا، لعبوا دورا رئيسيا بالحروب في البلاد وبدلوا الجهة التي ايدوها في كل مرة بحسب مصالحهم الخاصة. تعاونوا احيانا مع الفاطميين واحيانا اخرى مع البيزنطيين.
بنو جراح كانوا قادرين على السيطرة على البلاد بسبب ضعف الدولة الفاطمية، التي كانت منشغلة في الصراع الداخلي المصري (الفاطميون كانوا أقلية في شمال افريقيا، غالبية السكان كانوا من السنة بينما كان الفاطميين شيعة) والحروب في سوريا والاراضي المقدسة مع القرامطة، البيزنطيين، القبائل البدوية وحكام محليين تمردوا على الحكم الفاطمي.

بسبب ضعف الدولة الفاطمية تعرض السكان في البلاد الى غزوات قبائل بني جراح من سلب ونهب وقتل. الاستيلاء البدوي خلّف وراءه الدمار، ليس فقط على الزراعة انما ايضا على القطاعات الاقتصادية الاخرى. سرقوا القوافل التجارية وفُقد الأمن في الطرقات وتضرر الاقتصاد. يقول شارون ان البدو كانوا الحاكم الفعلي للبلاد. المزارع دمرت ليس فقط بسبب الغزوات، وانما ايضا بسبب قطعان الماشية التي دخلت الحقول المزروعة. فقط المدن الساحلية نجت من أيدي البدو لانهم حصلوا على حماية من الاسطول الفاطمي. بنو جراح لم يفكروا الى الامد البعيد وانشغلوا في نهب القوافل التجارية ودمروا الاقتصاد. فقدان الأمن في الطرقات أثر سلبا على القرى وعرقلت وصول المواد الغذائية مما أدى الى ارتفاع اسعارها.

تغلغُلْ البدو الى الاراضي المقدسة قوّض الامن، لأنهم كانوا يعملون في السرقة والحقوا اضرارا في الزراعة والتجارة وضربوا الاقتصاد. تحت ضغط من البدو ترك المزارعون اراضيهم وانتقوا الى المدن، او لمنطقة يهودا والسامرة. الفلاحون انتقلوا الى المدن حيث يتوفر الأمان، ولو جزئي، بفضل اسوار المدن. نتيجة اخرى لتخلي السكان المحليين عن املاكهم للبدو كانت الهجرة من الاراضي المقدسة. هاجر الكثير من السكان، وخلال القرن الـ 10 هاجر اليهود الى مصر وبابل بسبب الاوضاع الصعبة.

كتب ابراهيم يعاري في كتابه "رسوم من ارض اسرائيل"، عن أدلة كثيرة من الرسائل المؤرشفة في القاهرة عن المجازر، اغتصاب النساء والشباب، والخراب وهجرة اليهود على ايدي البدو.

تغلغل القبائل البدوية خلال فترة السلاجقة (1071 – 1089)

السلاجقة هم قبائل تركمانية مسلمين من آسيا الوسطى (تركيا اليوم)، كانوا في البداية مرتزقة، ولكن استطاعوا بعد ذلك السيطرة على الخلافة العربية بما في ذلك ارض اسرائيل. السلالة السلجيقية انقسمت وواحدة من ابناء السلالة احتلت الارض من ايدي الفاطميين بسنوات الـ 1070. الصراع السلجيقي الفاطمي لم يكن فقط بسبب السيطرة على البلاد وانما من حقيقة كون الفاطميين من الطائفة الشيعية والسلاجقة من الطائفة السنية.

السلاجقة بنوا مدينة الرملة من جديد، التي كانت مدمرة، لكن نقلوا العاصمة الى القدس. معظم المؤرخين يتفقون على ان هذه الفترة كانت صعبة لغير المسلمين. المؤرخ اريي حورش وصف فترة حكم السلاجقة في كتابه "تاريخ اليهود تحت الحكم الاسلامي"، كأثر الايام سوادا في تاريخ المنطقة. 

الفاطميون لم يتقبلوا الغزو السلجوقي وحاولوا ابعادهم. في عام 1089 كانت الامبراطورية السلجوقية متهالكة فعاد الفاطميون لحكم البلاد لفترة قصيرة. الصليبيون لم يجدوا صعوبة كبيرة لنقل السلطة اليهم، في الحملة الصليبية الاولى عام 1099.

حَكم العرب الاراضي المقدسة كقوة احتلال لمدة 400 سنة، من عام 640 الى 1099. معظم السكان كانوا من المسيحيين، معظمهم من أصل سوري – آرامي.

كاتبة المقال د. ريفكا شيفك ليسك - متخصصة في التاريخ الاجتماعي الاقتصادي

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا