في هذا المقال، سنستعرض طُرُق أخرى يستخدمها الإنسان لكي يميِّز نفسه عن إنسان آخر، وكيف أرشدنا الرب عن طريق التميُّز الحقيقي، وهو يبدأ بالبحث عن التميُّز في عيون الله أولاً.
كما رأينا في المقال السابق، كان هناك صراع بين تلاميذ المسيح عن التميُّز، وكيف كثيرًا ما نعاني نحن أيضًا كبشر وكمؤمنين من صراع التميز. لكن المسيح علَّم بطرس أنه إذا أراد أن يكون أعظم من باقي التلاميذ، يجب أن يُحب المسيح أكثر منهم، وليس أن يقدم للمسيح أعمال أكثر منهم.

إن أكثر الطرق التي يميز الإنسان نفسه بها بطبيعته الخاطئة، هي إبراز حسناته مع إبراز سيآت الأخرين؛ أو رفع نفسه عن طريق وضع الآخرين؛ أو الانطلاق في الخدمة، عن طريق إبعاد الآخرين.

في سفر التكوين ٣، عندما واجه الله آدم وحواء، بخطاياهم، برَّر كلاهما نفسه عن طريق إبراز خطأ الآخر:
" 11 فَقَالَ (الله): «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» 12 فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». 13 فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هَذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»."

هذا ما نفعله كمؤمنين وكخدام أحيانًا، نميِّز أنفسنا عن طريق مدح أنفسنا بطريقة أو بأخرى، وإبراز فشل الآخرين وأخطائهم. أما طريق الرب في التميُّز فيكمن في وضع أنفسنا، ورفع وإكرام الرب والآخرين. فنرى أحيانًا أن الذي يخدم، يشعر أنه محتاج لأن ينفرد في الخدمة، لكي لا يشارك التميُّز معه أحد، والذي يخدم مع خُدام أخرين، كثيرًا ما يضع نفسه في حرب باردة، وأحيانًا حارة، للصراع على التميز ومَن هو الأعظم في العمل.

تمامًا كالفريسي والعشار، لقد أصر الفريسي على أن يميِّز ذاته عن طريق إبراز أخطاء الآخرين ووضعهم، لكن العشار، فلم يسعى إلى رفع نفسه أبدًا، لكن تاب منكسرًا ووضع نفسه:

" 11 أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ. 12 أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. 13 وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ. 14 أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ»." لوقا ١٨.
والنتيجة كانت، أن العشار تميَّز في عيون الله، والله رفعه وميَّزه أمام الآخرين أيضًا؛ كما فعل مع البشير والرسول متى العشار:
نعم هذا هو طريق التميز في عيون الله، وضع الذات وفيه نختار أن نكرم الله؛ أما طريق الانحطاط، فهو رفع الذات، ونتيجته الذُل والفشل في عيون الله. إن هذه هي الكرامة في عيون الله، أن أكرم المسيح في العمل، وليس أن أكرم نفسي؛ لذلك يعلم سفر الأمثال ويقول: "مخافة الرب أدب وحكمة، وقبل الكرامة التواضع" (أمثال ١٥: ). أي انني كمؤمن يجب أن أحدد موقفي، إما أن أكرم الله، أو أن أكرم نفسي، فإذا اخترت أن أكرم نفسي، أنا بلا كرامة في عيون الله. أما أذا اخترت أن أكرم الرب، وحتى بدوسي على كرامتي وتميُّزي، يكرمني الرب ويميزني.

ألا نلمس روح صلاة العشار فينا كمؤمنين أحيانًا من خلال شعورنا، حديثنا وتصرفاتنا، بشكل مباشر وغير مباشر. ألا نقول في أنفسنا:
" أنا من المؤمنين الأمناء، أخدمك وأضحي، وأعمل بنشاط، لكن أخي هذ لا يعمل شيء، لكنه باستمرار يحاول أن يمجد نفسه، وحياته مليئة بالمشاكل والأخطاء." "أنا أخدم وأضحي وأتعب، والرب يعطيني دائمًا ثمر؛ لكن الخادم الفلاني، دائمًا يستغل تعبي وتضحياتي، ويأخذ المجد لنفسه"....إلخ.

كباقي المؤمنين، لقد اختبرت أنا بنفسي هذا الصراع، وعلمني الرب شيء مصيري. لقد اجتزت فترة فيها شعرت أني بذلت وخدمت وضحيت؛ ولم أجد أي تقدير من أحد، لكن بالعكس الاستغلال التهميش المستمر. وفي يوم من الأيام وأنا متقوقع حول الشفقة على الذات، كان لي لقاء وحوار مميَّز مع روح الرب:

قال لي الرب: "أريدك أن تشطب كلمة ضحيت وبذلت من قاموسك".
فقلت له: "لماذا".
قال لي: "إن كلمة ضحيت تعني أنك تنازلت عن شيء ثمين مقابل شيء أقل، أو لا شيء؛ فهل أنت ضحيت بشيء ثمين مقابل لا شيء، أو مقابل شيء أقل؟ "
فقلت له: "حاشا يا رب؛ إن ما قدمته من خِدمة وأعمال هي خِرَقْ بالية أمام إله مجيد مثلك."
فقال لي: "تمامًا، أنا علمتك في كلمتي أن ما خسرته من أمور ثمينه، هو مثل النفاية من أجل فضل معرفة المسيح. إعرف يا إبني أنه يوجد شخص واحد فقط من الخليقة ضحى، وهو الرب يسوع المسيح... نعم، أنا الوحيد الذي أخليت نفسي من أمجادي وضحيت، وتنازلت عن مجدي العظيم، واحتُقرت، لكي أكرمك وأميزك. فلا تقول فيما بعد أنك ضحيت بأي شيء."
فقلت له: " سامحني يا رب، أنا لا أستحق أي شيء، وكل ما أتنازل عنه هو نفاية من أجل فضل معرفتك؛ ساعدني وعلمني يا رب لأن أدرك دائمًا، أني لو عشت حياتي كلها في ألم وتعب، في احتقار وذُل، أن أشكرك دائمًا؛ وأعلن أنك تحبني، وأن ما وهبتني اياه من تبرير وبنوة وحياة أبدية معك، يفوق أي نفاية خسرتها وسأخسرها في هذه الحياة. ساعدني يا رب فيما بعد أن لا اسعى للبحث عن تميُّزي في أعمالي، لكن عن تميزي فيك أنت، برضاك عني."

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا