ان هذه العبارة الواردة في العنوان قيلت عن عيسو – "الكبير" ويعقوب – "الصغير" (تك 25 : 23، رو 9 : 12)، وهي لا تنطبق عليهما فحسب ولم تقال بمحض الصدفة أو الظرف العابر، إنما تمثّل إحدى المبادئ الالهية الهامّة التي يتعامل فيها الله مع بني البشر، والفكرة العامة من وراء هذه العبارة أن الله يبغض الكبرياء ما بعده بغض، لدرجة أنه يقاوم المستكبرين ويقف ضدهم، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة (يع 4 : 6). نفس المبدأ نراه في آيات كثيرة عبر الكتاب المقدس، منها مثلا قول الرب لتلاميذه: "ومن أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا" (مت 20 : 27، مر 10 : 44)، "أكبركم يكون خادما لكم" (مت 23 : 11)، "هكذا يكون الآخرون أوّلين والأولون آخرين" (مت 20 : 16)، وقد أعلن المسيح عن ولادته أولا لرعاة بسطاء (لو 2 : 10)، "بل اختار الله جهّال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود" (1 كو 1 : 27 – 28).

لقد ولد لإسحق ولدان توأمان، عيسو الذي خرج أولا ويعقوب الذي عقبه (تك 25 : 24 – 26)، وبما أن عيسو خرج أولا فهو البكر – الأكبر وبالتالي فالبكورية من حقّه، أي حصة الأسد من بركة أبيه، ولكن الكتاب يخبرنا عن عيسو أنه كان "إنسانا يعرف الصيد إنسان البرية"، بينما يعقوب كان "إنسانا كاملا يسكن الخيام" (تك 25 : 27)، وبكلمات أخرى، فقد كان عيسو مؤمنا جسديا يهتم بالأرضيات، بينما يعقوب كان مؤمنا روحيا بحسب قلب الله.

وها حان الوقت وانكشفت أسارير القلوب ومكنونات النوايا لهذين الأخوين، عندما عاد عيسو في يوم من الأيام من الحقل الى البيت تعبا وجائعا، واذا بيعقوب يطبخ العدس، فطلب عيسو من أخيه أن يطعمه "من هذا الأحمر"، فيستغل يعقوب جوع أخيه وتعبه ويطلب أن يبيعه البكورية، "فقال عيسو أنا ماض الى الموت فلماذا لي بكورية ... فاحتقر عيسو البكورية" (تك 25 : 29 – 34)، ويقول الوحي الكتابي عن عيسو في الرسالة الى العبرانيين 12 : 16: "لئلا يكون أحد زانيا أو مستبيحا كعيسو الذي لأجل أكلة واحدة باع بكوريته"، وأما يعقوب فقد أحبه الرب لأن قلبه كان نحو البركة الروحية، ولذلك قال: "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" (رو 9 : 13، مل 1 : 1 – 3).

نعم، فيعقوب طلب الأمور الروحية وأحب الرب، وبالتالي أحبه الله، ولكن المشكلة أن يعقوب أراد الحصول على البركة بطريقة بشرية ملتوية، فانتحل شخصية عيسو وسلب البركة سلبا من أخيه مستخدما الغش والكذب والخداع طريقا لذلك (تك 27 : 1 - 29)، وكانت النتيجة أنه دفع الثمن غاليا جدا: أعمال شاقة لمدة عشرين سنة مع خاله لابان، أربع عشرة سنة بابنتي لابان وستة سنين بغنمه (تك 31 : 36 – 42)، وعندما انصرف يعقوب من لدن خاله لابان عائدا الى أرضه كان محملا ببركات جمة من الغنم والبقر والحمير والعبيد والإماء ليست جرّاء بركة أبيه، التي سرقها، بل من مشقّته وتعب يديه (تك 31 : 42)، وليس ذلك فقط، بل أنه عوّض أخاه عيسو عن الأسى الذي سبّبه له ببركات كثيرة، وهكذا استرد المسلوب وتاب طالبا الغفران من أخيه وهكذا تمت المصالحة (تك 32 : 13 – 15، 33 : 11).

إن عيسو، الذي اعتقد أنه "الكبير"، ضرب بالبكورية عرض الحائط واستهان بها، وبالتالي كان بعيدا كل البعد عن قلب الله ومقاصده، ولذلك "أبغضه" الله، أي رفضه، كما يحكم عليه الوحي بالرسالة الى العبرانيين 12 : 17: "فإنكم تعلمون أنه أيضا بعد ذلك لما أراد أن يرث البركة رفض اذ لم يجد للتوبة مكانا، مع أنه طلبها بدموع"، ولذلك استعبد ذاك "الكبير" لـ"الصغير" يعقوب، الذي أحبه الله وأعطاه نعمة، ذاك الشخص الذي تصارع مع ملاك الله حتى بزوغ الفجر، وعندما طلب منه الملاك أن يطلقه أجابه يعقوب: "لا أطلقك إن لم تباركني"، وعندها باركه بعد أن ضرب حقّ فخذه وغيّر إسمه من يعقوب الملتوي إلى إسرائيل المستقيم (تك 32 : 22 – 29)، كما وأدرك يعقوب أنه صغير أمام عظمة الله، بخلاف عيسو، فصلّى يعقوب للرب قائلا: "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك" (تك 32 : 10).

إن كل من يظن أنه "كبير" فسوف يستعبد لـ"الصغير"، وستكون نهايته كعيسو لا سمح الرب، فالله لا يشمخ عليه (غل 6 : 7) وهو فاحص مكونات قلوبنا وأعماقنا (مز 7 : 9)، ويعرف يقينا هل نحن طالبين الرب من قلوبنا كيعقوب أم أن قلوبنا مصبوبة في الأرضيات كعيسو. سؤال هام لا بد من مواجهته: كيف أنظر الى نفسي، وهل أواجه الآخرين من منطلق قوة ذاتية أو مركز أرضي أو حكمة بشرية أو موهبة أو علم أو مال أو "الحسب والنسب" أو أي شيء آخر يمنحني الأمان المزيّف، وهذا هو الفخ الذي وقع فيه عيسو، فقد عاش متكلا على حقيقة كونه الإبن الأكبر، وبالتالي واجه الأمور من منطلق هذه القاعدة غير آبه بالبركة الروحية ومركزا أنظاره نحو الأرضيات، أم أني "لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي حتى أتمم بفرح سعيي والخدمة التي أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله" (أع 20 : 24)، تماما كيعقوب الذي انصبّت مساعيه نحو البركة الروحية، ناظرا لنفسه أنه صغير وعالما أن المصدر لكل بركة ونعمة وخير هو من لدن رب الأرباب.

هذا هو الوقت الذي ينبغي فيه أن نفحص نوايانا واتجاهات قلوبنا، ويحذرنا الوحي في سفر الأمثال قائلا: "فوق كل تحفّظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة" (أم 4 : 23). إنه الوقت الذي نقول فيه للرب: "اختبرني يا الله واعرف قلبي، امتحنّي واعرف أفكاري، وانظر إن كان فيّ طريق باطل واهدني طريقا أبديا" (مز 139 : 23 – 24)، فمن المهم جدا أن نضع قلوبنا تحت فحص المجهر الإلهي يوميا وندرك دائما أننا صغار عن ألطاف الله وعظمته وأمانته نحونا، وكي نبقى متواضعين يجب أن يكون في أنفسنا حكم الموت "لكي لا نكون متكلين على أنفسنا بل على الله الذي يقيم الأموات" (2 كو 1 : 9).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا