تأكيدًا على الرّقيّ

حسنًا؛ عُرف كاتب هذه السطور في أوساط عدّة بأنه كذا وكذا في بلده وأنّه، في هذه المدينة المُطلّة على الخليج المتوسّط بين بحرين كبيرين حوالَي سكاندينافيا، أستاذ في مادة الرياضيات. وهذه المادّة بحر من نوع آخر، سهل على بعضنا الغوص فيه وصعب على كثيرين، لكن من يضع أمامه مقولة الوحي الإلهي التالية بلسان الرسول بولس فلن يصعب عليه شيء إذا ما رغب فيه وكانت الرغبة مشروعة: {أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني} – فيلبّي 13:4 فجميل أن يكون المرء معروفًا بشيء ما، لأن الشخص غير المعروف بشيء غالبًا ما يثير تساؤلات ويضع أمامه علامات استفهام ولا سيّما في هذا العصر الذي كثر فيه الإرهاب، الإرهاب بأنواعه وأساليبه. والإرهابي بالمناسبة ساقط وجبان ومفلس، بما تعني الكلمات الثلاث، لأن جعبة مخّه خالية من فتحة ولو صغيرة ليدخل إليها الضوء؛ ضوء الحياة المفعمة بالمحبة والمدعومة بالخدمة والعمل والنشاط والابتكار. آه كيف يُطيق الساقط نفسه غير مكلّفها عناء النهوض؟ وكيف يحسد المرء غيره؟ والحسد نوع آخر من أنواع السقوط. فشتّان ما بين الراقي بأخلاقه وبين الواطي. أمّا الشيء الوحيد الذي يمنع من السقوط فهو المحبّة لأنها لا تسقط أبدًا (كورنثوس الأولى 8:13). فلا يظنّن الغنيُّ، بالمال وحده، نفسَهُ راقيًا. هناك بالمناسبة، في إحدى مدن أوروبا الغربية، أديب عربي الثقافة لا يزال يظنّ بنفسه شاعرًا وباحثًا وأستاذًا... إلى آخر ما يُطلِق من ألقاب على شخصيّته وعلى غيره، يمتلك موقعًا الكترونيّا خاصّا به؛ عرضَ على شخصي المتواضع مشروعًا لتنقيح نشاطاته الأدبيّة، بعدما قمت بتصحيح وزن إحدى قصائده من تلقاء نفسي، آمِلًـا في رفع مستوى أدبه. فشكرني طالبًا إليّ أن أكتب إليه شيئًا عن سيرتي الشخصيّة. فلمّا كتبت إليه أنّي أكتب لمجد الرب يسوع فقط، رافضًا مشروعه، لضيق وقتي وتطرّف مزاجي، فوجئ- حاقدًا عليّ كما يبدو- والمفاجأة متوقعة لأنه لم يقرأ لي إلّـا قليلًـا. فلو قرأ أكثر لما عرض عليّ المشروع. هناك كثير من الكتّاب والفنّانين من الجنسين، بألوان مختلفة من الأدب والفنّ، ما تمنّيت يومًا أن أحظى بمعرفة أحدهم أو إحداهنّ معرفة خاصّة ولا مَصلحيّة، مكتفيًا برسم صورة جميلة لشخصيّة كلّ منهم-نّ ترجمة عن الأدب الراقي الذي يتمتّع به كلّ منهم-نّ في المقالة والقصيدة واللوحة والقطعة الموسيقيّة وغيرها. أولئك في نظري من الأغنياء والنبلاء، بغضّ النظر عن الأحوال المادية. أمّا المؤسِف فهو أن ينظر المرء إلى غنيّ (بالمال) على أنّه يمتلك كلّ شيء؛ الصحّة والحكمة والشرف والشهادة الأكاديمية وغيرها

* *

من كوارث الغباء

لكنّ الغباء من علامات هذا الزمن محاذيًا جانبًا من الذكاء؛ من الصعب محاولة لفت الأنظار عن غباء الإفتخار بسعة المعرفة والمستوى واللقب. والأصعب هو محاولة الخاطئ في تصحيح النظرة إليه بعد الوقوع في الخطأ. قد يهون الأمر في الشرق ذي الثقافة المنحرفة، لكنّه غير هيّن في الغرب ذي الثقافة المنضبطة. مثالًـا: حين أتأخّر في الغرب عن تسديد فاتورة التلفون في موعد محدَّد، يتوجّب عليّ دفع غرامة ماليّة، حتى لو كانت علاقتي طيّبة مع وزير المواصلات وحتّى لو كنت طوال مدّة استخدامي السابقة ملتزمًا بالتسديد في الموعد. لكنّ صديقًا لي في الشرق قد يسعى لدى دائرة الهاتف، بطلب منّي، إلى غضّ النظر عن التأخير لأنّه “يعرف” أحد الموظفين. عِلمًا أنّ وزير المواصلات (هنا في الغرب) لا يمكنه التدخّل في شؤون “أصغر” موظّف في الدولة. وعِلمًا أنّ من حقّ هذا الأصغر إعلان إضرابه عن العمل مطالبًا برفع سقف راتبه الشهري تحت لافتة مكتوب عليها: (أجرة الموظّف الذكي مكلفة) وقد آلمتني في الشرق قضايا عدّة يستحقّ كل منها كتابة مقالة أو اثنتين. سألتني الرفيقة يومًا: ألا تشتاق إلى بلدك الحبيب؟ كلّا، ببساطة وبعد عشرين سنة ونيّف من الغربة، لأنّي تنبّأت بسوء أحوال البلدان العربيّة منها والمعرَّبة، كما تنبّأت بانهيار عملة بلدي أمام الدولار، ما قبل المراصد السياسية والاقتصادية وقبل اتّخاذ قرار المغادرة النهائي. تلك البلدان غير مسموح للأذكياء العيش فيها مدة طويلة بعد اكتشاف وجود نسبة من الذكاء في عقولهم تجاوزت الحدّ المسموح به، في مجالات الحياة كافة. على الأذكياء دفع فواتير النور الذي في عقولهم وفي قلوبهم أيضًا. مثالًـا- ردًّا على الرفيقة: أخبرني صديق أنّ فلانًا، المقيم في إحدى الولايات الأميركيّة والحاصل على شهادة الدكتوراه بكذا، كان من المشرفين على برنامج تغذية طاقم إحدى المركبات الفضائيّة. ثمّ غالبه الحنين إلى بلده فعاد وطابت له العودة. بعدئذٍ طلب تعيينًا في وزارة الزراعة وربّما البيئة موثِّقًا الطلب بشهادة الخبرة. فصدر أمر بتعيينه في إحدى مزارع الدولة بصفة مُشرف على تغذية الخيول

* *

يوم جديد

حين أستقبل يومًا جديدًا أحسّ بالنشوة سارية في أحشائي وبالأمل مُشبعًا طموحي ولا سيّما يوم الأحد. قلت: لا بدّ من جديد فما جديد هذا اليوم؟ غالبًا ما أقضي جزءً من نهار السبت متجوّلًـا بين دكاكين مركز المدينة وساحاته الصغيرة إذ يكون مكتظّا بالمارّة على رغم برودة الطقس. وغالبًا ما يجد المتجوّل عروضًا على البضائع في نهاية الأسبوع أو الموسم. وقد لفتتني هذه المرّة جماعة من المؤمنين، تجمّع حولها المارّة من الجنسين؛ إذ عرضت بضاعة مختلفة، أحدها استقبل المارّة بكلمات ترحيبيّة: أهلًـا، تفضّل-ي. ورفيقه قدَّم نوعًا من المعجّنات مع المربّى مجّانًا. أمّا الثالث فقدَّم نُسَخًا من الإنجيل بلغات مختلفة مجّانًا أيضًا. فسألت الأخير: من أيّة رعيّة أنتم؟ قال: من رعايا مختلفة؛ الكنيسة الرسميّة والكنيسة الحُرّة وغيرها. قال: وأنت؟ من كنيسة المسيح. مَن راعيها؟ يسوع المسيح. لكنّي أحضر بعض الأحيان قدّاس كنيسة المدينة الرئيسية وعددًا من اجتماعات الصلاة. ثمّ سألت: هل لديك إنجيل باللغتين العربيّة والإنكليزيّة معًا؟ فلم يتأخر في العثور على ما طلبت. فسُررت مسرّة ما استطعت إخفاءها؛ كانت لديّ قبل عشرين عامًا نسختان من هذا الإنجيل اقتنيتهما في خلال إقامتي في الأردن، أهديتهما فيما بعد. قلت في نفسي: شكرًا للربّ إذ عوّضني في هذا المكان، الذي يبعد بضعة آلاف من الكيلومترات عن الأردن، بهذه النسخة الأنيقة. فتنبّه مقدّم الكتب لسروري قائلًـا: لا تفرح إذ حصلت على الكتاب، لكن افرح لمّا تقرأه! أجبت فورًا: بالتأكيد وسوف أمضي من هنا محتضنًا هذه النسخة، لأنّي أريد أن تُلفت نظرَ المارّة كلمةُ إنجيل المكتوبة عنوانًا على الغلاف باللغتين المذكورتين، في هذا الشارع وفي هذه المدينة المنشغل أهلها عن مراجعة كلمة الله بمتطلّبات الحياة والعيش الكريم، هذه وغيرها من مدن أوروبّا. ثمّ عرضتُ عليه الإجابة على أيّ سؤال يتعلّق بالكتاب المقدّس. فأخرج في الحال هاتفه النقال\ الجوّال وطلب اسمي ورقم هاتفي، ثمّ دعاني إلى حضور قدّاس أو اجتماع في بيت صلاة قريب من منزلي الجديد يوم الأحد. قلت: المسيح موجود بيننا الآن، ما رأيك؟ قال: طبعًا؛ حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (متّى 20:18) فلمّا اعترف بهذا الكلام صافحته بحرارة، متمنّيًا اتّساع الوقت لحضور القدّاس. وسألني أن يتعلّم القول {الله يباركك} بالعربيّة فعلّمته بصيغ المخاطب والمخاطبة والجمع. ثمّ مضيت في طريقي قائلًـا: جديد اليوم مفرح كالعادة، لأنّ الفرح من علامات الإنجيل بشكل خاص والكتاب المقدّس بشكل عام. وإذا جاز التعبير قلت إنّ الكتاب المقدّس مدرسة جديدة مفرحة دائمًا ومكتبة متجدّدة يوميًّا، لأنّه يجدّد حياة الإنسان كلّ يوم، بل كلّ ساعة من ساعات قراءته ودراسته. وأنّه مدرسة عامّة ومجّانيّة وقريبة جدًّا من دائرة السكن، ليس مدرسة خاصّة ولا بعيدة ولا مكلفة. هذا الكتاب النفيس مدرسة فريدة من نوعها كلّ من انتمى إليها وآمَن ربح كثيرًا ومجّانًا، لأنّ معلِّمها الأوّل ومؤسِّسها ومديرها ربُّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح له المجد- آمين

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا