إن "الحب والحدود" بما يُمثِّلانه من قيم ومبادئ في حياتنا، هما العامودان الأساسيان في التربية. هما وجهان لعملة واحدة اسمها: "التربية"! ونتيجة لما تعرضنا له كأطفال نجد أنفسنا اليوم نملك مفاهيم خاطئة تقودنا مرات كثيرة للتعامل فقط مع أحد وجوه هذه العملة، أو ممارستهم كليهما دون اتزان!

كثير من الأهل لديهم هذا الشعار: "أن أُبكي طفلي بهدف التربية الصالحة هو أمر جيد!" مستندين بذلك على الآية الكتابية: "ربِّ إبنك بقضيب من حديد." نعم، الحدود هي شي مهم وأساسي وضروري لحماية الطفل، ولكن كيف أُقوِّم مسار الطفل دون أن أقاومه، ودون أن أكبته، ودون أن أُشعِرهُ بالرفض؟!

حين نبحث أكثر نجد بأن الطفل عبارة عن مجموعة من المشاعر وهو مخلوقٌ مُفعم بالحياة، كما ولديه القدرة على الإبداع والتلقائية. يرغب باللعب والمرح والضحك... مليء بالرغبات وبالطاقة.. ولكنه أيضًا جامح ولا يدرك الحدود. لا يعرف متى عليه أن يتوقف، مثله مثل النبات الذي ينمو ويكبر ويمتد ويتكاثر...فإن لم يتم تقليمه سوف يجتاح المكان بلا حدود!

يحتاج هذا الطفل إلى الأهل والقيادة لتوضيح الحدود، ويجب أن يكون لدى الأهل نظام تربوي شبه ثابت لوضع القواعد والقوانين الواضحة للطفل.

عليهم بناء نظام للقوانين والأساسات الخاصة والتي تلائم مفاهيم وأولوياتهم عائلتهم وبيتهم، بحيث يحوي هذا النظام على الأخلاقيات المناسبة كاحترام الكبير وطاعته، وإحترام الآخر بغض النظر عن سنه أو دينه أو وظيفته...والإلتزام بالمهام اليومية المناسبة لعمره كالنظافة الشخصية، والمحافظة على الأغراض الشخصية، والواجبات الدراسية، والحفاظ على النظام العام للمنزل... ولنقل بأن هذا هو القانون ومن يخالفه يجب أن يعاقب، ولكن بكل إحترام لإنسانيته؛ وعلى هذا العقاب أن يتناسب مع حجم الخطأ الذي اقترفه الطفل. ومن المهم أن ألفت النظر إلى أن التعلم والإلتزام يحتاجان للصبر، والوقت، والقدوة الصالحة، والتشجيع، والتحفيز، والمشاركة..

هذا ما اقصده بسنّ القوانين من أجل تربية الطفل و يجب ان نلتزم دائمًا بالعقاب المتفق عليه.

من الجيد أن يتفاعل الأهل مع الأطفال مستخدمين طريقة التشجيع والتحفيز مع الكثير من الصبر، وكذلك المشاركة أحيانًا والتي من شأنها جميعًا أن تُعلِّم الاطفال أصول الحياة.

إن العقاب يجب أن يكون متفق عليه وكأن الطفل هو من اختاره. علينا أن نشرح للطفل بأن اختياره للخطأ أو الثواب هو ما أدّى إلى العقاب، لذا لديه الإرادة الحرة والتي تقوده في الاتجاه الذي يريده هو، و قد يكون هذا الاتجاه هو العقاب!

ولكن ما هو أساسي ومهم هنا هو ألا يفقد الأهل تعبيرهم الدائم والمستمر عن حبهم غير المشروط للأطفال بينما هم يمارسون هذا النظام اليومي، لأنه عندما يُخطئ الطفل - وسيحدث ذلك كثيرا جدا لأنه طفل وبسبب ما ينطوي عليه ذلك كما شرحنا- سيسهل عليه الإحساس بأنه لن يُحَب ولن يكون مرضي عنه من قِبل الأهل، وانه يجب ان يبذل المجهود للحصول على الحب وعلى الرضا، وهنا يكمن الخطر!

لذا على الأهل أن يتنبهوا لهذه النقطة ويُشعروا الطفل بأنه محبوب دون شروط ، بل هذه القوانين وُضعت لخيره.

أجد الكثير من الأهل -الذين يريدون خيرًا لأطفالهم بطبيعة الحال- يرفضون بشدة الخطأ، وكأنهم لم يتصالحون شخصيًا مع فكرة إنسانيتهم وحقيقية أن الخطأ هو جزء من الحياة اليومية. فنحن لا نستطيع أن نتوقع من أطفالنا أن يكونوا كالملائكة، كما ولا نتوقع الأمر ذاته من أنفسنا!

من المهم أن نُدرك هذه الحقيقة، وعندها فقط نسأل أنفسنا: "ماذا نصنع حين نخطئ؟" فهذا هو الدرس الذي يجب ان نتعلمه وأن نُعلمه لأطفالنا، أن نعترف بالخطأ ونقبل فكرة أننا محدودين ولا بد سوف نخطئ وعندها يجب أن نعتذر، ونقبل الغفران، ونحاول من جديد.. ولدينا هذا الأمل دائمًا بأن التغيير والتعلم يحتاجان إلى الوقت والصبر.

أخاف كثيرا أن يعتقد أطفالنا بأن رفضنا الشديد وصراعنا مع الخطأ هو رفضنا لهم وصراعنا معهم، وبذلك يعجز أطفالنا عن استقبال الحب الذي هو العمود الثاني في التربية. وما يحسم الأمر هنا هو ليس ما نقوله من كلمات عن مدى حبنا لهم، بل ما نحياه وبصدق مع أنفسنا. كيف نقبل عيوبنا ولا نرفض حقيقة ما نحن عليه، وكيف نسامح أنفسنا حين نخطئ، و مقدار الأمل والرغبة لدينا في التغيير والتعلم.

علينا أن نتذكر بأن الله خلقنا لنحيا وهو يعلم جيدًا ضعفاتنا وبأننا سنخطيء في مرحلة من مسيرتنا. هو لم يخلقنا كي لا نخطئ، بل انه وضع القواعد لتحمينا حتى لا يمنعنا خوفنا من الخطأ من أن نحيا ونعيش ونحاول..

نجد البعض يرفضون تمامًا فكرة الحدود لأنهم يعتقدون ويشعرون بأنها تُفقد الطفل طفولته وتُحزنه، وقد تؤذي نفسيته، والكثير من الأسباب المتعددة التي تجعلهم يتركون الطفل بدون حدود لدرجة تؤذي الطفل. وحقًا تفاجئني مساحة الحرية و كمية التسيب التي أراها في هذه الحالات!

فلا مواعيد، ولا إحترام، وقد يبذل الأهل أطنان من المجهود ويخرجون عن طرقهم و ظروفهم لإرضاء هذا الطفل. و بكل أسف أقول انه بدون حدود لن يشعر الطفل بالرضا أبدًا كما ولن يشعر بالامان، فنحن نخلق لهذا الطفل عالم غير واقعي يعيش فيه؛ فعالمنا له قواعد وما يزرعه الإنسان إياه يحصد. كما اننا في هذا العالم لا بد وسنتألم ونحزن و نشعر بالملل مرات وتخيب آمالنا مرات أخرى، وفي أوقات كثيرة لن نحصل على ما نريده ويجب أن نتعلم التكيُّف مع هذا، فنحن لا نملك العالم أو الناس.

مفاهيم كثيرة خاطئة تصل للطفل في هذا النوع من التربية الخالي من الحدود، وأنا أكاد أكون متأكدة انه لم يكن في خاطر هؤلاء الأهل ان هذا هو تأثير ما يفعلونه.

ومن تفسيري الشخصي وخبرتي، أؤمن بأن هؤلاء الأهالي جميعًا كانوا ضحايا لأهل فضَّلوا الصح عنهم وأشعروهم بالرفض الشديد حين أخطاوا وحوَّلوا طفولتهم لجحيم بطرق عقاب مؤذية سببت لهم الألم الشديد، وبذلك هم يحاولون اليوم أن لا يعيش أطفالهم ما عاشوه هم سابقًا!

ولكن أنوِّه هنا بأن ما تعرضوا له في صغرهم لم تكن حدود تحمي الطفل وتعلمه و تحضِّره ليعيش الحياة بطريقة سليمة ، إنما هي كانت إساءة بحقهم من قبل ذويهم الذين تسببوا لهم بالألم الشديد، وإن لم يتعاملوا معه اليوم وهم ناضجين فسوف يدمرون حياة أطفالهم ظانين بأنهم يفعلون العكس!

دعونا نتواجه ونتعامل عن كثب مع طفولتنا بكل ما حدث فيها،لأن في ذلك مصدر للكثير من الأخطاء التي نقوم بها اليوم في تربيتنا لأطفالنا. أشعر بأن هذه هي نقطة البداية لأمومة وأبوة جيدة وحسب قلب الله.

في المقالة القادمة سأناقش ما هو النظام التربوي الذي تعرضتُ له كطفل وكيف كان شعوري كطفل.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا