في أقل من ستة أيام تحوّلت هتافات الترحيب والاجلال والاستقبال ليسوع بدخوله أورشليم إلى صرخات تندّد بصلب يسوع وقتله ... نعم ... هؤلاء الذين أهّلوا بيسوع وهتفوا "أوصنا مبارك الآتي باسم الرب" هم هم الذين جلدوه وأهانوه وقتلوه ... ما أسرع هذا الانقلاب الرهيب، فقبيل بضعة أيام من صلبه كان يسوع بالنسبة لهؤلاء "الهاتفين" بمثابة الملك الذي سيتربع على مملكة داود ويحكم البلاد، وخلال أيام معدودة انقلبت الآية وأصبح يسوع بمثابة المحرّض واللص والمجدّف الذي يستحق عقاب الموت ...

إن هذا التقلب المتقارب في الأحداث يعكس طبيعتنا البشرية من جهة، ومن ناحية أخرى يؤكّد لنا أن اتّباعنا للمسيح فيه الأوصنا والأمجاد ولكنه مقرون بالجلجثة والألم، فها نرى يسوع رب المجد يخاطب تلاميذه: "... الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتا أو أخوة أو أخوات ... لأجلي ولأجل الانجيل الا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتا وأخوة وأخوات وأمهات وأولادا وحقولا مع اضطهادات وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (مر 10 : 29 – 30). ان حياة يسوع على الأرض ما هي الا نموذج لحياة كل من يتبعه بالحقيقة، فهو الذي اضطهد، فلا عجب ان اضطهدنا، فهو الذي قال: "ان كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم" (يو 15 : 20)، وهو الذي تألّم مجرّبا يقدر أن يعين المجربين (عب 2 : 18)، كيف لا وقد سبق وأنبأنا قائلا: "في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16 : 33)، كما ووهب لنا لأجل المسيح لا أن نؤمن به فقط بل أيضا أن نتألم لأجله (في 1 : 29). ان عنصر التأديب والألم هو جزء لا يتجزأ من حياتنا مع المسيح، فالذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله (أم 3 : 12، عب 12 : 6)، و"كل تأديب في الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن وأما أخيرا فيعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام" وذلك "لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته" (عب 12 : 11). من هنا فالتأديب والألم هما هبة وعطية منحهما الله لأولاده كوسيلة للنضوج الروحي ولاعطاء ثمر بر للسلام، ولكي نشترك في قداسته، "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبها بموته" (في 3 : 10).

السؤال الجدير بالأهمية هو كيف ننظر الى المؤمن المتألّم الذي يجتاز في ظروف عصيبة وآلاما عسيرة وقد يصل الى وادي ظل الموت! هل نراه بعين الدينونة متسائلين: "من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى" (يو 9 : 2)، هل نصنّفه من جملة الذين لدغوا كبولس الرسول "ولم يدعه العدل يحيا ولو نجا من البحر" (أع : 28 : 4)، وبعد ذلك بقليل، ولما رأوا أنه لم يتضرر "تغيّروا وقالوا هو اله" (أع 28 : 6) ... هل نضعه في مجموعة الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم أو أولئك الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم ؟! (لو 13 : 1 – 5). لنتذكّر أن الوعد مع تابع المسيح السائر في وادي ظل الموت "لا أخاف شرا لأنك أنت معي" (مز 23 : 4)، وان المولود الأعمى خلق كذلك ليس لخطية فعلها أحد "لكن لتظهر أعمال الله فيه" (يو 9 : 3)، وبولس الرسول قد تألّم كثيرا جائلا في براري وقفار، عبر البحار واليابسة حاملا مشعل البشارة السارة للعالم آنذاك (أنظر من فضلك لمحة عن آلام بولس في 2 كو 11 : 23 – 33)، أما أولئك الذين ذبحهم بيلاطس وسقط عليهم البرج وقتلهم فلم يكونوا خطاة أكثر من الجليليين الآخرين كما أجابهم السيد، "بل أن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون".

اذا ألقينا نظرة على رجال الله عبر صفحات الكتاب، بعهديه القديم والجديد، لرأينا كم تألّموا لأجل تمجيد خالقهم، حتى الموت، "تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضا وحبس، رجموا، نشروا، جربوا، ماتوا قتلا بالسيف، طافوا في جلود غنم وجلود معزى، معتازين، مكروبين، مذلين ..." (عب 11 : 36 – 37). وأي مثال للألم أعظم من سيدنا وربنا الفادي يسوع وفي مثل هذي الأيام، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينا بالخزي (عب 12 : 2). ان اتباعنا للمسيح يعني الدخول من الباب الضيق، وما أضيق الباب وأكرب الطريق المؤدي الى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه (مت 7 : 14).

"لذلك نحن أيضا اذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه"، وان كنا نبحث عن حياة الأوصنا والقيامة فلا بد أن نعبر درب الآلام والجلجثة مع سيدنا الفادي يسوع، بالذات في أيامنا حيث الخطية محيطة بنا بسهولة، "ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا، ناظرين الى رئيس الأيمان ومكمله يسوع ... فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه لئلا تكلوا وتخوروا في نفوسكم". (عب 12 : 1 – 3).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا