مُعضلة الألم (4) لماذا يجب أن نجتاز الألم؟

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

امرأة متألمة

لقد تعلمنا في المقال السابق (3)، أن الله طرح حلولا شاملة تشمل كل آلام الروح، والجزء الأكبر من آلام النفس من جهة علاقة الإنسان مع الله. في هذا المقال، سنتعلم عن الجزء الذي سمح الله أن نجتازه؛ وهل فداء المسيح يعمل فرق في اجتيازه؟ ولماذا؟

جوانب من الألم تحل علينا، حتى بعد الفداء:

موت الجسد:
إن الإنسان الطبيعي لا يدرك في وعيه أنه في هذه الحياة، كل خطوة يخطوها لأجل الحياة في هذا الجسد المائت، هي في الحقيقة خطوة باتجاه الموت. لكن للإنسان المؤمن بالمسيح، كل خطوة يخطوها نحو الحياة، هي خطوة تقربه للحياة الحقيقية وليس إلى الموت؛ وهذه الحياة هي الأفضل (يوحنا 10: 10). وللذين قبلوا كفارة المسيح، الموت الجسدي لن يصيبهم كالباقين، بل الكتاب يوضح أنهم سينامون؛ أي يرقدون. وذلك لأن موت المسيح الذي ماته عنهم، جعل الله يحسبهم من ناحية قانونية قد ماتوا معه: "14 ... إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ. فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا." 2 كورنثوس 5؛ أيضًا "11 كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتاً عَنِ الْخَطِيَّةِ وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا." رومية 6. لذلك الوحي، عندما نموت، يعتبرنا قد نمنا ولم نمت كموت أهل العالم؛ فيقول: "14 لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ." 1 تسالونيكي 4. فعندما يذكر الوحي قضية موت المسيح ("أبوثنِسيكو" في اليونانية)، لا يَقًل: "كذلك الذين ماتوا في المسيح" بل يقول: "الراقدون" ("كْويماوو" أي الذين ناموا)؛ فيستخدم كلمة أخرى في اليونانية تختلف عن الكلمة الأولى؛ لأن الله يعتبر أن كل إنسان مؤمن بالمسيح، من ناحية قانونية قد اجتاز الموت؛ فحررنا من خوف الموت، لأننا اجتزناه بموت جسد المسيح عنا.

كيف ممكن أن نقبل هذه الحقيقة الغريبة والصعبة؟ فنحن نموت مثلنا مثل باقي الناس؟؟
نقبلها بالإيمان بكلمة الله معطي الحياة؛ والكتاب لا يقصد من هذا أننا لسنا نموت كباقي البشر من الناحية البيولوجية؛ بل من ناحية أرواحنا وأنفسنا، من اللحظة التي يموت فيها الجسد بيولوجيًا، ننتقل لعالمنا الحقيقي عند الرب بالروح والنفس. فليس لعذاب الموت أي سلطان علينا، لذلك يجب أن لا نتألم أو نخاف من مواجهة الموت أبدًا، كما يؤكد الوحي: "13... لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ" 1 تسالونيكي 4.

من جهة: عذاب الاختيار والمرض والضعف:
من جهة عذاب الاختيار، لا زلنا نعيش تحت الضغط النفسي لضرورة الاختيار المستمر ما بين الخير والشر الذي وضعنا فيه آدم؛ والذي سوف لا نتخلص منه طالما لا زلنا نعيش في هذا العالم الساقط والجسد المائت (التي تسكن به الخطية). لكننا سنتحرر منه عندما نتقابل مع المسيح عند مجيئه الثاني، ونتغير؛ عندها " 53 .. هَذَا [الجسد] الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" 1 كورنثوس 15. وهكذا سنأخذ من الله باقي ميراثنا، وهو النفس الكاملة التي تشتهي، تفكر، تدرك وتشعر، بحسب إرادة الله؛ والجسد الكامل الذي لا يمرض ولا يموت (أما الروح، فقد أخذناها سلفًا على الأرض، كما قلنا سابقًا؛ وهي ستبقى معنا كما هي، إلى الأبد). كذلك المرض وضعف الجسد وآلامه، سيستمر معنا إلى ذلك اليوم.

أيضًا الحاجة لأن نتعب لكي نعيش، كما أيضًا قال الله: " 17 ... بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ" تكوين 3. لكن في نفس الوقت، الله أبونا ويحثنا أن لا نعيش مهمومين من جهة الضغط النفسي لضرورة تسديد احتياجاتنا: " 25 لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ... 31 فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32 فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. 33 لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" متى 6.
لكن يبدو من ما سبق؛ أن جزء كبير من الآلام، نجتازه مثل غير المؤمنين!! فهل نفهم من هذا، أن فداء المسيح من جهة آلام الاختيار، المرض، الضعف...، لم يُحدث الفداء فيها أي تغيير؟ ألم يضف عليه المسيح أيضًا آلام أخرى مصحوبة باتِّبَاعه، مثل الاضطهاد؟
فعلا الكثير من المؤمنين يشعرون أن الفداء لم يحل مشكلة الألم، بل زاد عليها (الاضطهاد)!! لكن الكتاب كما وضحنا سابقًا، أكد أن كفارة المسيح قد وضعت حلاً لكل آلام الروح، وجزء كبير من آلام النفس المختصة في علاقتنا مع الله؛ أمَّا الجانب الآخر، فافتداه المسيح من ألم كنتيجة للتمرد على الله، إلى ألم كنتيجة لطاعة الله – آلام المسيح. فيجب أن ندرك محطتين للألم هامتين في الخليقة:
آدم: الذي أدخل الألم، كنتيجة للتمرد على الله.

المسيح (آدم الأخير): الذي افتدى ألم آدم الأول، من ألم بسبب التمرد على الله، إلى ألم بسبب طاعة الله.

إذا عندما نقبل يد الله الممتدة لنا، من خلال كفارة المسيح؛ يفتدي المسيح آلامنا، من آلام بسبب رفض الله لآلام بسبب تبعية الله. وهي آلام محبة الله المنسكبة فيها؛ التي تقتضي علينا، أن نتألم لأجل العالم الساقط لكي يتصالح مع الله، كسفراء صالحين للمسيح (2 كورنثوس 5: 20). فتصبح آلامنا مع المسيح هي امتياز ومصدر فرح لنا؛ لأنها مثمرة ثمر حياة في هذا العالم؛ بدلا من آلام العالم التي تنتج موتًا.

إذا كان الله عالمٌ أن آدم سيأخذ هذا القرار، فلماذا خلقه إذًا ؟

لا يمكن أن يخلق الله الإنسان على صورته ومثاله، ويجرده من الإرادة الحرة في نفس الوقت؛ أو أن يخلقه دون أن يوكله بسلطان وسيادة معينة كألله. فالاحتمال الثاني هو أن يخلق الإنسان خالٍ من الإرادة الحرة والسلطان، وينقاد فقط بالغريزة؛ وبالتالي سوف لا يختلف عن الحيوان أبدًا. إن هذا كان أيضًا احتمال، لكن الله قرر أن يخلقنا على صورته، ومع إرادة روحية حرة؛ ويخطط بشكل مسبق لافتداء الإنسان بعدما يأخذ هذا القرار الخاطئ. وهذا فعلاً ما فعلة الله قبل أن يخلق آدم؛ حيث سبق ووضع الحل لخطيته حتى قبل أن يُخطئ وقبل أن يخلقه. فالكتاب يؤكد أن دم يسوع المسيح معروف قبل خلق آدم: "19... دَمِ الْمَسِيحِ، 20 مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ" 1 بطرس 1. وحتى الكتاب يتكلم عن ذبيحة المسيح التي قُدِّمت بحسب خطة الله، من قبل تأسيس العالم (رؤيا 13: 8).

لماذا لا يتدخل الله في الخليقة وينهي الظلم والألم؟

إن السائل، من خلال السؤال، يقدم افتراضين خاطئين:
الأول؛ يفترض أن الله لا يريد أن ينهي الألم والظلم على الأرض.
الثاني؛ هو أنه يفترض أنه لا توجد لله خطة واضحة ومدروسة لإنهاء الألم والظلم على الأرض.
فهذان الافتراضان غير صحيحان البتة؛ فللَّه خطة واضحة وضحها في كتابه، لإنهاء الألم والشر على الأرض. لذلك السؤال المطروح أعلاه خطأ، فيجب أن يكون السؤال:

لماذا لا ينهي الله الألم في الخليقة الآن؟ أو لماذا لم ينهيه عندما جاء المسيح؟ أو حالاً بعدما أخطأ آدم؟

توجد لله خطة مدروسة كاملة لإنهاء الألم والظلم الذي أدخله آدم على هذه الأرض؛ والله قد أخَّرَ تلك الخطة، لكي لا يهلك أناس. أحيانًا ننسى أن إنهاء الألم والظلم، مرتبط بتحديد مؤسف لمصير مليارات من الناس الأشرار على الأرض. لكن الله يُحب جيمعهم، ويريد أن يعطيهم فرصة لآخر لحظة: "9 لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" 1 بطرس 3. والله يريد أن يُخَلِّص الجميع: " 3 لأَنَّ هذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، 4 الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" 1 تيموثاوس 2. إذًا ما يبدو بحسب منطقنا البشري بتباطؤ من الله لإنهاء الظلم؛ هو ليس كذلك، بل سببه هو أن الله لا يريد أن يهلك أناس، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة.

تمت هذه السلسلة بنعمة الله، وأرجو من الزوار أن يطرحوا أي سؤال لم يتم التعامل معه في الحلقات السابقة، لكي أكتب عنه إن شاء الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
ربما أكثر تساؤل يُطرح في عالمنا اليوم، يخص الألم والظلم على الأرض؛ فإذا كان الله كلي القدرة وصالح ويحب الإنسان، فلماذا يسمح للألم والظلم في حياة البشر الذين يحبهم؟
قبل أن نجيب على الأسئلة: ما هو موقف الله من الألم؟ وماذا عمل الله لحل مُعضلة الألم؟ يجب أن نعرف بالتحديد ما هو الألم، كما يصفه الوحي الإلهي المقدس.
لكي نتعامل مع هذا الموضوع، سنرجع إلى تفصيل ماهية الألم الذي أورده سفر التكوين، ونرى كيف تعامل الله مع كل تأثيرات الألم على الروح والنفس؛ ونرى الحلول التي طرحها للألم، من خلال فداء المسيح.
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader