هناك من يحتاج إلى تغيير محلّ سكنه داخل البلد وخارجه وهناك من يتوق إلى الأفضل. لكنّ هناك من تضطرّه الظروف إلى التغيير نحو الأسوأ. كانت هذه المرّة نحو الأفضل بوجود رفيقة العمر، فيما تبقّى من العمر، إذ ذهب الكثير وبقِيَ القليل، لكنّ المرء يُمنّي النفس قائلًـا- كما في الأمثال الشّعبيّة: (الجايّات أكثر من الرّايحات) حسنًا؛ ليكن المرء متفائلًـا بحياته طوال الوقت: (وأمّا أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل)- يوحنّا 10:10 هذا ما قبل الإنتقال إلى الحياة الأفضل التي وعد بها الربّ يسوع وأكّد عليها الوحي الكتابي بلسان بولس الرّسول: {لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جدًّا}- فيلبّي 23:1 وقد ورد كذلك: {ولكن الآن يبتغون وطنًا أفضل أي سماويًّا. لذلك لا يستحي بهم الله أن يُدعى إلهَهُم لأنّهُ أعَدّ لهُم مدينة}- عبرانيين 16:11 فكلّ انتقال في الدّنيا مؤقّت، أمّا آخر انتقال فهو دائمي، لهذا لا تُفرحُني تنقّلات الدّنيا وتقلّباتها، لكنّها من جهة أخرى لا تسُوؤُني، لأنّي متّكل على الله قائلًـا له على الدوام: لتكُنْ مشيئتُك ياربّ لا مشيئتي. فقد تنقّلت كثيرًا، واضعًا نصْب عينيّ أنّ الله قد اختار لي هذا المكان لكي أنطلق مؤدِّيًا الرسالة المَنوطة بي؛ مؤمِنًا أنّ كلّ إنسان رسالة، أكان داريًا بهذه الحقيقة أم لا. ولكل رسالة بداية وخاتمة، إلّـا المتعلّقة بعهد الله مع بَني الإنسان وبَناته، فرسالة الله أزليّة وأبديّة، لعلّ هذا هو الفرق ما بين الرّسالتين الإلهية والإنسانيّة. تساءلتُ مع نفسي: ماذا يريد ربّي وإلهي عبر انتقالي، لعلّ في الأفق مُهمّات تبشيريّة أخرى أقوم بها انطلاقًا من هذا المكان؟ قد أحصل على جواب خلال ترتيب وضعي الجديد أو بعده، عِلمًا أنّ هذا الانتقال كلّفني كثيرًا من الجهد والمال والصّحّة وتمّ في ظرف انشغالي بالتزامات عدّة وفي ظروف جوّيّة قاسية؛ برد وثلج ورياح وقلّة إضاءة. وقد تشاطرنا- رفيقة العمر وأنا- مصاعب الانتقال وكلفته الماليّة. لكننا سُررنا في آخر المطاف شاكِرَين الرّبّ، كما هنّأَنا عددٌ من الأقارب والأصدقاء على المسكن الجديد. وللرفيقة نبوءة لفتتني لأنّها تحقّقت: (سيصفو الجوّ بعد انتقالنا) فأجبت: (لعلّ ما حصل هو من دروس الرّبّ كي يبقى ما نلاقي معًا منقوشًا في الذاكرة، ما يُقوّي أواصر ارتباطنا ويشدّها) فشكرًا للرّبّ على أيّة حال

أمّا بعد فإنّ الجدير ذكره هو أنّ بعض النّاس، حين تتغيّر حاله نحو الأفضل، ينسى الحال السابقة وينكر النعمة الإلهيّة ويتعالى على غيره ويحاول لفت الانتباه إلى حاله المتحسّنة بطريقة ما، كأنه خُلِق من جديد؛ بأخلاق جديدة، بعدما لبس الثوب الجديد. والثوب، كما هو معلوم، يصلح لتغيير المظهر لكنّه لا يصلح لتغيير الجوهر، مهما حسُن الثوب وازدهى به صاحبه، ما لم يفتخر بأنه صاحب الفضل وليس الربّ الذي أعطاه الصّحّة والقدرة على التقدّم والنجاح وتحصيل المال. أمّا الافتخار فهو نقيض التواضع؛ قالت أمّ الرّبّ بتواضع تامّ: {أنا أمَة الرّبّ}- لوقا 38:1 وقال بولس الرسول: {وأمّا من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلّـا بصليب ربّنا يسوع المسيح}- غلاطية 14:6 فيا ليت شِعْري ما ينفع الافتخار والكبرياء صاحبهما إذا آلمه ضرسُه ألمًا شديدًا وما الذي سيأخذ معه يوم ينتقل واقفًا أمام ربّ الكون. فيحضرني التالي من كتاب الله: {فمن يَرفع نفسَهُ يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع}- مَتّى 12:23 ومن الأمثال الشّعبيّة التالي: (المتكبّر كالواقف على قمّة جبل؛ يرى الناس صغارًا لكنّهم يرونه أصغر منهم) ومن جهة أخرى فإن ذهولًـا ما ينتابني حين أرى شاعرًا يفتخر بنفسه وقبيلته ووطنه ومحبوبته ولا يفتخر بالله إذ أعطى والذي في إمكانه أن يسمح لإبليس وجنوده أن يأخذوا ما أعطى ساعة يشاء، مثلما سمح لأبليس بأن يُجرّب أيّوب. ومع ذلك؛ بقِيَ على استقامته {لم يُخطئ أيّوب بشفتيه} راجع-ي أيوب: الأصحاح الثاني 

وأمّا بعد فلا بُدّ من وقفة تأمّليّة في حياة الرّبّ يسوع له المجد (مِثالًـا لا تشبيهًا) ماذا لبس وأكل وشرب وأين سكن ونام {للثّعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأمّا ابن الإنسان فليس له أين يُسْنِدُ رأسَه}- متّى 20:8 ولوقا 58:9 وماذا كان يحمل معه في تنقّلاته وهو الذي لاقى اضطهادًا منذ ولادته؛ إذ كان هيرودس مزمِعًا أن يطلب الصّبيّ ليهلكه (متّى 13:2) ومعلوم في التراث المسيحي أنّ العائلة المقدّسة قد تنقّلت كثيرًا في نواحي مصر القديمة، هَرَبًا من اضطهاد الوثنيّين، حتّى موت هيرودس، لتعود العائلة بسلام إلى الجليل وتحديدًا عروسه (النّاصرة) لكي يتمّ ما قيل بالأنبياء: إنّهُ سيُدعى ناصِريًّا (متّى 23:2) فمِن الجليل بدأ الرّبّ خدمته. وقد ذكر الكتاب المُقدّس أنّ يسوع سكن هنا وهناك، مثالًـا كفرناحوم (متّى 13:4) بالإضافة إلى الناصرة، لكنّ مسكنه كما يبدو كان مؤقّتًا، بحسب مقتضى خدمته. ذلك في وقت كان يهود ذلك الزمان، من كهنة وكتبة وشيوخ الشّعب، يطلبونه ليقتلوه، لأنّهم كانوا ينتظرون مَلِكًا دُنيويًّا (مثالًـا: على غرار داود الملك) يأتي لكي يُخلّصهم من حكم الرّومان ويُحرِّرهم من قيصر وسواه، أمّا يسوع فمَلِكٌ سماويّ أبديّ إذ لا ديمومة لمُلك مَلِك سواه: {لأنَّهُ يُولَدُ لنا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا وَتَكُونُ الرِّيَاسَة عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجيبًا مُشِيرًا إِلَهًا قدِيرًا أَبًا أَبَدِيًّا رَئيسَ السَّلام}- إشعياء 6:9 وإنّه سيأتي لكي يُخلِّص العالم أجمع وليس اليهود فحَسْبُ: {لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ}- يوحَنّا 16:3 لذا عزم يسوع على تحرير العالم من عبوديّة الخطيئة وتخليص النفوس، لأنّ مشكلة الخطيئة أهمّ من ظلم القيصر وسائر الحُكّام بكثير! وقد أفصح الربّ عن مملكته السّماويّة بقوله: {مملكتي ليست مِن هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خُدّامي يُجاهدون لكي لا أُسَلَّمَ الى اليهود}- يوحَنّا 36:18 والخلاصة هي أنّ تنقّلات يسوع كانت لمقتضيات الخدمة واصطياد النّاس لكي {تكون رعيّة واحدة وراعٍ واحد}- يوحَنّا 16:10 ولم يكن اختفاؤه من عيون رؤساء اليهود خوفًا منهم- حاشا- لكنّ ساعته لم تأتِ حينذاك. فلمّا حانت ساعة تسليمه واجه التّعذيب والاضطهاد والصّلب بشجاعة فائقة ودون تأخير، لأنّه أتى إلى العالم من أجل إتمام المشروع الإلهي، أي لإكمال العهد القديم وبدء الجديد الذي هو عهد النِّعمة الخلاصيّة. فلتكن يا ربّ جميع تنقّلاتي بحسب مشيئتك، لمجد اسمك المجيد، لا خوفًا من العالم، لأنّكَ مُحِبٌ وصالِحٌ إلى الأبد

. . .

ملاحظة: جميع النصوص المقدّسة من ترجمة فاندايك المتيسّرة الكترونيًّا

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا