ضعف الكنائس التاريخية في الشرق على مر السنين تمثل فيما تمثل في وهن وركاكة الوعظ بالانجيل بقوة فيها. من هنا تجد ان المسيحيين العرب يتمتعون بثقافة وعلم باعلى المستويات لكنهم يفتقرون لمعرفة الانجيل ومبادئ ايمانهم المسيحي. رغم ذلك فان تعرض المسيحيين العرب للانجيل وتعاليمه – وحتى ولو كان ضئيلاً- شكّل شخصيتهم وقيمهم على مر العصور. ففي كلمة الرب قوة الهية وهي لا ترجع فارغة وتأثيرها كبير على من يسمعها وينكشف عليها حتى ولو كان خفيفاً. وهكذا تغلغلت مبادئ المسيح أما بالمثال أو بالتعليم في نفوس الكثير من المسيحيين، فرفعوا راية المحبة والتضحية والعيش المشترك والمسامحة والعمل المخلص الجاد.

يبدو للمتتبع احوال المسيحيين العرب ان هذا الحال قد تبدل في العقود الأخيرة. وجدت مبادئ الانجيل في الماضي ارضاً خصبة في نفوس المسيحيين متمثلة ببساطة الحياة ولكنها استبدلت بأرض ناشفة ويابسة. في الماضي قبل المسيحيون ما تعلموه عن السامري الصالح أو القاعدة الذهبية من محبة القريب مثل محبة الذات بانفتاح. أما اليوم فقد انتشرت بين المسيحيين خلافات الأملاك المنهكة بين الاخوة. تضاعفت نسب الطلاق واصبحت خلافات صغيرة بين الزوجين سبباً في الافتراق والقطيعة. زادت هذه الأيام الخلافات المادية وصراعات السلطة حتى في داخل الكنائس أو المؤسسات المسيحية.

ما هي اسباب ضعف التأثير الايجابي السابق لمبادئ الانجيل اليوم؟ فيما يلي اربع تغييرات ساهمت بهذا التغيير.

1- انتفخ الكثيرون اليوم بسبب علمهم وتكبروا على الانجيل واعتبروه موضة قديمة لا تلائم العصر. وقد قاد ذلك الى أن بعضهم وقع لعلمهم في حفرة وضع الايمان المسيحي وباقي الديانات في نفس البوتقة وعلى قدم المساواة. أدى هذا الى تخفيف ايماننا المسيحي لدرجة فقدانه لخواصه ومميزاته. تحت غطاء "التنوُّر" انفتحوا على ديانات اخرى في الوقت الذي لم يعرفوا ايمان اجدادهم، وهكذا فقدوا حتى القليل الذي امتلكوه.

2-آخرون وقعوا في مطب المادية واصبحوا يرون كل شؤون الحياة بأعين تبحث عن الربح المادي الأكبر. الربح هو في سبيل الاستهلاك والمتعة اليومية من لهو وصرف وشراء المزيد والأفضل ليبهر القريب والبعيد. من لا يقدّر الا الكسب والربح المادي والانبساط والمتعة يرى كل ما يدعو للتضحية أو محبة القريب كمثاليات لا مكان لها في حياته. يصبح الانجيل لمثل هؤلاء مجرد ازعاج في طريق وصولهم الى غايتهم في زيادة رصيد حساب البنك ومن ثم تفريغه في سبيل اقتناء المزيد.

3- صنف آخر هو ذلك الذي تبني فلسفات نظريات سياسية ثورية أو اجتماعية. ما فتئ المسيحيون العرب يسعون للخروج من عقلية الأقلية في الشرق والانخراط في مجتمعاتهم. فقاموا بالانضمام لحركات سياسية وثورية علمانية "ومتنوِّرة" لا تفرق في عقيدتها بين المجموعات الدينية المختلفة. كأقلية تجاهد لتلقى لها قبولاً، وجد المسيحيون في هذه الحركات والاحزاب الملجأ الذي بحثوا عنه. فقاموا في كثير من الاحيان بتبني مواقف مخلصة للغاية لعقيدة هذه الحركات. طلبت هذه الحركات والاحزاب من مؤيديها تهميش عقيدتهم الدينية لأنها تفرق بين أعضاء التيار الواحد. فقام المسيحيون بذلك بفرح مضحين بايمانهم لأجل احلام بمستقبل مثالي فيه المساواة والعلمانية وغيرها. تنازلوا عن العقيدة والكيان والتاريخ الموروث والحياة في سبيل سراب.

4- بعض هذه الحركات شملت في نهجها مواقف ثورية ضد واقع سلطوي معين (وقد يكون ذلك نظام رجعي او مواقف ذكورية مستبدة أو احتلال بائد أو غيرها). ان نهج هذه الحركات هو التحدي والمناهضة ولغتهم هي لغة رافضة ومواقفهم معارضة. نظراً لتبني هذا النهج تصبح التوجهات عند اعضاء هذه الحركات معادية ومناهضة ويعتبرون كل اختلاف في الآراء سبباً لنضال وتحدي. يسوع نادى بالموقف النبوي وبقول الحق ولكنه أكد ضرورة القيام بذلك بمحبة. هذه المجموعات من الناس تجهل اصلاً مواقف يسوع ولضحالة معرفتهم بالايمان المسيحي يصلون للاستنتاج ان مواقفهم المتحدية للظلم لا تتناسب مع الايمان المسيحي فيرفضون الأخير قلباً وقالباً.

الطريقة الوحيدة لتفتيت المعارضة لقبول مبادئ الانجيل هي في غرس الأرض اليابسة بكلمة الرب وحفر الأرض وتبديل ترابها وكشفها على شمس الابن وريّها بماء الروح القدس . تقع مسؤولية هذا العمل الجبار على كل من اهتدى بنور الانجيل.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا