يسرد لنا الوحي في إنجيل لوقا الإصحاح 9، الأعداد 57 - 62 ثلاث حالات واجهها الرب يسوع في مسيره خلال تجواله في أرضنا، من خلالهن يجسّد لنا الرب ثلاث فئات من "تابعيه"، قد نسمي الفئة الأولى: "فئة طالبي البركة"، والفئة الثانية "فئة الأولويات الأرضية"، أما الفئة الثالثة فهي "فئة التبعية المشروطة"، وسنقف على كل فئة على حدة.

فئة طالبي البركة: في الحالة الأولى يأتي إليه "واحد" ويخاطبه قائلا: "يا سيد أتبعك أينما تمضي" (ع 57)، فيجيبه الرب قائلا: "للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (ع 58). للوهلة الأولى يبدو أن طلب هذا الشخص لهو سؤال منشود، كيف لا وإرادة الرب لنا أن نتبعه "أينما يمضي"، ولكن نصيب سؤال هذا الشخص وقع في حضن رب المجد، فاحص القلوب والكلى، فهو العارف بالنوايا وخفايا القلب، فمن جواب الرب له نفهم غاية هذا "الواحد" من اتباع الرب، فالرب لا يجيب على السؤال الظاهر والمسموع إنما على النوايا المخفية، فيجيبه بأنه لا يملك حتى مكانا يسكن فيه، فمن الواضح أن هذا الشخص أراد اتباع الرب لانبهاره بالمعجزات التي رأى بأم عينيه وللطعام الذي أشبع بطنه فيه، ومن لا يريد أن يعيش في صحة جيدة وحالة ميسورة لا تعرف للفقر سبيلا.

من الجدير بالملاحظة أن الرب لم يجبه "لا تتبعني"، إنما رد على نواياه المغلوطة بطلب اتباعه الرب، فإذا كان اتباعنا للرب لغايات غريبة كالبركات الأرضية من صحة جيدة وغنى مادي وحياة رغيدة ومريحة أو الشهرة والمنبر أو إشباع طموحات معيّنة فينا فقد أخطأنا العنوان، فليست هذي طريق السيد، مع أن بإمكان الرب أن يعطي كل ذلك بل وأكثر. إن الرب يريدنا أن نتبعه لأجل شخصه ومن منطلق محبتنا له من كل القلب والنفس والفكر والقدرة، تلك الوصية التي قدّم لها الرب المقام الأول (أنظر مثلا من فضلك مر 12 : 28 – 30). مثال لهذه الفئة نرى سيمون الساحر الذي آمن واعتمد، لما رأى أنه بوضع أيدي الرسل يعطى الروح القدس انبهر وأراد هو أيضا أن يحصل على هذا السلطان بأمواله، والتي وصفها بطرس الفضة التي للهلاك لأن سيمون ظن أن يقتني موهبة الله بدراهم، ونعت بطرس غاية قلبه هذه بالشر، كما ورآه في مرارة المر ورباط الظلم وحثه على التوبة الى الله (أع 8 : 13 – 24). كذلك هو الحال بالنسبة لتابعي الرب بهدف البركة أو البركات والنعم التي يمنحها الله، وإلى أولئك موجّه طلب بطرس الرسول: التوبة.

فئة الأولويات الأرضية: نقرأ عن هذه الفئة في القطعة المذكورة بإنجيل لوقا أعلاه عندما الرب نفسه "قال لآخر اتبعني" (لو 9 : 59)، فأجاب هذا المدعو قائلا: "يا سيد ائذن لي أن أمضي أولا وأدفن أبي"، فأجابه الرب: "دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله" (ع 60). نلاحظ كلمة "أولا"، أي من وضع "دفن الأب"، أي الواجبات العائلية والشخصية، في الصدارة وبالتالي تاركا الرب جانبا في هامش جدول حياته.

هناك مثال قدّمه المسيح يطابق هذه الفئة من "أتباع الرب" – أيضا مأخوذة من إنجيل لوقا 14 : 15 – 24، أولئك المدعوين إلى العشاء العظيم، الذين دعوا إلى العشاء ولكن ابتدأوا "برأي واحد يستعفون"، فهناك من اشترى حقلا وأراد أن يخرج وينظره، هناك من اشترى خمسة أزواج بقر وأراد أن يمتحنها، وهناك من تزوج بامرأة ولم يقدر أن يجيء، فهم وضعوا أمورهم الشخصية والعائلية والاجتماعية والمادية في رأس أولوياتهم وبالتالي رفضوا الدعوة الألهية للأتّباع الحقيقي للمسيح، فكان عقابهم عسيرا: "لأني أقول لكم إنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي" (ع 24). يسوع رب المجد يقدّم لهذا المدعو من الفئة الثانية العلاج: "اذهب وناد بملكوت الله" (لو 9 : 60).

فئة التبعية المشروطة: "وقال آخر أيضا أتبعك يا سيد ولكن ائذن لي أولا أن أودع الذين في بيتي، فقال له يسوع ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (ع 61 – 62). في اعتقادي أن هذه الفئة لهي من أخطر الفئات المذكورة، فهي فئة غير صالحة بتاتا للملكوت، أولئك الذين اختاروا أن يتبعوا الرب بشروطهم الخاصة، لذا فإيمانهم متعلق بإتمام الشرط لا محالة وأنظارهم متجهة نحو الوراء وليس نحو الرب. ما أخطر هذه المجموعة التي تعلّق إيمانها بأمور زمنية أرضية فانية التي نهايتها العطب والهلاك.

كم يذكرنا ذلك بامرأة لوط، تلك "المدعوّة" للخروج من بوتقة الشر والفساد لسدوم وعمورة، والتي أخذت وصية ألاّ تنظر للوراء، عصت كلام الله ونظرت وراءها "فصارت عمود ملح" (تك 19 : 17، 26)، ذاك العمود الذي لا يصلح لشيء كونه كتلة ملح يابسة، "وإن فسد الملح فبماذا يملّح" (مت 5 : 13) ؟!؟!

الجدير بالتأكيد أن الرب يحذرنا من الثلاث فئات وألاّ نكون منتمين لأي منها، وما يطلبه الرب هو أمر بسيط: أن نتبعه ليس لهدف البركة بل من محبتنا له كما هو أحبنا وبذل نفسه لأجلنا، ألاّ نضعه على الهامش بل في الصدارة وأن نتبعه بلا قيد أو شرط.

لا يمكن ختم هذا المقال بدون أن نذكر قول الرب لتلاميذه: "الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتا أو أخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولادا أو حقولا لأجلي ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتا وإخوة وأخوات وأمهات وأولادا وحقولا مع اضطهادات وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية، ولكن كثيرون أولون يكونون آخرين والآخرون أولين" (مر 10 : 28 – 31).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا