كثيراً ما نسمع عن نهضات روحية مسيحية تحدث في بلاد مختلفة في العالم. نسمع عن الكنائس التي تعج بالعابدين، بفرق التبشير، بمجموعات المؤمنين الذين يخدمون شعوبهم ويغيّرونها بقوة الرب.

نشتاق ان نرى ذلك في بلادنا . أليست بلادنا هي ألأراضي المقدسة؟ أليس من الطبيعي ان تعود النهضة الروحية الى البقعة التي انطلق منها التلاميذ ليحتلوا العالم للرب يسوع ؟

غير ان الواقع مغاير لذلك فالجفاف الروحي العام يسود على حياة المسيحيين على الرغم من وجود بعض ومضات النور في بعض الزوايا القليلة. يتوجب أولا تحديد أسباب ذلك قبل القيام بخطوات لتصحيح ذلك.

سأطرح فيما يلي ملاحظاتي حول الموانع الخاصة والفريدة لبلادنا التي تبعد المسيحيين العرب في بلادنا عن مسيحهم وكنيستهم. وعسى أن يقوم أشخاص ببحث مستفيض وجدي لهذه الملاحظات وغيرها في سبيل ازالتها كيفما يسمح الأمر- وكل ذلك لغرض النهوض بكنيسة الأراضي المقدسة مما سيُفرح حتماً قلب الرب نفسه.

1. بخلاف المتوقع لكنني أعتقد أن وجودنا في المواقع المقدسة التي عاش فيها مسيحنا خلال حياته على الأرض ليست عاملاً يوثق العلاقة الروحية للمسيحيين مع يسوع وكنيسته. هذا القرب الجغرافي يضيف جوانب تديّن ولكنها لا تضيف زحماً وحميمية روحيين مع الرب نفسه. تقود الالفة مع الاماكن الجغرافية والرموز الدينية المسيحية الى احد ألاثنين اما الى كبرياء ديني ("أليس هذا ابن النجار. أليست امه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا" متى13 : 55 ) أو الى ان يفقد الايمان المسيحي غموضه في أعين المعدودين عليه. يصبح الايمان شئ مفروغ منه ويفقد جاذبيته فيبحثون عن ديانات بعيدة وغير مألوفة.

2. حياتنا كأقلية عددية في المجتمع العربي تقود لمساومة كثير من قادة المسيحيين في ايمانهم مع الاغلبية المسلمة. فلكي يتزلفوا للأغلبية ويتقربوا منها يعملون على الغاء الفروقات بين الديانات أو على الأقل جعلها ضبابية وغير واضحة.

3. الديانة اليهودية لا تعترف بيسوع المسيح الناصري ويعتبرونه نبياً كاذباً. وتسود في احيان كثيرة تعابير استهزاء واستخفاف ضده في وسائل الاعلام والجامعات- مما لا يضيف الى الحياة الروحية الخاصة للمسيحيين في بلادنا.

4. تعتبر اسرائيل دولة متقدمة تكنولوجياً ومزدهرة اقتصادياً وللأسف تسود الدول التي تتميّز بهذه الصفات روح مادية وعلمانية قوية. فحيث ان امكانيات العمل والتقدم والكسب الماضي موجودة (بغض النظر عن التمييز ضد العرب ككل وبضمنهم المسيحيين) فذلك يقود الى ساعات عمل طويلة وسعى نحو درجات علمية و/ أو نجاح مادي-مما يبعد الكثيرين عن العلاقة مع الرب.

5. لمكانتها المسيحية الدينية الخاصة ولاسباب تاريخية قامت كنائس كثيرة بتعيين قادة دينيين اجانب غير فلسطينيين على رأس كنائسها. وعلى الرغم ان بعض هؤلاء كانوا أصحاب نوايا حسنة ولكن هذا التسلط الاجنبي (ان كان يونانياً، لبنانياً، اردنياً، بريطانياً، ايطالياً أو امريكياً) جعل الكنيسة بعيدة عن هموم وقضايا الناس. فرغم نوايا حسنة لا يمكن للأجنبي ان يحس ويعيش هموم الناس وتطلعات الشعب المحلي اذ هو فاقد للحضارة والتاريخ والثقافة الفلسطينية.

6. انسلخ الفلسطينيون العرب من مواطني اسرائيل (والى حد كبير أيضاً الفلسطينيين في الضفة والقطاع) لسنين طويلة عن العرب المسيحيين في البلاد المحيطة بسبب حالة الحرب التي كانت سائدة بين اسرائيل وهذه الدول. ولم يقد ذلك الى جفاء ثقافي وحضاري فحسب بل أيضاً الى جفاء روحي وجفاف القطيعة الروحية للمسيحيين العرب في اسرائيل الذين مُنعوا من الشركة والاثراء الروحي من اخوتهم في البلاد العربية.

7. الحرب والصراع القائمين: الصراع الدامي الأليم القائم منذ أكثر من مئة سنة في بلادنا بين العرب واليهود ليس عاملاً في التقدم الروحي وقرب الناس من المسيح. فالأجواء الروحية لا تكون مواتية وايجابية لعبادة الرب. فالكراهية والقتل والعنصرية –كلها ليست عوامل مفيدة لعلاقة حميمة مع الرب.

8. يتألم المسيحيون لانعدام روح الوحدة بين الكنائس ( وليس المقصود الوحدة لتكوين كنيسة واحدة بل محبة وتعاون ودعم للكنائس لبعضها البعض) . اسباب ذلك عديدة واذكر منها ارتباط الكنائس المختلفة بكنائس في الخارج لا تراعي الوحدة وقيادات اجنبية وجهل بأهمية الوحدة وضعف روحي وغيرها.

9. بلاد الشرق ككل هي مهد ديانات عديدة وتسود فيها حركات دينية متطرفة ورجعية مما يقود المسيحيين العرب ان يسعوا للنقيض والتنصل من دين وإيمان آبائهم. انهم لا يريدون ان يتم وضعهم في خانة مشابهه مثل متدينين آخرين على الرغم ان اتباع ايمان المصلوب بالحق لن يقود لرجعية أو اصولية بل العكس.

10. لمركزية بلادنا لكنائس العالم- فقد اقامت هذه فيها مدارس ومستشفيات ودور عجزة ونزل للحجاج وغيرها فاستفاد المسيحيون المحليون من هذه المؤسسات وعملوا فيها. لقد اتت هذه المؤسسات بالفائدة على المجتمع ككل ولكنها ادخلت جانباً تجارياً على خدمات مسيحية وبعض الفساد مما ادى الى انعدام الجانب الروحي الصرف.

قد يقول قائل ان الأسباب المذكورة تصوّر صورة قاتمة للأحوال الروحية في بلادنا واستحالة تغيير ذلك ولكنني أعتقد انه بنعمة الرب المقرونة بالعمل الدؤوب المدروس من أشخاص يتمتعون بالعلاقة الحميمة مع الرب يمكن تغيير ذلك.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا