يكثر في هذه الأيام عدد المحتفلين بعيد الميلاد والسنة الجديدة، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، فنرى زينة العيد تتألق على كل بيت، من الداخل والخارج، أجراس الميلاد تصدح في الأجواء في كل مكان، تكثر الحفلات والاحتفالات وتعج المطاعم والمقاهي بالمحتفلين، ناهيك عن الأغاني والترانيم وبابا نويل والهدايا.

فالكل، صغارا وكبارا، نراهم ممتلئين فرحا وابتهاجا بالعيد، عيد الميلاد ... نعم، فهو عيد خاص جدا ومميز، يمتاز بطابع فريد يعود بنا الى زمان الميلاد وأجواء ولادة الرب، فنتذكر الرعاة وهم يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، كذلك المجوس الآتين من المشرق تابعين نجم الميلاد، المغارة، الطقس البارد، يوسف ومريم العذراء، المذود، والأهم من كل ذلك طفل المغارة يسوع المولود ذاته، فبميلاده هو صبغ لكل هذه الأجواء جمالا وروعة وابتهاجا وزينة ورونقا، فهو العيد بذاته لأنه صاحب العيد.

المحتفلون بطفل المغارة كثر هم، ولكن السؤال المهم هو ماذا يعني الميلاد لكل هؤلاء ؟! بكلمات أخرى هل الميلاد يقتصر على طفل المغارة وقصة ميلاده العجيبة أم أنه يتعدى ذلك الى آفاق أوسع، وكيف يتصور الميلاد في حياتنا العملية، هل هو مجرد قصة حدثت قبل حوالي ألفي عام كباقي القصص التاريخية التي سردها المؤرخون أم أن هذه القصة حية فينا، ابتدأت بميلاد الرب الحقيقي في مغارة قلوبنا ونمت وعاشت هذه القصة في قلوبنا فكبر هذا الطفل العجيب في حياتنا العملية كما نما هو بالنعمة والقامة والحكمة عند الله والناس (لو 2 : 52) ؟!

عندما أراد يوسف تخلية القديسة العذراء مريم سرا، بعد أن علم بحملها، ظهر له ملاك الرب في حلم يشجعه أن لا يتركها لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس، "فستلد إبنا وتدعو إسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت 1 : 18 – 21)، فالميلاد مربوط لا محالة بالخلاص من الخطايا الذي أتمه الرب بموته وقيامته من بين الأموات، كما ونرى سمعان الشيخ البار والتقي يأخذ طفل المغارة يسوع على ذراعيه، وهو ابن ثماني أيام، ويتنبأ بأن هذا الطفل سيكون بمثابة خلاص الله لكل الناس، نور اعلان للأمم ومجدا لشعب إسرائيل ، ويخبر ذويه يوسف ومريم بالآلام التي سيجتازها الرب كسبيل لهذا الخلاص (لو 2 : 25 – 35).

نعم، فلا يمكن الفصل بين الميلاد والصليب، كما ولا يمكن الفصل بين الصلب والقيامة، فبذلك تمم الرب الخلاص للبشر، فقد ولد الرب ليصلب، صلب ليموت ومات ليقوم، وهذه الثلاثية مربوطة الواحدة بالأخرى ربطا غير قابل للفصل كما لا يمكن فصل الآب والابن والروح القدس، ومن هنا فالنتيجة الحتمية أن ولادة الرب المجيدة مقرونة بآلامه، موته وقيامته من بين الأموات، فالميلاد لا يتوقف عند مغارة بيت لحم كما هو الحال بالنسبة لكثيرين من أولئك المحتفلين، بل انه نقطة الانطلاق للصليب والبداية لحياة جديدة يحياها هو فينا، "لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي 3 : 5).

من هنا نعرف أن هناك "ميلاد أول" و"ميلاد ثاني"، فالأول هو الولادة الطبيعية التي ولدنا فيها، والثاني هو ميلاد المسيح في حياتنا بشكل فعلي "بغسل الميلاد الثاني" أي الخلاص من الخطية وتجديد الروح القدس في حياتنا، عندها سنختبر الميلاد الحقيقي ونعيشه بولادة يسوع في قلوبنا، وليس ليبقى في المغارة بل لينمو فينا من يوم الى يوم ومن قوة الى قوة ومن مجد الى مجد، عندها سيعيش الميلاد فينا بالحقيقة فنضحي لأجل هذا المولود قاطعين أميالا جمة كأولئك المجوس تابعين النجم يسوع كل حين، وسنحافظ على هذا الخلاص في قلوبنا كما اعتنى يوسف ومريم بالمولود يسوع بكل قوة، عندها سينمو هذا الطفل في حياتنا فنعيش حياته ونتألم ونصلب ونقوم معه أيضا لنصبح رجالا أقوياء بالمسيح، فنأكل الطعام للبالغين، لتصير لنا الأعضاء مدربة على التمييز بين الخير والشر (غل 2 : 20، رو 6 : 5، عب 5 : 14).

إن الميلاد الحقيقي يعني الموت عن الخطية بخلاص الرب وقبوله في حياتنا، وبما أننا متنا عن الخطية فسنقوم معه بحياة جديدة، فأن ولدت بالحقيقة فهنيئا لك بالميلاد وإن لم تولد بعد فهلمّ الى طفل المغارة كما أتى الرعاة والمجوس وقدّم له قلبك ليدخله فيمنحك الخلاص من الخطية ويهبك الحياة الأبدية (يو 1 : 12، 3 : 16)، عندها وفقط عندها ستختبر الميلاد الحقيقي في حياتك، وستهتف بابتهاج مع الملائكة وستسبح مع الجند السماوي بقوة قائلا: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة" (لو 2 : 14).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا