زمرة من الكتبة والفريسيين تأتي الى الرب وتقدّم له امرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، خطية بشعة للغاية والتي ميّزها الوحي الكتابي لشدة قباحتها، فقال عنها بولس الرسول: "كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، ولكن الذي يزني يخطئ إلى جسده" (1 كو 6 : 18)، وحكم الناموس على خطية كهذه هو القتل للزاني والزانية (لاويين 20 : 10، تثنيه 22 : 22)، وهذا ما واجه به اليهود الرب، "فماذا تقول أنت ؟!" (يو 8 : 5)، لم تكن غاية اليهود من عرض هذه القضية أمام الرب طلب الاستشارة أو محاولة إنقاذ هذه المرأة وردها عن شرها، بل "لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه" (يو 8 : 6).

ما أشد صعوبة هذا الموقف، فيسوع موضوع أمام تحدّ كبير، ما بين قدسيته وكرهه للخطية على أشكالها عامة، ولخطية الزنا خاصة، محكوما عليها من الناموس بأن "أجرة الخطية هي موت" (رو 6 : 23، تك 2 : 17) وكون الرب خاضعا للناموس وليس لناقض له (مت 5 : 17) وما بين امرأة خاطئة جدا امتدت اليها مخالب العدو لتبتلعها، فهي نفس غالية عليه، صنع يديه وخليقته التي جبلها، فيسوع "لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلّص" (لو 9 : 56) وليشفي جميع المتسلّط عليهم ابليس (أع 10 : 38)، وهو الذي قال: "السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك، وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يو 10 : 10)، و"الله يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تي 2 : 4)، والله لا يسر بموت الشرير بل أن يرجع عن طرقه الرديئة فيحيا (حز 18 : 23، 33 : 11).

في ذروة هذه الأزمة ووسط هذا "الصراع الصامت" تتجلّى عظمة هذا الإله المجيد وحكمته وجبروته في إنقاذ "الفريسة" من قبضة إبليس، فيصمت رب المجد، ينحني ويبدأ الكتابة بأصبعه على الأرض (يو 8 : 6)!! الوحي الكتابي لا يكشف ماذا كتب الرب، ولكن من الواضح أنه كان يكتب بأصبعه على الأرض على مرآى هؤلاء المشتكين ملتزما الصمت، فبصمته كأن الرب يؤكّد وجود وحدوث الخطية في حياة هذه المرأة، وبانحنائه يعلن الرب خضوعه للناموس وأحكام الناموس، أما الكتابة بأصبعه فكأنه يعلن بذلك أدانته الخطية بذبيحة نفسه وغلبته الموت بقوة قيامته، كيف لا وهذا الأصبع هو هو نفسه الذي قهر عرافي مصر وسحرتهم أيام موسى في القديم، وذلك بعد أن عجزوا عن تقليد بقية معجزات الله، فصرخوا قائلين لفرعون: "هذا أصبع الله" (خر 8 : 19)، وهو ذات الأصبع الذي أفزع الملك بيلشاصر بكل عظمته فأنهى حكمه وقسم مملكته لسبب شره (دا 5)، وها نرى ذات الأصبع يكتب على الأرض، ربما كان يكتب الآيات الواردة في سفر المزامير، والمعروفة جيدا لأولئك المشتكين، الكتبة والفريسيين، كونهم عارفين للناموس، والتي تقول: "فسدوا ورجسوا بأفعالهم ... ليس من يعمل صلاحا، ليس ولا واحد" (مز 14 : 1، 3)، أو الآية: "فسدوا ورجسوا رجاسة ... كلهم قد ارتدّوا معا فسدوا، ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد" (مز 53 : 1، 3، وبولس يقتبس هذه الآية في رو 3 : 12)، فبعدما استمروا يسألونه عندها "انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر" (يو 8 : 7) ورجع وانحنى مرّة أخرى واستمرّ يكتب على الأرض (ع 8)، وربما في هذه المرّة كان يكتب خطايا هؤلاء المشتكين التي ارتكبوها في الأمس أو ما قبله، وهنا "ينهار الحصار" ويضرب ضمير الروح القدس قلوب هؤلاء وكانت النتيجة أنهم انسحبوا من المعركة واحدا فواحدا "مبتدئين من الشيوخ الى الآخرين" (ع 9).

ان رب المجد لم يمنعهم من رجم المرأة، فلو فعل ذلك لاعتبروه مخالفا للناموس، ولكن بحكمته ومحبته وقدرته الفائقة أنقذ نفسا من الموت الروحي قبل الجسدي، فقال للمرأة: "أين هم أولئك المشتكون عليك، أما دانك أحد ؟ فقالت لا أحد يا سيد، فقال لها يسوع ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضا" (ع 10 – 11)، فيسوع لا يوصيها فقط بعدم الزنا، انما بعدم ارتكاب الخطية، وهذا يتم فقط بالمسيح له المجد، "لأنكم بالنعمة مخلّصون بالأيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله" (أف 2 : 8)، "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل الله ابنه الى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم" (يو 3 : 16، 17).

في هذه الحادثة الرائعة نرى تطبيقا للآية: "الرحمة والحق التقيا، البر والسلام تلاثما" (مز 85 : 10)، والتي يوصي بهما سليمان الحكيم في سفر الأمثال قائلا: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك، تقلّدهما على عنقك، أكتبهما على لوح قلبك، فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس" (أم 3 : 3، 4)، فيسوع يخضع للحق المعلن في الناموس "أجرة الخطية هي موت"، ويأتي الى أرضنا وعالمنا بفائق محبته للبشر ويطبق هذا الحكم بذبيحة نفسه بدلا عنا (عب 9 : 26)، فيكمل هذا الحق الكتابي بالرحمة معلنا: "وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رو 6 : 23).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا