إن رسالتي في هذا المقال هي رسالة معروفة نحتاج أن نسمعها مرارًا وتكرارًا؛ والكثير من الخدام والمؤمنين يتثقلون بها عادةً في نهاية كل عام؛ أنها اصلاح العلاقات المكسورة وتصفية القلوب.

سأخص بالذكر في هذا المقال الحالة التي فيها يكون أخوك مجروح منك أو بسببك؛ عندها يجب أن تذهب أنت لتصالحه. لا يكفي أن تصلي أو تتوب أمام الله فقط على ما قلته له أو ما فعلته بحقه؛ بل يجب أن تذهب وتصطلح معه، كما قال الرب:
" ٢٣ فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ ٢٤ فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ." متى ٥.

لاحظ هنا أن المسيح يطالبك بالاصطلاح مع أخيك عندما يكون هو متضايق منك في شيء ما، وحتى لو كنت تعشر أنك لم تخطئ بحقه، يكفي أنه متضايق منك سواء بعلة أم بغير علة. أما من جهة المصالحة، فلقد قدم لنا الكتاب المقدس مبادئ مباركة وواضحة للتصالح مع بعضنا البعض كأخوة.

يوجد عندنا قصة في الكتاب فريده، وهي قصة الخادم أنسيمس الذي كان يخدم عند سيده فليمون في كولوسي. وذات يوم، سرق أنسيمس مبلغ من المال من فليمون، وهرب إلى روما وهناك تقابل مع بولس. كنتيجة لهذا، قبل أنسيمس المسيح مخلصًا وتاب عن خطاياه وحياته السابقة. بعدها قام بولس بتلمذته وحثه للرجوع إلى فليمون، وأرسل معه رسالة إلى فليمون، كمحاولة لمصالحة أنسيمس مع فليمون. وهناك نرى ثلاثة مبادئ هامة للمصالحة نتعلمها من رسالة فليمون:


مواجهة الماضي:

10 أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي، 11 الَّذِي كَانَ قَبْلاً غَيْرَ نَافِعٍ لَكَ، وَلَكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي،"
بولس هنا يتكلم عن ولادة أنسيمس الروحية، أي أنه لم يكُن قبلا ابن للرب، أما الآن فهو ابن محبوب للرب. كان أنسيمس خادمًا عند فليمون، وبالطبع كان يخدم بالكنيسة التي في بيته (عدد ٢). لكن مع هذا، لم يفتح قلبه لقبول المسيح والإنجيل. وفي عبارة: "وَلَكِنَّهُ الآنَ نَافِعٌ لَكَ وَلِي"، نلاحظ أن انسيمس اصبح نافع لفليمون أولاً، ومن ثم لبولس، دون أن يرى فليمون أو يتكلم معه. وهنا يريد الوحي أن ينبهنا بأن أنسيمس قد واجه ماضيه وتاب عليه، وبالتالي أصبح نافعًا لفليمون على خلاف ما كان عليه في حياته السابقة. مواجهة الماضي والتوبة عليه، تعني أنك لو رجَّعت الماضي بحالتك الروحية الجديدة، لما كنت تفعل ما فعلت. إن هذه هي الخطوة الأولى للمصالحة وتبدأ بالمصالحة مع الله. أما بالنسبة للمؤمنين، فيها يواجهون الحدث، يعترفون بخطأهم، يتوبون عليه، ويتحررون من الشعور بالذنب وقيود الخطية لما حدث.


المصالحة
:

في مرحلة المصالحة، يجب أن يواجه المؤمن التائب الإنسان المجروح منه. لذلك فبالرغم من أن أنسيمس تاب وقبل المسيح، وأصبح خليقة جديدة؛ فبولس بحسب إدراكه لقداسة وحق الله، قد أرسله ليتصالح مع فليمون على ما فعل؛ كما تقول الكملة:
" ١١ الذي رددته، فاقبله الذي هو أحشائي.”
إن هذه المرحلة غير مستحبة للإنسان، وهي منافية لطبيعة الإنسان الخاطئة، ولذلك الكثير من المؤمنين يقفون عند النقطة الأولى، "مواجهة الماضي"، ولا يكملون الطريق. إن أكبر العوائق لعملية التصالح هي الكبرياء، والكرامة البشرية؛ أو فكرة: “أنا لم أخطئ بحقة !! فلماذا أذهب لأتصالح معه؟؟"، وأفكار أخرى مشابهة. والسبب في هذا الفكر هو الطبيعة البشرية الناموسية القديمة الخاطئة، وهي عيش المؤمن تحت شجرة معرفة الخير والشر، الحلال والحرام، مُخطئ وغير مُخطئ. أما في ظل العهد الجديد، فدائمًا أنا مُخطئ مهما حدث!! لكن لماذا؟؟
أولاُ لأن الكتاب يقول هذا:
" ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرَّر قُدَّامك حيٌّ.” مزمور ١٤٣: ٢.
" إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيِّد فمن يقِف.” مزمور ١٣٠: ٣.

فهل هذا صحيح لجميع الحالات؟ دعني آخذ سيناريو فيه أنا لم أخطئ بشيء بحسب جميع المعيير البشرية الممكنة:
دعونا نتخليل أني كنت واقفًا، وجاء أحد الأشخاص، شتمني، ضربني، وذهب. أما أنا، فلم أجبه بكلمة، ولم أحقد عليه ولم أتصرف معه بالمثل، وسامحته على عمله. هل في هذه الحالة أنا مُخطئ؟
بحسب الآيات السابقة نعم !! لكن كيف ؟؟؟ فأنا لم أخطئ بشيء!!

إني أظن أني لم أخطئ، لأني لا زلت أنظر إلى الأمور بمنظار قيود الناموس الكامنة في شجرة معرفة الخير والشر: "صح وخطأ"، "مخطئ وغير مُخطئ"، أما في منظار العهد الجديد، فنحن نعيش تحت شريعة أخرى؛ وهذا يقودنا إلى المبدأ الثاني الذي يقول:
" فمن يعرف أن يعمل حسنًا ولا يعمل فذلك خطيةً له.” يعقوب ٤: ١٧.
ففي الحالة السابقة، إذا تواجهت مع قداسة الله في لقاء روحي بانكسار، سيسألني الله:
" هل ذهبت لتتلكم معه بعدما فعل ما فعل؟ هل حاولت أن تفهم لماذا كان غضوب وعنيف؟ هل صليت لأجله؟ هل صمت لأجله؟ " واحتمالات أخرى كثيرة كان بإمكاني أن أفعلها ولم أفعلها؛ إن ذلك خطية لي، بحسب المبدأ الثاني. نعم هذا هو مستوى القداسة في العهد الجديد، فيه أنا مدعو ليس لأطرح التصرف الخطأ فحسب، بل لأطرح جانبًا التصرف الصحيح والحسن، وأسعى نحو تصرف أفضل وأفضل؛ وإن لم أفعل هذا، فأنا مُخطئ. فأنا دائمًا مخطئ، لأنني مهما تصرفت، من المؤكد أن هناك تصرف أفضل. أنها فعلاً شريعة مجيدة سماوية، نحن مدعوين أن نتحرر فيها من شجرة معرفة الخير والشر، الناموس والإنسان العتيق، وندخل إلى عمق عظمة محبة وقداسة الله؛ وندرك عمق محبة المسيح، الذي رفع مستوى الشريعة الخلقي، من المحدود، الى اللا محدود.


إصلاح المواقف
:

إن اصلاح الموقف يجب أن يئول أخيرًا إلى التغيير من الطرفين؛ فبالرغم من أن فليمون عنده ألف سبب يبرهن به كم هو مظلوم ومتضرر، وكم هو " لم يخطئ"؛ لكن بولس يحفزه على تغيير معاملته لأنسيمس من عبد إلى أخ محبوب مثله تمامًا. فبولس يقول لفليمون أنه كان يود أن يُبقى عنده أنسيمس ليخدمه نيابة عن فليمون، أي أنه نافع الآن للخدمة مثله تمامًا (عدد ١٣)؛ ويحثه أن يقبله من جديد، ليس كعبد، بل كأخ في الجسد وأيضًا في الرب (عدد ١٦). أيضًا بولس يذكر فليمون أنه ليس أفضل من انسيمس، فلقد كان هالكًا، والله استخدم بولس لخلاصه ورده لله (الأعداد ٨ و١٩). وثانيًا، يجب أن يقدم الشخص المتصالح أعمال تعبر للطرف الآخر عن ثمار المصالحة، كما تطرق بولس لقضية المبلغ الذي سرقه أنسيمس وتعهد بأن يسدَّه بنفسه:
" 18 ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ."

إن هذه الحالة تتكلم عن رد المال الذي أُخذ؛ لكن في حالات أخرى؛ مثلا إذا تكلمت على أخيك بكلمات نميمة سببت له مشاكل، يجب أن تذهب بعدها وتتكلم مع الذين قلت لهم كلام النميمة، وتعترف لهم أنه خطأ وأنك أخطأت في هذا بحق أخيك. أن هذه المرحلة الثالثة، هامة جدًا، لكن ليس لها قيمة دون المرحلتين السابقتين.

هل تريد أن تدخل السنة خفيفًا من أي قيود وأحمال؟ إن أحمال العلاقات المكسورة هي من أكبر الأحمال. فإذا قال لنا الرب: ".. فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ (تقدمتك عبادتك)... وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ..."، هذا يعني أن: عبادتك، صلواتك، طلباتك مرفوضة لدى الله، أو معلقة، إلى أن تصطلح مع أخيك. لأنه يوجد عندنا عدو قاسي هو إبليس، يريد أن يستخدم العلاقات المكسورة، التي لم نُصلحها، ويحاربنا بها قانونيًا. لذلك بعد دعوة المسيح لنا بأن نصطلح أولا مع أخينا، يحذرنا بأن نتفق مع خصمنا إبليس على أننا أخطأنا؛ ونتوب لله سريعًا؛ لئلا نُلقى في السجن إلى أن ندفع الثمن كاملاً؛ وهو الاصطلاح مع أخينا؛ كما أكمل يسوع وقال:
" 25 كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ (إبليس) سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ لِئَلا يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي (الله) وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. 26 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ! " متى ٥.

إن الكثير من المؤمنين يعيشون في ذلك السجن سنين طويلة، وُيِصرُّون على أن يرفضوا دفع الفلس الأخير- المصالحة؛ فتظل حياتهم مقيدة؛ ويختارون أن يعيشوا فترات كبيرة من حياتهم بالجفاف الروحي وعدم الانطلاق، ولا يختبرون الانتعاش الروحي؛ وإذا استمروا في تلك الحالة، ربما يتركون الرب في نهاية الأمر.

لذلك يتابع بولس ويقول لفليمون:
" 20 نَعَمْ أَيُّهَا الأَخُ، لِيَكُنْ لِي فَرَحٌ بِكَ فِي الرَّبِّ. أَرِحْ أَحْشَائِي فِي الرَّبِّ."
فبالرغم من أن بولس يريد أن يُبقي أنسيمس عنده لكي يخدمه (عدد ١٣)، لكنه يدرك أن أنسيمس مربوط ومقيد؛ وهو لا يزال مُلقى في ذلك السجن، إلى أن يصطلح مع أخيه فليمون. وعبر بولس عن تعبه الشديد من الأمر، بالرغم من أنه ليس صاحب الأمر والمشكلة. فكم بالحري المؤمن، صاحب الأمر والخلاف، كيف يستطيع أن يأتي إلى الكنيسة، ويصلي، أسابيع وأشهر وسنين، دون أن يصطلح مع أخيه؟؟

سأترك هذا التحدي أمام كل واحد منَّا قبل نهاية هذا العالم، وأنا أقدم دعوة لجميع المؤمنين الذين عندهم علاقات مكسورة ليصلحونها سريعًا، لكي تكون السنة القادمة، سنة مباركة، محاطة بالانطلاق الروحي.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا